رأي

لأن السلام لا يولد على الطاولات: حبر على ورق؟(إبراهيم عميس)

 

 

كتب د. ابراهيم علي عميس – الحوارنيوز

 

خلال إحدى العمليات الجراحية مؤخراً، وبينما كانت يداي منشغلتين بما اعتدتُه آلاف المرات، شرد ذهني إلى ما هو أبعد من غرفة العمليات. خطرت لي فكرة لم تكن طبية في جوهرها، وإن وُلدت من صميم الطب: أن أنجح القصص الهندسية قد تُخفق لأسباب لا علاقة لها بالهندسة، وأن في ذلك درساً يتجاوز جسد المريض إلى مصائر الأمم.​​​​​​​​​​​​​​​​

 

في عالم جراحة العمود الفقري قصة لافتة عن القرص الاصطناعي “شارتيه”   Charité) ) . وما يجعلها استثنائية ليس التكنولوجيا بحدّ ذاتها، بل حجم الطموح الكامن خلفها. تخيّل التحدّي: أن تستبدل واحداً من أكثر التراكيب الميكانيكية تعقيداً في جسم الإنسان، أي القرص بين الفقرات، بجهاز صناعي يحافظ على الحركة الطبيعية للعمود الفقري، ويصون ميكانيكيته الحيوية، ويُجنّب المريض القيود التي تفرضها عمليات دمج الفقرات.

ما بدأ فكرة على ورقة تطوّر عبر عقود إلى مشروع علمي وهندسي ضخم، شارك فيه عدد لا يُحصى من الباحثين والمهندسين والجراحين، وخضع لدراسات سريرية ومراجعات تنظيمية دقيقة، واستقطب استثمارات يُرجّح أنها بلغت مئات ملايين الدولارات. وفي عام 2004 صار “شارتيه” أول قرص قطني اصطناعي ينال موافقة إدارة الغذاء والدواء الأميركية. وبمقاييس كثيرة، نجح بالفعل؛ إذ حقّق مرضى اختيروا بعناية نتائج ممتازة على المدى الطويل، أكّدت سلامة الأسس العلمية التي بُني عليها.

لم يكن الأمر مغامرة عشوائية ولا تجربة متهورة، بل العلم في أبهى صوره: تحديد منهجي لمشكلة، وفهم لآلياتها، ثم حلّ أنيق يحاكي الطبيعة بأكبر قدر ممكن من الدقة.

ومع ذلك، فشل المشروع إلى حدّ بعيد.

 

لا لأن الجهاز لم يعمل، ولا لأن العلم كان خاطئاً، بل لأن كثيراً من الحقائق العملية المرتبطة بتبنّيه لم تُؤخذ في الحسبان. فقد تطلّب نجاحه اختياراً مثالياً للمرضى، وخبرة جراحية متخصصة، والأهمّ: دعم الجراحين الذين كان يُفترض أن يعتمدوه ويستخدموه. لكن منظومة التعويضات والحوافز لم تمنح كثيرين منهم سبباً كافياً للتخلّي عن عمليات الدمج التقليدية الراسخة. نجح أصحاب المشروع في حلّ المشكلة الهندسية، وأخفقوا في حلّ المشكلة البشرية. كان هناك طرفٌ أساسي لم يُشرَك، ولم تُعالَج هواجسه ومصالحه. فلم يتبنّ الجراحون التقنية على نطاق واسع، وانتهت رحلة “شارتيه”، رغم وعودها، إلى تصنيفها إخفاقاً تجارياً وإخفاقاً في الانتشار.

 

لكن “شارتيه” لم يسقط في غرفة العمليات، بل في المسافة بين الفكرة ومن يُفترض أن يحملوها. وهذه المسافة بالذات هي ما يستحقّ التأمّل اليوم، بعيداً عن الطب.

 

فمع دخول لبنان في نقاشات تتعلق بالأمن والاستقرار واحتمالات سلام طويل الأمد، يصعب تجاهل أوجه الشبه. وبغضّ النظر عن الموقف من المفاوضات نفسها، يبدو أن لدى بعض الجهات افتراضاً بأن الاتفاقات التي تُصاغ بين الحكومات والدبلوماسيين والقوى الدولية قادرة وحدها على إنتاج نتائج دائمة. إلا أن “شارتيه” يذكّرنا أن أمتن الصياغات تنهار حين يُترك خارجها من يُفترض أن يعيشوا بها.

 

فأهل الجنوب ليسوا مجرّد مراقبين لهذا المسار. هم من عاش تبعاته، ودفع أثمانه، وشكّل جزءاً من واقعه عقوداً طويلة. وهواجسهم وتضحياتهم ومخاوفهم وفهمهم لمعنى الأمن ليست تفاصيل جانبية تُؤجَّل إلى ما بعد الاتفاق، بل جزء من المعادلة نفسها. قد يبدو السلام منطقياً على الورق، ويلبّي أهدافاً دبلوماسية وحسابات استراتيجية، لكنه إن لم يجد المتأثرون به مباشرةً مصالحهم ممثَّلة فيه، بقي هشّاً معرّضاً للاهتزاز. فالسؤال ليس إن كان السلام مرغوباً، بل إن كانت العملية نفسها تستوعب من يُفترض أن يمنحوه شرعيته واستمراره.

 

وهنا تكمن العبرة الحقيقية من قصة “شارتيه”: فكرة لامعة، مدعومة بالعلم والمال والخبرة وحسن النوايا، لم تبلغ كامل إمكاناتها لأن طرفاً أساسياً لم يُؤخذ في الحسبان. كانت التكنولوجيا سليمة، لكن البيئة المحيطة بها لم تكن كذلك.

والدول ليست أرحب من ذلك بكثير.فالاتفاق، مهما بدا متقناً على الورق، يبقى حبراً صامتاً ما لم يجد مكانه في حياة الناس. وابن الجنوب الذي عاش الحرب لا يبحث في النصوص عن براعة الصياغة، بل عن الطمأنينة: أن يبقى بيته قائماً، وأرضه مصونة، ومستقبل أولاده أكثر أمناً من ماضيه. فإذا وجد نفسه حاضراً في المعادلة، تحوّل الاتفاق إلى ثقة وإلى واقع. أما إذا غاب الإنسان عن الحسابات، فقد تبقى البنود كاملة، لكن الاستقرار يبقى ناقصاً.

فكما لم يكن مصير «شارتيه» رهناً بالهندسة وحدها، لا يكون مصير الأوطان رهناً بالتفاهمات وحدها. فالسلام لا يولد على الطاولات، بل يترسخ حين ينعكس في حياة الناس وأمنهم اليومي، ويصبح واقعاً معاشاً لا مجرد تفاهمات نظرية على الورق.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى