كيف أدارت الهندسات المالية العكسية أكبر عملية تذويب للودائع في لبنان؟(عماد عكوش)

د. عماد عكوش – الحوارنيوز
يمثل المشهد المالي اللبناني بين عامي 2020 و2026 النموذج الأكثر وضوحاً لما يمكن تسميته الهندسة المالية العكسية ، حيث لم تكن التعاميم الصادرة عن مصرف لبنان مجرد أدوات تقنية لإدارة أزمة شح السيولة، بل تحولت إلى نظام متكامل لإعادة توزيع الخسائر بشكل غير عادل. فبينما تحمّل المودع الصغير العبء الأكبر عبر تذويب مدخراته ، نجحت كارتيلات التجارة والمصارف في تحويل الأزمة إلى فرص لمراكمة أرباح خيالية.
بدأت الأزمة في عام 2020 بفرض المصارف قيوداً استنسابية ذاتية ، تلاها تدخل المصرف المركزي عبر التعميم رقم 151 ، الذي شرّع ما عُرف بـ الهيركات المقنع . سمح هذا التعميم بالسحب بالليرة اللبنانية على أسعار صرف متدنية جداً مقارنة بالسوق الموازية ، مما أدى عملياً إلى شطب القيمة الشرائية للودائع.
ومع تزايد الضغوط ، جاءت التعاميم اللاحقة مثل التعميم رقم 158 (2021) والتعميم رقم 166 (2024) بمثابة مسكنات موضعية . ورغم أنها أتاحت سحوبات نقدية بالدولار الفريش تراوحت بين 150 إلى 400 دولار شهرياً ، إلا أنها صُممت كآلية لامتصاص غضب الشارع وتذويب الودائع القديمة (“اللولار”) عبر الزمن ، بدلاً من كونها خطة تعافٍ شاملة ومستدامة.
لقد شكل لاحقا” إطلاق منصة “صيرفة” (Sayrafa) في أيار 2021 بموجب التعميم 157 التحول الأبرز في مسار الأزمة. وتحت شعار لجم السوق الموازية وتأمين استقرار الأسعار ، ضخ المصرف المركزي ما يقارب 24.7 مليار دولار بين ديسمبر 2021 وتموز 2023، مستنزفاً الاحتياطي الإلزامي للمصارف، والذي هو في الأصل أموال المودعين.
بيد أن النتيجة الاقتصادية جاءت مغايرة للهدف المعلن تماماً حيث اشترى كبار المستوردين الدولار المدعوم من المنصة بأسعار تقل بنسب تتراوح بين 15% و35% عن السوق السوداء ، لكنهم أعادوا تسعير بضائعهم للمستهلكين بناءً على سعر السوق الموازية الأعلى. نتيجة ذلك حقق التجار أرباحاً هائلة من فروقات العملة ناهزت 3.2 مليارات دولار إجمالاً منها حوالي 2.56 مليار دولار أرباح صافية خاضعة للضريبة بعد استثناء رواتب القطاع العام .
دخل القطاع المصرفي منذ عام 2020 في حالة إعسار بنيوي غير معلن ، حيث تقدر الفجوة المالية المتراكمة بحوالي 73 مليار دولار. ورغم انعدام النشاط التشغيلي التقليدي كالقروض والتسليفات ، إلا أن الميزانيات المعلنة للمصارف أظهرت أحياناً أرباحاً دفترية وهمية بالليرة نتيجة تذبذب أسعار الصرف الرسمية ، إلى جانب عمولات مباشرة تراوحت بين 2% و4% على عمليات صيرفة .
الأمر الأكثر إثارة للجدل تجلى في السياسات الضريبية الأخيرة . فرغم إقرار ضريبة استثنائية بنسبة 17% بموجب موازنتي 2024 و2026 على أرباح صيرفة للشركات والأفراد الذين تخطت عملياتهم 100 ألف دولار، تم استبعاد المصارف من هذه الضريبة . وجاءت الذريعة الرسمية بأن تلك الأرباح استخدمت دفترياً لإطفاء خسائرها المتراكمة لدى المركزي ، مما عكس غياب الإرادة السياسية في توزيع العبء الضريبي بشكل عادل ، وتحميل الحلقة الأضعف المسؤولية دائماً.
مع توقف منصة صيرفة كلياً في تموز 2023 بقرار من حاكمية مصرف لبنان بالإنابة برئاسة وسيم منصوري، توقف النزيف المستمر للاحتياطيات واستقر سعر الصرف بشكل واقعي . هذا الاستقرار المفاجئ أثبت بالدليل القاطع أن الأزمة لم تكن مجرد مشكلة اقتصادية تقنية ، بل كانت نتاج إدارة نقدية وسياسية للمشهد .
في الخلاصة يعيش لبنان اليوم واقعاً جديداً يتمثل في اقتصاد الكاش المدولر بالكامل (Cash Economy). ورغم أن هذا التحول أوقف المضاربات الحادة ، إلا أنه ثبّت أمراً واقعاً خطيراً وهو تحول المصارف من مؤسسات تسليف واستثمار إلى مجرد صناديق صرافة برخص رسمية ، مع بقاء مصير الودائع القديمة معلقاً في أروقة الوعود السياسية وقوانين إعادة الهيكلة المؤجلة. إن التعافي الحقيقي لن يبدأ من فرض ضرائب مجتزأة أو تعاميم موقتة ، بل بفتح الصندوق الأسود للمحاسبة الشاملة وإعادة بناء النظام المالي على أسس العدالة والشفافية.



