قالت الصحف: قراءات في نتائج زيارة الشيباني .. السلطة تستدعي مؤيدي الاتفاق لدعم موقفها

الحوارنيوز – خاص
قرأت صحف اليوم في نتائج وأبعاد زيارة وزير الخارجية السورية أسعد الشيباني داخليا وإقليميا، في وقت واصلت السلطة استدعاء الشخصيات والأحزاب المرتبطة تاريخيا بالمحور الأميركي لتغطية تنازلاتها وتوقيعها على اتفاق واشنطن…
ماذا في التفاصيل؟
• الأخبار: الشيباني حاملاً رسالة الشرع: لا نية لنا بالدخول العسكري
وطنية – كتبت صحيفة “الأخبار”: لم تأتِ زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى بيروت في إطار جولة اعتيادية، بل فرض توقيتها قراءة سياسية تتجاوز حدود العلاقات الدبلوماسية. وهي جاءت بعد أيام من توقيع «اتفاق العار» مع العدو، وسط حديث عن حاجة السلطة الى مواكبة عربية وإقليمية. وسط استعادة دائمة لكلام الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن الرئيس أحمد الشرع سيكون شريكاً في إنتاج واقع أمني وسياسي مختلف، وقد تقوم بما لم تقم به إسرائيل في لبنان.
وبحسب أجواء اللقاءات التي عقدها الشيباني مع الرؤساء الثلاثة جوزيف عون ونبيه بري ونواف سلام، فإنه كان حريصاً على القول إن «السلطة الجديدة ترغب في تقديم نفسها شريكاً في تثبيت الاستقرار، لا جزءاً من الأزمات». وتمثلت الرسالة السياسية في إعلان نهاية نموذج العلاقة الذي طبع العقود الماضية. وتحدث المسؤولون السوريون عن مرحلة جديدة قوامها الاحترام الكامل لسيادة كل دولة، والتعاون عبر المؤسسات الرسمية فقط. وهو ما عبر عنه عون وسلام، كما وجد صداه في موقف وليد جنبلاط الذي اعتبر أن «سقوط النظام السابق يفرض مقاربة مختلفة بالكامل للعلاقة مع دمشق، بعيداً عن حسابات الماضي».
أما الرسالة الأمنية فأُجيب عنها في المؤتمر الصحافي في السراي، بعدما سُئل سلام عن كيفية تعامل بيروت مع أي ضغوط أميركية قد تتعلق بإسناد دور سوري في ملف سلاح حزب الله. فعمد رئيس الحكومة إلى منع الشيباني من التعليق على الأمر قائلاً: «لا أنا ولا أنت سنجيب… وسبق أن أجاب عن ذلك الرئيس الشرع».
النقطة البارزة كانت في لقاء الشيباني مع الرئيس بري، وهي الزيارة الأهم كما وصفها المتابعون. إذ إن اللقاء في عين التينة وحده كفيل في «تذليل الهواجس والمخاوف من أن يكون لسوريا دور أمني أو سياسي في لبنان»، وهي خطوة أولى في اتجاه الانفتاح على الشيعة عبر الرئيس بري وقد تتوسع لتطالع حزب الله، وهو ما لم ينفِه الشيباني الذي قال إن «ذلك ممكن أن يحصل في حال اقتضت مصلحة البلدين ذلك». ونقل زوار الرئيس بري عنه أن «الأخير كان مرتاحاً جداً للجلسة مع الشيباني»، وقد وصفه بأنه «مطلع وصادق بنواياه وأتى إلى لبنان لفتح علاقة مع كل اللبنانيين»، وأنه «أكد بأن كل ما يخرج على الإعلام يجب وضعه وراء ظهورنا»، فيما أكد بري أن «الشيباني لم يتحدث معه بموضوع حزب الله على الإطلاق».
والتقى الشيباني رئيس حزب الكتائب النائب سامي الجميّل، رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي السابق، وليد جنبلاط، رئيس حزب «القوات اللبنانية»، سمير جعجع، البطريرك الماروني بشارة الراعي، ومفتي الجمهوريّة الشيخ عبد اللطيف دريان في حضور مفتي المناطق وعدد من مسؤولي دار الفتوى. وكان الشيباني وقع مع الرئيس سلام على اتفاقية بتشكيل اللجنة العليا اللبنانية – السورية المشتركة، لتكون المرجعية الرسمية لمعالجة الملفات الثنائية، سواء في ما يتعلق بالحدود أو الاقتصاد أو الأمن أو النقل أو الطاقة.
وبحسب مصادر على معرفة بما جرى خلال الزيارة، فإن الشيباني كان «مقلاً في الكلام السياسي، واكتفى بتمرير إشارات مثل أن استقرار لبنان من استقرار سوريا»، مقدماً شرحاً لرؤية «سوريا الجديدة وتطلعاتها في العلاقات المشتركة كما إحاطة مقتضبة للوضع الداخلي السوري، مروراً بالاعتداءات الإسرائيلية المستمرة على بلاده واحتلالها لجزء من الأراضي السورية وطموحاتها السياسية في المنطقة».
ووفق مصادر، أكد الشيباني أن «دمشق تبحث عن علاقات ندية وتعاون وتنسيق سياسي وأمني مع بيروت، تطوي صفحة الوصاية السابقة». فيما شدّد على «ضرورة تعزيز أُطر التعاون بين البلدين، مركزاً على ضرورة التشبيك الاقتصادي وإيجاد صيغ للتكامل الاقتصادي». ونقل تأكيد الرئيس السوري، على أنه «يولي الجانب الاقتصادي الأهميّة القصوى لما له من مصلحة مشتركة في ظلّ التحديات التي تمر بها بيروت ودمشق، كما البدء في البحث عن مشاريع مشتركة».
وتحدّث الشيباني، وفق المصادر، عن ضرورة تعزيز التعاون الأمني، مركزاً على ضبط الحدود ومنع التهريب، منوهاً بالجهود المشتركة التي تبذل في هذا الإطار. وركز أيضاً على «أهمية إقفال ملف الموقوفين السوريين في لبنان بتهم إرهابية، في ظل وجود نحو 25 موقوفاً لم تتسلمهم بلاده بعد بسبب عدم إنهاء ملفاتهم القضائية»، بينما وعده المسؤولون اللبنانيون بتسريع إنهاء هذا الملف، وكان هذا الأمر مدار بحث مع الجميّل.
وحرص الشيباني على نقل رسالة عن الشرع تشير إلى عدم وجود أي نية بدخول القوات السورية إلى لبنان، لافتاً إلى أنّ أمام دمشق الكثير من التحديات الاقتصادية والأمنية الداخلية التي تجعل من هذا الأمر «أقرب إلى المستحيل». وهي الرسالة نفسها التي كان قد نقلها الرئيس نجيب ميقاتي إثر زيارته الأخيرة إلى سوريا، بعدما سمع من الشرع تشديده على أن هذا الأمر غير مطروح، إضافةً إلى تمريره إشارة فهمت منها رفضه التطبيع مع إسرائيل بعد الحديث عن رفض غالبية الشعب السوري هذه الفكرة، وهو أيضاً ما فهم منه عدم استساغته فكرة توقيع اتفاق الإطار مع الكيان الصهيوني، فيما تقول بعض المعلومات إن أركان السلطة وصلتهم رسالة بأن النظام في دمشق لا ينظر إلى الاتفاق باعتباره إيجابياً.
وعلمت «الأخبار» أنّ الجانب السوري كان قد رفض أن يزور الشيباني نظيره اللبناني يوسف رجي، واقترح بأن يكون اللقاء في قصر بعبدا، ومن دون أن يمانع في التوجه إلى معراب لعقد لقاء مع جعجع. وهو ما بدا مستغرباً في استجابة رئيس الجمهوريّة إلى طلب دمشق وانضمام رجي إلى اللقاء الذي عقد بين عون والشيباني.
وبحسب مصادر متابعة، فإنّ اللقاء مع النائبة السابقة بهيّة الحريري كان مدرجاً على جدول أعمال الشيباني، الذي رضخ لضغوط سعوديّة أفضت إلى إلغاء اللقاء قبل ساعات من حصوله.
دمشق اختارت الحضور في طرابلس!
وسط الكثير من الأخبار عن زيارة الوزير السوري أسعد الشيباني إلى طرابلس، يتبيّن أنّ الكثير منها كان أشبه بـ«تمنّيات». وتشير مصادر متابعة إلى أنّ المسؤولين السوريين كبحوا حماسة سياسيّي المدينة عبر إشراف مكتب الشيباني مباشرة على التحضيرات بكل تفاصيلها. وتبيّن أن مشاركة الشيباني في صلاة الجمعة، لم يكن مُتفقاً عليها من الأصل، ولم يكن هناك تدخّل من الرئيس السابق لـ«هيئة علماء المسلمين» الشيخ سالم الرافعي، وأن الأمر نُسّق بين دمشق ودار إفتاء طرابلس.
وعلمت «الأخبار» أن المسؤولين السوريين ولدى تلقّيهم الدعوة أشاروا إلى أنّهم لا يمانعون زيارة طرابلس «لما لها من رمزية بالنسبة إليهم، إضافة إلى احتضان أبنائها للنازحين السوريين ومشاركتهم أيضاً في الثورة السورية وانضمام المئات منهم إلى القتال معهم في وجه النظام السوري». لكن دمشق اعتذرت عن عدم تلبية دعوات السياسيين في منازلهم، كما أصرّ الشيباني على حصر اللقاء في مقر دار الفتوى في طرابلس في حضور عدد محدود من العلماء وبعض الفاعليات الطرابلسية السياسية والاقتصادية والدينية.
وبحسب المصادر، فإنّ أسماء الذين وُجّهت إليهم الدعوة، أُرسلت إلى دمشق، وجاء الجواب مع شطب عدد كبير من الأسماء، ومن بينها اسم الشيخ الرافعي من دون تحديد الأسباب، مع تمنّي دمشق بأن يحضر اللقاء عدد من الشخصيات الاقتصادية كمسؤولي مرفأ طرابلس وغرفة التجارة والصناعة. فكانت النتيجة اقتصار اللقاء على 30 شخصية بينها جميع نواب المدينة ونواب شماليون والمحافظ، فضلاً عن ممثّلي الطوائف المسيحية.
ورفض الشيباني إحراجه بحشد شعبي ينتظره على مدخل دار الفتوى، وامتنع لأسباب أمنية عن القيام بجولة في الأسواق التجارية في المدينة. لكنّ دار الفتوى أعربت عن اعتقادها بصعوبة منع الناس من الحضور. وتقرّر أخيراً أن يكون الاستقبال الشعبي عند ساحة السلام في البحصاص. وعُلم أن رئيس «المجلس الإسلامي العلوي» في لبنان، الشيخ علي قدور، اعتذر عن عدم المشاركة، وكذلك فعل النائب عن المقعد العلوي حيدر ناصر.
في المقابل، لم تكن المشاركة في استقبال الشيباني عند مدخل طرابلس وقرب دار الفتوى كثيفة، خصوصاً أن بعض المشاركين كانوا من خارج المدينة.
كما عبّر عدد من الصحافيين عن استيائهم من منعهم من الدخول لتغطية استقبال الشيباني، في مقابل دعوة دار الفتوى لصحافيين آخرين! وهو ما دفع بنائب نقيب محرري الصحافة، الزميل غسان ريفي، إلى إصدار بيان عبر فيه عن استغرابه من الانتقائية في اختيار بعض الصحافيين واستثناء آخرين، ولا سيما أولئك الذين يمثلون الصحافة المكتوبة والمسموعة.
• صحيفة النهار عنونت: الشيباني يدشّن الإطلالة اللبنانية لـ”سوريا الجديدة”… حملة مضادة لبعبدا وداعمي الاتفاق: هاتوا بدائلكم
وكتبت تقول: وسط الانتظار الذي يسود المرحلة الحالية الفاصلة ما بين توقيع الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل والشروع في تنفيذ أولى خطواته التنفيذية، اخترقت الزيارة النوعية التي قام بها أمس وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني للبنان الأولويات المتعلقة بهذا الاتفاق، علماً أنه بدا لافتاً تعاقب المواقف المؤيدة والمدافعة عن الاتفاق من قصر بعبدا، فيما رسمت معالم دفاع هجومي عن هذا الخيار في مواجهة الحملة الحادة عليه من رافضي الاتفاق.
ومع أن زيارة الشيباني كانت الثانية له، فإنها اتّسمت أمس شكلاً ومضموناً بطابع استثنائي، نظراً إلى اتّساع الجولة التي قام بها على الرؤساء الثلاثة والأقطاب السياسيين وبكركي ودار الفتوى، على أن يخصّص طرابلس اليوم بمحطة لافتة. هذه الجولة التي بدا فيها الشيباني مبعوثاً رئاسياً كما وزيراً للخارجية السورية، شكّلت واقعياً الإطلالة السياسية الديبلوماسية الأولى للحكم السوري الانتقالي على لبنان السياسي، ساعياً بقوة إلى تبديد الإرث الأسود للنظام السوري السابق وإعلان تدشين وفتح الصفحة الجديدة بين لبنان وسوريا على معادلة مطمئنة عمادها العلاقات النديّة الدافئة. ولذا كرّست اللقاءات التي عقدها الشيباني مساراً جديداً مبنيّاً على الاحترام المتبادل للحدود والسيادة، وعلى رفض التدخل في الشؤون الداخلية، كما أبعدت سيناريو أي تدخّل عسكري أو أمني سوري في الوضع اللبناني، علماً أن الشيباني أبدى انفتاحاً واسعاً ومرونة حتى باتجاه “حزب الله”، وتأكيد التعاطي مع كل الأفرقاء في لبنان. وعلى الصعيد الرسمي المؤسساتي، توّجت الزيارة بتوقيع اتفاق بين الحكومتين السورية واللبنانية يقضي بإنشاء اللجنة العليا السورية- اللبنانية.
جولة الشيباني
وحفلت جولة الشيباني بالمواقف التي تجمع على تلقّف الصفحة الجديدة والترحيب بها، إذ أكّد رئيس الجمهورية جوزف عون خلال استقباله الوزير السوري “أن لبنان متمسك بإقامة علاقات أخوية مع سوريا قائمة على التعاون والتنسيق وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لكلا البلدين، وأبدى حرصه على استقرار سوريا تماماً كما حرص سوريا على استقرار لبنان”. ورحّب بتشكيل اللجنة العليا بين البلدين للحفاظ على مصالحهما معاً، وأثنى على موقف الرئيس السوري أحمد الشرع تجاه لبنان وتأكيده أن دور سوريا في لبنان لن يكون كما كان في السابق، وأن صفحة جديدة فتحت بين البلدين لن تكون فيها سوريا مع طرف ضد آخر بل إلى جانب جميع اللبنانيين”.
من جهته، أكّد الوزير الشيباني “أن زيارته إلى لبنان تهدف إلى تعزيز العلاقات بين البلدين وتفعيل التنسيق لا سيما في المجال الاقتصادي، وأعرب عن تأييد سوريا لحلّ الأمور في المنطقة بالحوار وليس بالحروب والمواجهات العسكرية التي لم تسفر سوى عن المآسي والويلات”. وشدّد على “أن السلطة السورية الحالية تعمل على طي صفحة التدخلات المتبادلة بين البلدين التي كانت سائدة في السابق، وأنها تسعى إلى تعزيز التعاون على الصعد كافة، والتعاطي مع كل الافرقاء في لبنان”. وحرص الوفد السوري على “توضيح اللغط الذي ساد بالنسبة إلى الحديث عن تدخّل عسكري سوري في لبنان، فلفت إلى “أن لا نيّة لسوريا في القيام بمثل هذه الخطوة”.
وبعد لقائه رئيس مجلس النواب نبيه بري، نفى الشيباني أن يكون ملف “حزب الله” قد طُرح خلال الاجتماع، غير أنه أوضح ردّاً على سؤال، أنه “إذا اقتضت المصلحة لقاء “حزب الله”، فنحن منفتحون”، مشددًا على أن النقاش مع بري “انحصر بكيفية تعزيز العلاقات بين البلدين”.
وفي السرايا أعلن رئيس الحكومة نواف سلام في مؤتمر صحافي مشترك مع الشيباني: “اتفقنا على إرساء العلاقات المبنية على المصالح المشتركة، وهدف اللقاء مع وزير الخارجية السوري التعاون في عدد من المجالات وفي مقدمتها مسألة الربط الكهربائي بين لبنان وسوريا، بالإضافة إلى النقل وتبادل البضائع وتسهيل حركة المرور على الحدود وتطوير العلاقات، وأنجزنا التوقيع على لجنة مشتركة لبنانية- سورية لتعزيز التعاون بين البلدين”.
وأوضح الشيباني أن “اللجنة العليا للتعاون والشراكة مع لبنان ستكون منصة لكل الوزارات لتطوير الشراكات والتفاهمات الأمنية، وكل ما نحمله للبنان هو الحب والحرص على تجاوز الإرث السيئ في العلاقة بين البلدين”. وبالنسبة إلى اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل، قال: “موقف سوريا الرسمي يرفض الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان والتهجير الذي أصاب الشعب اللبناني، وموضوع اتفاق الإطار شأن لبناني ونريد أن يكون هناك حوار بطريقة هادئة حوله وندعم أي مسار سياسي يصبّ في مصلحة لبنان واستقراره”.
واعتبر الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط عقب لقائه الشيباني أنه “بين علاقة متوازنة وموضوعية مع سوريا، واتفاقٍ قد يؤدي إلى أسوأ من اتفاق 17 أيار، أفضّل العلاقة المتوازنة مع سوريا”. وأضاف: “العلاقة الجيدة بين لبنان وسوريا قدر تاريخي”.
أما رئيس حزب الكتائب النائب سامي الجميل، فقال عقب اجتماعه بالشيباني: “نتمنى أن نصل إلى استقلال سياسي وتبادل اقتصادي، ويجب أن نتعاون بما هو أفضل للبلدين وزيارته بادرة جميلة”.
وفي بكركي أعلن الشيباني عقب لقائه البطريرك الماروني: “زرنا بكركي لنؤكد وجوب انتشار السلام بين الشعوب والتعايش بين الشعب السوري والشعب اللبناني”، وقال: “هناك المكوّن المسيحي في سوريا والمكوّن المسيحي في لبنان ولهما بصمة كبيرة في استقرار البلدين”.
وفي معراب حيث أعلن الشيباني استعداد سوريا للوقوف إلى جانب لبنان، مشدداً على أن “استقرار لبنان من مصلحتنا”، هنأ رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع الشعب السوري بسوريا الجديدة، وأكد “أن لبنان وسوريا دولتان جارتان شئنا أم أبينا والأهم أن نحترم هذا المبدأ انطلاقاً من مصلحة الشعبين”. ولفت إلى الكثير من التشويش للرأي العام في ما خصّ الاتفاق الاطاري في واشنطن، وسأل “كل العباقرة” المعارضين للاتفاق “ما هي الخيارات البديلة؟”.
أما في الترددات المتواصلة للاتفاق الإطاري على الصعيد الداخلي وفي انتظار آلياته التنفيذية، فشهد قصر بعبدا مزيداً من إطلاق المواقف الداعمة للسلطة في خيارها على ألسنة وفود قيادية ونقابية وسواها من مختلف القطاعات.
وكرّر رئيس الجمهورية جوزف عون أمام الوفود الزائرة “أننا لن نفرّط بأي شبر من أرض لبنان، وليحكم علينا من خلال التطبيق لأن ما وضعناه من أهداف نصب أعيننا لا يختلف عن أهداف جميع اللبنانيين من دون استثناء”. واعتبر أن “لبنان تعب من سياسات الوصاية ومن حروب الآخرين على أرضه”، مشدداً على “أن من يحترم مبدأ السيادة عليه أن يحترم قرار الدولة في ذهابها إلى المفاوضات، وأنه من حق الشعب اللبناني أن يعيش حياة كريمة، وهناك فرصة لا يجب ان نفوّتها”.
• صحيفة الديار عنونت: زيارة الشيباني: انفتاح سوري شامل على لبنان
طمأنة من بعبدا وانفتاح على «الثنائي» ودعوة لمواجهة التحديات
وكتبت تقول: خطـــفت محادثات وزير الخارجية السورية اسعد الشيباني في لبنان الضوء لساعات عن النقاشات المستمرة حول اتفاق الاطار اللبناني- الاسرائيلي الموقع في واشنطن. في الشكل كانت الرسالة الاقوى لزيارة رئيس الدبلوماسية السورية من «عين التينة» باعتباره اللقاء الاول لمسؤول في سوريا الجديدة مع رئيس المجلس وما يمثله من موقع ضمن «الثنائي الشيعي»، وهي اول ترجمة عملية لاعلان دمشق عن انفتاحها على كل المكونات اللبنانية وبينها حزب الله الذي لم يكن على جدول اعمال الشيباني بالامس، لكنه ابدى انفتاحا على عقد لقاءات في المستقبل. وفيما شكل الحضور السياسي- والشعبي- والديني في طرابلس خلال استقبال الوزير السوري محطة لافتة في دلالاتها، لم يحمل الشيباني اي مبادرة متكاملة لتنظيم العلاقات الثنائية، لكن مضمون الزيارة يمكن اختصاره برسالة تطمينية من الرئيس السوري احمد الشرع الى الرئيس اللبناني جوزاف عون، بعدم وجود اي نية بالتدخل العسكري السوري في لبنان، والاعلان عن الرغبة في التعاون المشترك لمواجهة الاخطار وفي مقدمتها الخطر الاسرائيلي.
ما هي «رسائل» الشيباني؟
الزيارة السورية التي توجت بتوقيع اتفاقية بين الحكومتين السورية واللبنانية تقضي بإنشاء اللجنة العليا السورية اللبنانية، شملت المقار السياسية من بعبدا الى عين التينة ومن كليمنصو الى الصيفي فبكركي ومعراب ودار الفتوى وطرابلس، ولفتت مصادر سياسية بارزة الى ان الصورة الاقوى كانت في لقاء عين التنية الذي حمل «رسالة» انفتاح على المكون الشيعي حيث لعبت تركيا دورا بارزا في «رأب الصدع» وطي صفحة الماضي التي ستتوج قريبا بلقاء سوري مع حزب الله. ووفق تلك الاوساط، لم يبحث الشيباني في المقرات التي زارها ملف السلاح، بل ركز على ضرورة التعاون المشترك لضبط الامن على الحدود ومنع التهريب على كافة اشكاله، وكان لافتا حديثه عن مسالتين تشكل اولية مشتركة، اعادة الاعمار، والخطر الاسرائيلي، وبعد استعراض مرحلة التعافي التي تمر بها سوريا، وكيفية تعاملها مع ملف اللاجئين، لم يقدم الوزير السوري اي مبادرة سياسية، وعرض تقديم مساعدة من خلال شبكة العلاقات السورية العربية والدولية..وفي هذا السياق نصح رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي السابق وليد جنبلاط الشيباني بضرورة حصول تنسيق مشترك بين سوريا ولبنان لمواجهة الخطر الاسرائيلي، ولفت الى ضرورة اشراك الرئيس بري في هذا المسعى..وعند هذه النقطة، تشير المعلومات الى ان الشيباني عرض مسار التفاوض المعقد الذي خاضته سوريا من الاسرائيليين والمتوقف حاليا، لافتا الى وجود اطماع اسرائيلية جدية تحتاج الى جهد مشترك لمواجهته.
قلق في دمشق
وفي هذا السياق، فأن دمشق تنظر بقدر ملموس من القلق إلى الانقسام الحاد في الساحة اللبنانية. وتختصر جهات رسمية لبنانية زيارة الشيباني بالقول» العنوان الأساسي هو ارساء العلاقة من دولة إلى دولة، احترام سيادة البلدين، دمشق لا تريد التدخل في شؤون الداخلية اللبنانية بل همّها لبنان المستقر الذي ينعكس إيجاباً على سوريا واستقرارها. وهذا ما يجب البناء عليه للانطلاق في المسار الجديد للعلاقات، على قاعدة احترام بعضهما البعض وتقوية مؤسسات الدولة فيهما، والدخول في شراكات ومشاريع مختلفة يمكن للبلدين الاستفادة منها».
سلام وكلام لافت حول الاتفاق!
في هذا الوقت، وفيما صرح كل من رئيس الجمهورية جوزاف عون، ورئيس الحكومة نواف سلام عن ضرورة انتظار النتائج قبل الحكم على اتفاق الإطار مع «اسرائيل»، استمرت المواقف على حالها عن «الثنائي الشيعي» مع اطلاق الرئيس نبيه بري وقيادات حزب الله مواقف جديدة رافضة للتفاهم. وقد حضر الاتفاق في جلسة الحكومة بالامس، وعلى الرغم من النقاش الهادىء الا ان المواقف بقيت على حالها، لكن وفق مصادر وزارية شدد سلام خلال الجلسة على انه ليس اتفاقية او معاهدة، بل اعلان نوايا او خارطة طريق تؤدي الى نتائج سياسية لا قانونية، ولهذا فهو غير ملزم ولا داعي لعرضه على المؤسسات الدستورية.
ماذا دار في جلسة الحكومة؟
ووفق تلك الاوساط، عبر وزراء «الثنائي» عن رفضهم للاتفاق شكلا ومضمونا، وقد شددت وزيرة البيئة تمارا الزين على ضرورة ان لا يتكرر الذي حصل في جلسة الحكومة في بعبدا حين تمت مناقشة ملف التفاوض، وقيل يومها ان وزراء «الثنائي» اخذوا العلم والخبر وبالتالي وافقوا على المسار التفاوضي، وقالت ان النقاش هو نقاش وليس اقرارا بالنتائج المرفوضة. وفيما اكد وزير الصحة ان الاتفاق اضعف الموقف اللبناني، داعيا الى خيار الاستفادة من مسار التفاوض الاميركي- الايراني بدل «الانبطاح» للاسرائيلي، اشار نائب رئيس الحكومة طارق متري الى ان رئيس حكومة العدو بنيامين نتانياهو ووزير دفاعه يسرائيل كاتس اعلانا ان «اسرائيل» لن تنسحب من الاراضي اللبنانية، اي انهم انقلبوا على الاتفاق. ووفق تلك الاوساط، تدخل الوزير جو عيسى الخوري معقبا على كلام سلام ومتري بالقول « لماذا لا تدافعون عن الاتفاق، ولماذا تقدمون التبريرات؟ واذا كان الاسرائيليون يخلون بالاتفاق فيجب الاشارة ايضا الى ان حزب الله اعلن انه يرفض تسليم سلاحه!
اسئلة وملاحظات على اتفاق الاطار
وفي هذا السياق، وفيما واصلت قوات الاحتلال عمليات تفجير منازل اللبنانيين في القرى المحتلة، وواصلت خروقاتها الميدانية عبر القصف بالمسيرات والمدفعية، لفتت تلك الاوساط الى ان ملاحظات الوزراء المعترضين تمحورت حول العديد من النقاط ابرزها» انه ليس ثمة من يعرف، متى وكيف سيحصل الانسحاب الاسرائيلي الكامل وعودة الاهالي.وتساءلوا عن اسباب عدم نشر الدولة اللبنانية ملحقات الاتفاق الأمنية.. فالاتفاق يتحدث بصورة غامضة عن إعادة انتشار، وليس بانسحاب إسرائيلي من الأراضي اللبنانية المحتلة، ولا يقدم جدولًا زمنيًّا لإعادة الانتشار، ولا يوفر الاتفاق، إضافة إلى ذلك، جدولًا زمنيًّا لعودة النازحين الجنوبيين إلى بلداتهم وقراهم، ولا لعملية إعادة إعمار الجنوب اللبناني. وهنا تساءل وزير الصحة عن كيفية التعامل مع قتل «اسرائيل» نحو 139 مسعفا، اذا كنا اعفيناها من الملاحقة القانونية، فضلا عن الاف الشهداء اللبنانيين!
لبنان يشارك للمرة الاولى في «سنتكوم»؟
وفي اشارة لافتة تحمل الكثير من الدلالات، لفتت اوساط مطلعة الى ضرورة التوقف عند اعلان القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم»، عقد فحوى الحوار الأمني الإقليمي في البحرين، بمشاركة قادة عسكريين من الولايات المتحدة و11 دولة عربية، بينها للمرة الاولى سوريا ولبنان، وذلك لتعزيز التعاون الدفاعي. وشارك في الحوار قائد القيادة المركزية الأميركية الأدميرال براد كوبر، إلى جانب مسؤولين عسكريين كبار من البحرين ومصر والأردن والكويت ولبنان وعُمان وقطر والسعودية وسوريا والإمارات واليمن. وناقش المجتمعون البيئة الأمنية الإقليمية الراهنة، وفرص تعزيز التعاون الدفاعي في المنطقة. وهو او اجتماع لـ»سنتكوم» يشارك فيها قادة عسكريون من سوريا ولبنان، وهو امر يشير بوضوح الى وجود رغبة اميركية في ادخال لبنان ضمن منظومة امنية وعسكرية في مرحلة مفصلية في المنطقة التي تشهد صراعا كبيرا لرسم معادلات وتحالفات جديدة.
• صحيفة الأنباء الالكترونية عنونت: صفحة جديدة بين دمشق وبيروت.. جنبلاط: علاقة متوازنة مع سوريا عوضًا عن “17 أيار” جديد
وكتبت تقول: لا يمكن النظر إلى الزيارة الرسمية التي قام بها وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى لبنان بوصفها مجرد محطة دبلوماسية عادية أو استكمالاً لزيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى دمشق قبل أسابيع فقط. فالزيارة جاءت في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتقاطع فيها المفاوضات الأميركية – الإيرانية في الدوحة، والمفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية برعاية أميركية، والتصعيد الأمني المستمر في جنوب لبنان، والاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على الأراضي السورية.
ولعل أكثر ما منح هذه الزيارة أهميتها أنها جاءت بعد التصريحات التي أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وأوحت بإمكان أن يكون لسوريا دور في معالجة بعض الملفات اللبنانية الحساسة، وفي مقدّمها ملف سلاح “حزب الله”. غير أن القيادة السورية سارعت إلى إغلاق باب التأويل، عندما أكد الرئيس أحمد الشرع بصورة واضحة أن سوريا الجديدة لا تنوي إرسال أي قوات إلى لبنان، وأن زمن التدخلات العسكرية والسياسية الذي ارتبط بالنظام البائد أصبح من الماضي، وأن دمشق تتعامل مع لبنان باعتباره دولة ذات سيادة كاملة، لا ساحة نفوذ ولا صندوق بريد لتصفية الحسابات الإقليمية.
هذا الموقف لم يكن تفصيلاً سياسياً، بل شكل الرسالة الأساسية التي حملها الشيباني إلى بيروت، وترجمها في لقاءاته مع رئيس الجمهورية العماد جوزف عون، ورئيس مجلس النواب نبيه بري، ورئيس الحكومة نواف سلام، والرئيس وليد جنبلاط، ومع مختلف المرجعيات السياسية والروحية اللبنانية. ففي كل هذه اللقاءات برزت مفردات جديدة تكاد تكون غابت عن العلاقات اللبنانية – السورية لعقود طويلة: الاحترام المتبادل، السيادة، عدم التدخل، حسن الجوار، الشراكة الاقتصادية، والتعاون المؤسسي.
وقد بدا واضحاً أن الرئيس عون أراد استثمار هذه اللحظة لإعادة تثبيت قواعد العلاقة المستقبلية بين البلدين، فأكد أن لبنان يريد أفضل العلاقات مع سوريا، ولكن ضمن مفهوم الدولة للدولة، بعيداً عن أي وصاية أو تدخل متبادل، مع التشديد على أهمية التنسيق الأمني لضبط الحدود، ومنع التهريب، ومواجهة الإرهاب، لأن استقرار سوريا يصب في مصلحة لبنان، كما أن استقرار لبنان يشكل مصلحة مباشرة لسوريا.
في المقابل، أكد الشيباني أن دمشق تطوي نهائياً صفحة الماضي، ولا تريد استعادة أي من ممارسات النظام السابق، بل تسعى إلى بناء علاقة صحية ومستدامة مع جميع اللبنانيين، وإلى تحويل الجغرافيا المشتركة من مصدر للأزمات إلى مساحة للتعاون الاقتصادي والاستثماري، خصوصاً في مجالات الطاقة والنقل والتبادل التجاري وإعادة الإعمار.
ولم يكن من قبيل المصادفة أن تتوج الزيارة بتوقيع الاتفاق على إنشاء اللجنة العليا اللبنانية – السورية المشتركة، وهي خطوة تتجاوز رمزيتها السياسية إلى بعدها العملي، لأنها تنقل العلاقة الثنائية من الاتصالات الظرفية إلى إطار مؤسساتي دائم، يضم الوزراء المختصين ويتابع الملفات الاقتصادية والأمنية والإدارية بصورة منتظمة. وهذا التطور قد يكون، إذا أحسن استثماره، بداية لمرحلة جديدة تعيد للبنان عمقه العربي عبر البوابة السورية، وتفتح أمام سوريا نافذة إضافية على الاقتصاد العربي والبحر المتوسط.
لكن اللافت في هذه الزيارة لم يكن فقط لقاءات الرؤساء الثلاثة، بل أيضاً الجولة الواسعة التي قام بها الشيباني على المرجعيات السياسية والدينية، في مشهد غير مسبوق منذ سنوات طويلة. فقد قصد عين التينة، ثم كليمنصو، وبكركي، ودار الفتوى، والصيفي، ومعراب، وصولاً إلى طرابلس، في رسالة واضحة مفادها أن سوريا الجديدة تريد مخاطبة جميع اللبنانيين، وأنها لا ترغب في إعادة إنتاج سياسة المحاور والانقسامات التي طبعت المرحلة السابقة.
وفي هذا السياق، استوقف المراقبين خصوصاً لقاءا عين التينة وكليمنصو، لما يحمله الرجلان اللذان التقاهما الشيباني من رمزية سياسية وتاريخية. فالرئيس نبيه بري، الذي كان طوال العقود الماضية من أبرز الداعين إلى الحفاظ على العلاقة الاستراتيجية مع سوريا، عاد ليختصر هذه الحقيقة بعبارته الشهيرة: “إما سوريا أو البحر”. وهي عبارة تتجاوز بعدها البلاغي، لتعكس حقيقة الجغرافيا والاقتصاد معاً، إذ لا يستطيع لبنان، مهما تبدلت التحالفات، أن يلغي ارتباطه الطبيعي بسوريا، بوصفها معبره البري الوحيد نحو العمق العربي.
أما الرئيس وليد جنبلاط، الذي كان أول المحتفلين بسقوط النظام السابق وأول من هنأ الرئيس الشرع وزاره على رأس وفد كبير في دمشق، فأكد أهمية الحفاظ على وحدة سوريا وسيادتها وسلامة أراضيها، وبحث مع الشيباني في آفاق تطوير العلاقات الثنائية بين سوريا ولبنان بما يخدم المصالح المشتركة ويعزز التعاون بين البلدين.
وقال: “في الإطار التاريخي، لا بد من التأكيد على العلاقات الجيدة والمتوازنة بين لبنان وسوريا. أما بالنسبة إلى البعض في الداخل اللبناني الذين لم يفهموا بعد، أو لا يريدون أن يفهموا، أن نظام بشار الأسد البائد قد انتهى، فهذا أمر غريب”، مضيفاً: “علينا اليوم أن نفتح علاقات جديدة سياسية، واقتصادية، وأيضاً استراتيجية مع سوريا”.
ورداً على سؤال حول الضمانات بشأن عدم التدخل السوري في الشؤون اللبنانية، أجاب جنبلاط حاسماً: “لقد انتهينا من مسألة التدخل السوري. ولكن، بين العلاقة المتوازنة، والمقبولة، والموضوعية مع سوريا، وبين أي اتفاق قد يؤدي إلى ما هو أسوأ من اتفاق 17 أيار 1983، فإنني حتماً أفضّل العلاقة المتوازنة والمعقولة مع سوريا، ولا أؤيد أي اتفاق يكون بمثابة 17 أيار جديد”.
وعندما تلتقي مقولة بري مع موقف جنبلاط، رغم اختلاف التجربتين، فإن الرسالة تصبح أكثر وضوحاً: لبنان لا يستطيع أن يدير ظهره لسوريا، كما أن سوريا الجديدة لا تستطيع أن تستعيد أساليب الماضي. وما بين العبارتين يولد مفهوم جديد للعلاقة بين البلدين، عنوانه الندية، والسيادة، والمصلحة المشتركة.
ولا تقل أهمية عن ذلك زيارة الشيباني إلى بكركي، حيث التقى البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، في محطة حملت أبعاداً وطنية تتجاوز بعدها البروتوكولي، إذ تعكس حرص دمشق على مخاطبة مختلف المرجعيات اللبنانية، وإيصال رسالة بأن سوريا الجديدة لا تميز بين مكونات لبنان، بل ترى فيه شريكاً كاملاً في بناء الاستقرار الإقليمي.
كما أن زيارته إلى طرابلس حملت هي الأخرى دلالات تتجاوز بعدها الجغرافي. فطرابلس كانت إحدى أكثر المدن اللبنانية تأثراً بالحرب السورية، وتحولت خلال سنوات طويلة إلى عنوان للتوتر الأمني والسياسي. واليوم أرادت دمشق أن تجعل منها رمزاً للمصالحة والانفتاح، وأن تؤكد أن المرحلة المقبلة ينبغي أن تكون مرحلة التنمية والتكامل الاقتصادي، لا مرحلة النزاعات.
وفي موازاة هذا الانفتاح اللبناني – السوري، انعقد مجلس الوزراء في جلسة اكتسبت أهمية خاصة، أقر فيها الاتفاقية الخاصة بإنشاء اللجنة العليا اللبنانية – السورية المشتركة، بما يعكس وجود توافق رسمي على إعطاء العلاقات مع دمشق بعداً مؤسساتياً جديداً، بالتوازي مع استمرار المسار التفاوضي لاستعادة الأراضي اللبنانية المحتلة.
إلا أن هذا الحراك السياسي يجري في ظل واقع أمني شديد التعقيد. فالجيش الإسرائيلي يواصل خروقه اليومية، ويعمد إلى تثبيت معادلة جديدة في الجنوب تقوم على ما بات يوصف بـ”الحرب منخفضة الوتيرة”، عبر الغارات المحدودة، وعمليات التفجير، والتوغلات الموضعية، وإنشاء بنى عسكرية تعكس نية واضحة بإطالة أمد وجوده في بعض المناطق الحدودية، في محاولة لفرض وقائع ميدانية جديدة قبل الوصول إلى أي تسوية سياسية.
وفي الوقت نفسه، جاء الانفجار الذي شهدته دمشق ليذكر بأن سوريا نفسها لا تزال تواجه تحديات أمنية كبيرة، وأن القوى الساعية إلى منع استقرارها لم تتراجع بعد. وهذا يعني أن نجاح أي مشروع لبناني – سوري جديد يبقى مرتبطاً بقدرة الدولتين على حماية استقرارهما الداخلي، ومنع تحويل أراضيهما إلى ساحات مفتوحة للصراعات الإقليمية.
أما إقليمياً، فإن الأنظار لا تزال تتجه إلى الدوحة، حيث تتواصل المحادثات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران. وسجلت الاجتماعات الفنية الأخيرة بعض التقدم، إلا أن القضايا الجوهرية لا تزال معلقة، فيما تستمر الرسائل العسكرية المتبادلة في الخليج، ويستمر التوتر حول أمن الملاحة في مضيق هرمز، بما يؤكد أن المنطقة لا تزال تعيش مرحلة انتقالية دقيقة، يصعب معها توقع تسويات نهائية في المدى القريب.
وسط هذه الصورة المعقدة، يبدو لبنان أمام فرصة تاريخية لإعادة صياغة موقعه الإقليمي. فالعلاقة الجديدة مع سوريا، إذا قامت فعلاً على قاعدة الاحترام المتبادل والمؤسسات، يمكن أن تشكل مدخلاً للبنان لاستعادة دوره الاقتصادي، وفتح الأسواق العربية، وتطوير مشاريع النقل والطاقة، وإعادة وصل لبنان بعمقه الطبيعي. لكن هذه الفرصة تبقى مشروطة بإرادة سياسية صلبة لدى الجانبين، وبقدرتهما على تجاوز ذاكرة السنوات الثقيلة، والانطلاق نحو شراكة حقيقية لا تقوم على موازين القوة، بل على المصالح المشتركة.
إن زيارة الشيباني لم تكن مجرد زيارة وزير خارجية إلى دولة مجاورة، بل كانت إعلاناً عن بداية اختبار سياسي كبير: هل يستطيع لبنان وسوريا، للمرة الأولى منذ عقود، بناء علاقة طبيعية بين دولتين مستقلتين، لا بين وصي وموصى عليه، ولا بين خصمين دائمين؟
الإجابة لن تصنعها البيانات المشتركة، بل الأيام المقبلة، وما إذا كانت اللجنة العليا المشتركة ستتحول إلى مؤسسة منتجة، وما إذا كان التعاون الاقتصادي سيصبح حقيقة، وما إذا كان الأمن على الحدود سيترجم إلى استقرار دائم، وما إذا كانت المنطقة بأسرها ستنجح في الانتقال من منطق إدارة الحروب إلى منطق صناعة السلام.
إنها لحظة تاريخية بامتياز، قد تفتح الباب أمام مشرق جديد، أو تعيد إنتاج أزمات الماضي بثوب مختلف. وبين الاحتمالين، يبقى الرهان على حكمة القيادات، وعلى قدرة شعوب المنطقة على تحويل الجغرافيا من لعنة سياسية إلى فرصة للتكامل والتنمية، لأن الأوطان لا تُبنى بالشعارات، بل بالشراكات التي تصمد أمام اختبار الزمن.



