رأي

الحروب حين تصبح اللغة الأخيرة (أسامة مشيمش)

 

بقلم د.أسامه توفيق مشيمش – الحوارنيوز

 

الحروب لا تنتهي بالشعارات، ولا تتوقف عند الأمنيات، ولا تُحسم عبر التصريحات الإعلامية المتفائلة أو التسريبات السياسية التي تُغرق الرأي العام بوعود قريبة عن وقف إطلاق النار أو تسويات وشيكة. فالحرب، في جوهرها العميق، ليست حدثًا عابرًا ينتهي بمجرد تعب الأطراف أو تبدّل المزاج الدولي، بل هي صراع إرادات ومصالح ومشاريع كبرى، لا يخمد إلا حين يحقق أحد الأطراف ما يريد، أو حين يُجبر على التخلي عمّا يريد تحت ضغط القوة أو الواقع أو الانهيار.

 

من هنا، فإن الحديث المتكرر عن “مؤشرات إيجابية” أو “أجواء تفاؤلية” يبقى في كثير من الأحيان مجرد محاولة لتسكين الخوف الجماعي، أو لشراء الوقت السياسي، أو لإدارة الرأي العام بجرعات من الأمل المؤقت. لكن الوقائع على الأرض غالبًا ما تكون أكثر قسوة ووضوحًا من اللغة الدبلوماسية الناعمة. فالميدان وحده هو الذي يكشف الاتجاه الحقيقي للأحداث، وهو الذي يحدد من يتراجع ومن يتقدم، ومن يفرض شروطه ومن يُفرض عليه القبول.

 

التاريخ الإنساني مليء بحروب طويلة ودامية استمرت سنوات وعقودًا لأن الأطراف المتصارعة لم تصل إلى نقطة الحسم. ففي كل حرب توجد أهداف معلنة وأخرى خفية، توجد حسابات تتعلق بالسلطة والنفوذ والثروات والجغرافيا والتوازنات الدولية. وعندما تعجز السياسة عن إنتاج حلول عادلة ومتوازنة، تتحول القوة إلى اللغة الوحيدة المفهومة بين المتصارعين.

 

وفي منطقتنا العربية، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا، لأن الحروب لم تعد مجرد نزاعات حدودية أو صدامات عسكرية تقليدية، بل أصبحت حروب وجود وهوية ومحاور إقليمية ودولية متشابكة. لذلك فإن أي حديث عن نهاية قريبة لأي صراع دون معالجة جذوره الحقيقية يبقى أقرب إلى الوهم منه إلى الواقع. فالأزمات التي تُجمّد دون حل تعود غالبًا بشكل أكثر عنفًا ودموية.

 

إن أخطر ما في الحروب الحديثة ليس فقط حجم الدمار والخسائر البشرية، بل حالة الإنهاك النفسي والاجتماعي التي تُصيب الشعوب، فتدفعها أحيانًا إلى التعلق بأي أمل ولو كان هشًا. وهنا تستغل بعض القوى السياسية والإعلامية هذا التعب الجماعي لتسويق أوهام التسويات السريعة، بينما الوقائع الميدانية تشير إلى أن الصراع ما زال مفتوحًا على احتمالات أوسع.

 

وفي ظل غياب عدالة دولية حقيقية، وازدواجية المعايير في التعامل مع قضايا الشعوب، تصبح القوة هي العامل الأكثر تأثيرًا في رسم المعادلات. فالدول لا تُدار بالعواطف، والسياسة الدولية لا تعرف الأخلاق المجردة بقدر ما تعرف موازين القوى والمصالح. ولهذا فإن الطرف الذي يمتلك القدرة على الصمود والتأثير وفرض الوقائع، هو الذي ينجح في النهاية في فرض شروطه أو جزء كبير منها.

 

إن السلام الحقيقي لا يُبنى على الخداع السياسي ولا على تجميد الأزمات، بل على حلول عادلة تعترف بحقوق الشعوب ومصالحها الأساسية. أما عندما تُترك القضايا الكبرى معلقة، وتُدار المنطقة بعقلية الهيمنة والإخضاع، فإن الحروب تبقى مرشحة للعودة بأشكال مختلفة، لأن النار التي تُغطى بالرماد لا تعني أنها انطفأت.

 

لهذا، فإن قراءة الحروب بعين واقعية تقتضي الابتعاد عن الأوهام والعواطف الآنية، وفهم أن الصراعات الكبرى لا تُحسم بالكلمات، بل بموازين القوة والإرادة والقدرة على فرض المعادلات. وحتى يتحقق ذلك، سيبقى العالم يعيش على إيقاع هدَنٍ مؤقتة.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى