رأي

غزة.. وعذاب الضمير العربي (حيدر شومان)

 

بقلم حيدر شومان – الحوار نيوز

لم تؤمن غزة، كما أخواتها، بالصوت العربي منجعاً خاصاً لعظيم آلامها، فلطالما كانت للعرب، إلا ما رحم ربي، وقاحة في إظهار الخذلان والعمالة، بل ودعم المعتدي في ما سبق من حروب العدو التي لم تنته منذ سنة 1948.

 لذلك ليس بالأمر الغريب موقف العرب في عدوان غزة الذي لم يسبق له مثيل من قبل، في وحشية العدو قتلاً وتدميراً، فالأقنعة سقطت منذ عقود، والأمل من يقظة الخانعين قد سقط معه، ولم يبق من عنوان وردي في هذه الظلامة الكبيرة سوى النصر، اعتماداً على النفس مع من بقي لديه عزة من نفس أبية وهم في ذلك قليل.

والسقطات العربية المذلة حافلة منذ بدء التكتل العربي المعاصر، فقد تُركت فلسطين وحدها في صراعاتها مع المحتل، ولم يلقَ لبنان أي دعم حقيقي، إلا نادراً، عندما اجتاحه العدو واحتل عاصمة عربية لأول مرة بعد احتلاله فلسطين، وعاش العراق ردود الفعل الخياني من قبل العرب الداعمين للغزو الأميركي والغربي والذي لما تزل تداعياته ساحقة على مواطنيه إلى الآن.. 

لكنّ هناك أمراً جديداً في عدوان غزة هذه المرة. ففي السابق كان التفاعل الشعبي العربي يلاقي التحديات ويحاكي الإجرام المتمثل بالعدوان الإسرائيلي وغيره، ويؤسس لحسابات تؤثر بما يسمى بالمجتمع الدولي. أما الآن، فإن هذا التفاعل في غالبية الدول العربية العظمى ضعيف خافت لا صوت له، ولا يبرز التعاطف المتوازن مع حدة العدوان المتصاعدة في كل يوم، ويبدو بعد مرور أكثر من مائة يوم أن الاهتمام المطلوب بأخبار غزة بدأ يتضاءل، وكأن الناس بدأت تمل من هذه “المعزوفة المتكررة” التي لا تتحدث إلا عن سقوط شهداء وجرحى ودمار البيوت والنقص في الماء والغذاء والدواء والوقود وما شابه.

فلا غرابة في الاهتمام الكامل ببطولات آسيا وأفريقيا في كرة القدم والتي انطلقت مؤخراً، بالإضافة إلى غيرها الأوروبي، حيث الحماسة للكرة والأهداف أكبر بكثير من التأثر بقتل الأطفال والنساء، ولم لا، شيء من المتعة لا يضر، فلماذا نجلد أنفسنا بعذاب الضمير خصوصاً وأننا لا نستطيع عمل شيء يوقف العدوان على غزة… وما دام كل بلد عربي وشعبه ومؤسساته تعتبر أن يدها مشلولة عن التأثير في ما يحدث في البلد العربي الآخر، فلمَ نحرم الناس من مهرجانات الفن والغناء والرقص، ومباريات كرة القدم وإقامتها في بلد عربي من هنا أو هناك، ولمَ نكبّل أنفسنا بالمشاعر الخانقة والوجدانيات العاطفية التي لا تحدث في الواقع المعاش شيئاً؟

لقد تأثرت الشعوب بحكامها، إلا قليلاً، وبات صمتهم صمتها، وخذلانهم خذلانها، وهروبهم هروبها، وباتت مشاهدة الويلات في غزة تؤثر سلباً على المواطن العربي الذي يريد أن يعيش بسلام ووئام وهدوء، بعيداً عن الدماء والقتل والموت الأسود.

وهناك، وللأسف، من يعتبر أن غزة اختارت طريقها في الصراع والحرب، فلتتحمل مصيرها ومسؤوليتها عما اختارت. أصبح هروب البعض من المأساة هروباً من المسؤولية، وأصبح الهروب من وقع الألم لدى الضحية تبريراً لما يرتكبه الجاني، ففي النهاية لم تعد إسرائيل عدوة العرب كما كانت من قبل، والصلح سيد الأحكام في النهاية، فلقد سئمنا الحروب ومن يخوضها… والعاقبة للمتقين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى