إقتصادحرب إيراندوليات

إغلاق مضيق هرمز صدمة طاقة عالمية وإعادة تسعير للاقتصاد الدولي (عماد عكوش)

 

بقلم د. عماد عكوش – الحوارنيوز

 

يمثل مضيق هرمز أحد أهم الشرايين الحيوية في الاقتصاد العالمي. ففي الظروف الطبيعية يمر عبره يوميا ما يقارب 20  مليون برميل  من النفط والمنتجات النفطية ، أي ما يعادل نحو خُمس الاستهلاك العالمي من السوائل البترولية.  كما يمر عبره نحو 20%  من تجارة الغاز الطبيعي المسال لا  LNG) ) في العالم، يأتي معظمها من قطر . الأهم من ذلك أن 84%  من النفط و 83% من الغاز الطبيعي المسال الذي يعبر المضيق يتجه إلى آسيا، ما يعني أن الاقتصادات الآسيوية وفي مقدمتها الصين ستكون أول من يتلقى الصدمة ، قبل أن تنتقل آثارها سريعاً إلى أوروبا وبقية العالم عبر قنوات الطاقة والشحن والتضخم المستورد.

انطلاقاً من هذه المعطيات، يمكن تحليل آثار أي إغلاق فعلي أو طويل لمضيق هرمز على الاقتصادات الكبرى عبر عدة محاور رئيسية منها التضخم، النمو الاقتصادي، أسعار الفائدة، الموازنات العامة، وخدمة الدين.

أولاً: الاتحاد الأوروبي

بلغ التضخم في منطقة اليورو نحو 1.9%  في شباط 2026 وفق تقديرات “ايروستات” ، وهو مستوى قريب من هدف البنك المركزي الأوروبي . إلا أن صدمة طاقة حادة قد تغير هذا المشهد بسرعة . وتشير التقديرات إلى أن ارتفاع أسعار النفط بنسبة 10% قد يرفع التضخم في منطقة اليورو بنحو 0.2 نقطة مئوية ، لكن الخطر الحقيقي لأوروبا لا يقتصر على النفط ، بل يمتد إلى الغاز الطبيعي وتكاليف الشحن البحري .  فقد سجلت أسعار الغاز الأوروبية في مراحل التصعيد الأخيرة قفزات وصلت إلى 40%  خلال أيام . اما بالنسبة لتوقعات النمو لمنطقة اليورو في عام 2026 تدور حول 1.2%  فقط وفق تقديرات OECD وإسقاطات اليوروسيستم.

ان أي صدمة طاقة ممتدة لفترة اكثر من شهر ستؤدي غالباً إلى تراجع الاستهلاك الخاص ، ارتفاع تكاليف الإنتاج الصناعي، خصوصاً في القطاعات كثيفة الطاقة ، وتدهور ثقة المستثمرين والأعمال . اما بالنسبة لاسعار الفائدة والائتمان فعادة ما يتجاهل البنك المركزي الأوروبي الصدمات المؤقتة في الطاقة، لكنه يصبح أكثر حذراً إذا تحولت الصدمة إلى تضخم مستدام أو موجة تضخم ثانية لكن النتيجة المرجحة هي تأجيل خفض الفائدة وبالتالي بقاء تكاليف التمويل مرتفعة للحكومات والشركات. اما بالنسبة للموازنات العامة ، ستواجه الحكومات الأوروبية فاتورة مزدوجة منها دعم الطاقة وتعويض الأسر والصناعة ، وارتفاع كلفة خدمة الدين نتيجة بقاء الفائدة مرتفعة ، وهذا يمثل تحدياً خاصاً للدول ذات الديون المرتفعة مثل إيطاليا وفرنسا.

في النهاية هل تملك اوروبا القدرة على التحمل ؟

 للاجابة على هذا السؤال لا بد من الحديث عن مخزون الغاز لديها . كان مخزون الغاز الأوروبي نحو 44% في نهاية كانون الثاني 2026، وهو أدنى مستوى لهذا الوقت من السنة منذ أزمة 2022 . شهر واحد من الصدمة يمكن التعامل معه عبر الأسعار والترشيد الصناعي ، أما شهران أو أكثر مع تعطّل كبير في الغاز المسال الخليجي فقد يضع أوروبا أمام ركود صناعي مصحوب بتضخم مرتفع.

ماذا عن الصين ؟

تعتمد آسيا على الجزء الأكبر من تدفقات الطاقة عبر مضيق هرمز، ما يجعل الصين في خط المواجهة الأول. لقد كان التضخم في الصين منخفضاً للغاية، حيث سجل 0.2%  في كانون الثاني 2026. هذا يمنح السلطات النقدية مساحة للتحرك ، لكن ارتفاع تكاليف الطاقة والشحن قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار المنتجين ، وضغط على هوامش الصناعات التصديرية مما سيؤثر على عدة مؤشرات اقتصادية منها النمو حيث كان يتوقع صندوق النقد الدولي نمو الاقتصاد الصيني بنحو 6.4%  في 2026 ، لكن صدمة طاقة طويلة قد تؤدي إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج ، تباطؤ الصادرات ، وزيادة الحاجة إلى التحفيز المالي والصناعي .

ان انخفاض التضخم يسمح للصين باستخدام أدوات نقدية ومالية لدعم الاقتصاد. لكن إذا تحولت الأزمة إلى نقص فعلي في الإمدادات فإن الحل يصبح لوجستياً وإمدادياً أكثر منه نقدياً. خلال الأسابيع الأولى يمكن ان تعتمد الصين على السحب من المخزونات الاستراتيجية ، إعادة توجيه مصادر الاستيراد ، او تقنين استهلاك الطاقة لبعض القطاعات . لكن إغلاقاً يتجاوز شهراً واحداً قد يؤدي إلى تباطؤ واضح في الإنتاج الصناعي وارتفاع تكاليف الشحن والطاقة.

بالنسبة للولايات المتحدة الاميركية فهي أقل اعتماداً على مضيق هرمز لكنها تتأثر عبر الأسعار التي يمكن ان تولد التضخم ، وكان التضخم بلغ نحو 2.4% في كانون الثاني 2026 لكن ارتفاع أسعار النفط سينعكس سريعاً على أسعار البنزين ، وتكاليف النقل الامر الذي يمكن ان يزيد في معدلات التضخم . اما بالنسبة لاسعار الفائدة فصدمة طاقة قد تؤدي إلى تأجيل خفض الفائدة مع ارتفاع معدلات التضخم ، بالتالي بقاء السياسة النقدية مشددة لفترة أطول . هذا الامر سينعكس حتما على الموازنة وخدمة الدين حيث تواجه الولايات المتحدة عجزاً متوقعاً بنحو 1.9  تريليون دولار في السنة المالية 2026 ، بينما قد تتجاوز مدفوعات الفائدة 1 تريليون دولار. ان ارتفاع العوائد نتيجة ارتفاع التضخم يعني ضغطاً مباشراً على خدمة الدين وبالتالي على زيادة العجز في الموازنة .

من ناحية اخرى يبلغ الاحتياطي النفطي الأميركي نحو 415  مليون برميل ، لكن من الناحية الحسابية فان تعطل تدفقات هرمز البالغة 20  مليون برميل يومياً لمدة 30 يوماً يعني فقدان نحو 600  مليون برميل من الإمدادات العالمية. لذلك فإن الاحتياطي الأميركي لا يعوض الصدمة بالكامل، بل يخفف حدتها ويكسب الوقت فقط.

أكبر الخاسرين تشغيلياً وأكبر الرابحين سعرياً هي دول الخليج  حيث تعتمد دول الخليج بشكل كبير على مضيق هرمز لتصدير النفط والغاز. ولكن حتى مع ارتفاع الأسعار العالمية، فإن الاستفادة تتوقف على استمرار القدرة على التصدير فعلياً. مالياً يمكن لدول الخليج الصمود بفضل الصناديق السيادية، لكن استمرار الأزمة يخلق مخاطر تشغيلية مرتبطة بالشحن والتأمين وسلاسل الإمداد.

هل يستطيع الاقتصاد العالمي تحمل الحرب لأكثر من شهر؟

 يمكن لمعظم الاقتصادات إدارة الصدمة في الشهر الاول عبر استخدام المخزونات ، ارتفاع الأسعار لترشيد الطلب ، وإعادة توجيه الإمدادات العالمية ، لكن هذا يحدث بكلفة واضحة تتمثل في ارتفاع التضخم ، تقلب الأسواق ، وتراجع الثقة الاقتصادية.

ما بعد الشهر الأول تتحول الأزمة من أزمة أسعار إلى أزمة إمدادات فعلية. عند هذه النقطة يصبح التأثير أكثر عمقاً فأوروبا ستواجه أزمة غاز وصناعة ، آسيا، خصوصاً الصين، تواجه نقص طاقة وارتفاع كلفة النقل ، التضخم العالمي سيرتفع مجدداً ، والبنوك المركزية ستضطر إلى إبقاء الفائدة مرتفعة.

الاقتصاد العالمي يمكن ان يكون قادرا على استيعاب صدمة هرمز لمدة أسابيع ، لكنه بالتأكيد سيواجه مخاطر ركود تضخمي إذا استمرت لأكثر من شهر، لأنه كلما طال الإغلاق سترتفع أسعار الطاقة ، مزيد من تعطل سلاسل الإمداد ، تراجع التجارة العالمية ، وبالتالي تباطأ الصناعات الكبرى.

لذلك فإن استمرار الحرب لفترة طويلة لا يخلق فقط أزمة طاقة، بل قد يؤدي إلى إعادة تسعير شاملة للاقتصاد العالمي، مع تضخم أعلى ونمو أضعف واستقرار مالي أكثر هشاشة.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى