دولياتسياسة

دبلوماسية الحافة والانفجار: الشرق الأوسط في عين العاصفة(سعيد عيسى)

 

بقلم الدكتور سعيد عيسى – الحوارنيوز

مع الساعات الأولى من فجر 30 كانون الثاني/يناير 2026، تصاعدت أزمة الولايات المتحدة وإيران في الخليج وبحر العرب على نحو دفع مسؤولين ومحللين إلى التحذير من أن المنطقة دخلت مرحلة شديدة الحساسية، حيث تتداخل إشارات الردع العسكري مع قنوات الدبلوماسية، وتصبح المسافة بين «الضغط» و«الانفجار» رهناً بحسابات دقيقة واحتمالات سوء تقدير في مسرح عمليات ضيق ومكتظ.

في واشنطن، قالت الإدارة الأمريكية إنها عززت وجودها البحري والجوي بإرسال قوة كبيرة تقودها حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن»، ترافقها مدمرات وغواصات تعمل بالطاقة النووية، إلى جانب مقاتلات من طراز «إف-35»، في خطوة وصفها الرئيس دونالد ترامب بأنها «أرمادا هائلة». ويرى محللون أن هذا الانتشار يشكّل ترجمة عملية لما يُشار إليه في الأدبيات العسكرية الأمريكية بمفهوم «الردع المرن»، أي إظهار قدرة جاهزة على التصعيد، مع الإبقاء على خيار التفاوض مفتوحاً، بهدف دفع الطرف المقابل إلى تعديل سلوكه قبل الوصول إلى مواجهة مباشرة.

ومع انتقال التعزيزات إلى مواقع عملياتية في محيط الخليج وبحر العرب، اتجه الخطاب السياسي الأمريكي، بحسب ما عكسته تصريحات متداولة، من التحذيرات العامة إلى رسائل أكثر تحديداً تتصل بملف التفاوض. فقد شدد البيت الأبيض على أن الوقت «ينفد» أمام إيران للعودة إلى طاولة المحادثات ضمن شروط أوسع من الملف النووي وحده، تشمل أيضاً الصواريخ الباليستية ونفوذ الجماعات الحليفة لطهران في المنطقة؛ وهو ما تصفه الإدارة، وفق مسؤولين أمريكيين، باستراتيجية «الضغط الأقصى» التي تمزج العقوبات بالتلويح بالقوة لانتزاع تنازلات في «سلة قضايا».

في طهران، جاءت الردود في الأيام التالية على وقع تصعيد مماثل في النبرة. ففي 1 شباط/فبراير 2026، حذر المرشد الأعلى علي خامنئي، وفق ما نقلته وسائل الإعلام الرسمية، من أن أي هجوم سيقود إلى «حرب إقليمية شاملة»، ملوحاً باستهداف القواعد الأمريكية في المنطقة. وأعلنت السلطات الإيرانية رفع الجاهزية ضمن ما تسميه «الدفاع النشط»، مع الحديث عن إجراءات لتكييف الاقتصاد مع ظروف مواجهة مطولة، وهو ما يقدم في الخطاب الإيراني بوصفه «اقتصاداً حربياً». وتُقرأ هذه الرسائل، في التحليل السياسي، بوصفها محاولة لتوسيع معنى الردع؛ أي نقل كلفة القرار العسكري من حدود إيران إلى شبكة المصالح والقواعد والطرق البحرية التي تعتمد عليها الولايات المتحدة وشركاؤها الإقليميون.

هذا التوتر يسلط الضوء على صراع بين مقاربتين متقابلتين للتفاوض تحت الضغط. فالإدارة الأمريكية تتحرك، وفق توصيف شائع بين باحثين في العلاقات الدولية، ضمن نمط «التفاوض بالإكراه»، بناء تفوق عسكري واضح وتكثيف العزلة الاقتصادية والمالية لإجبار الخصم على تقديم تنازلات كبيرة قد لا تكون ممكنة في ظروف أقل حدة. وفي هذا السياق، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية في 30 كانون الثاني/يناير 2026 حزمة عقوبات جديدة استهدفت مسؤولين إيرانيين، وشملت، للمرة الأولى وفق الإعلان الأمريكي، منصات تداول العملات الرقمية داخل إيران، بحجة أنها تسهل الالتفاف على العقوبات. ويقول مؤيدو هذا النهج إن تضييق قنوات التمويل، بالتوازي مع التهديد العسكري، يرفع احتمال أن تعتبر طهران التسوية أقل كلفة من الصمود.

وتتعزز هذه القراءة الأمريكية، بحسب محللين، معطيات داخلية إيرانية تشير إلى اضطرابات واحتجاجات شهدتها البلاد مطلع كانون الثاني/يناير. وترى واشنطن، وفق ما ينقله متابعون لسياساتها، أن ضغط الخارج قد يزيد هشاشة قدرة النظام على المناورة أو يحد من استعداده لتحمل تبعات حرب واسعة. غير أن هذا الرهان لا يخلو من مخاطرة؛ إذ يجادل خبراء بأن الأنظمة الواقعة تحت ضغط مضاعف قد تميل، في لحظات معينة، إلى خيارات تصعيدية لحماية شرعيتها أو لتوحيد الداخل ضد خصم خارجي، بما يجعل نتائج الضغط غير قابلة للتنبؤ.

في المقابل، تتبع طهران، بحسب ما يصفه مراقبون، استراتيجية «المقاومة الردعية»، التي تقوم على إظهار القدرة على إلحاق ضرر استراتيجي ليس بالولايات المتحدة وحدها، بل بالاقتصاد العالمي أيضاً، عبر التلويح بمضيق هرمز باعتباره عقدة أساسية لتدفقات الطاقة. وقد اقترن ذلك بتهديدات إيرانية بإجراء مناورات بالذخيرة الحية في المضيق، وهي خطوة ينظر إليها محللون على أنها رسالة مزدوجة، عسكرية من حيث الاستعداد، وسياسية من حيث التذكير بأن أي اضطراب في الملاحة يمكن أن ينعكس سريعاً على أسواق الطاقة. وفي الأيام الأخيرة، تداولت تقارير أن أسعار النفط قاربت 72 دولاراً للبرميل، في إشارة إلى حساسية الأسواق لأي مؤشرات توحي بتعطل محتمل في الإمدادات.

لكن، وعلى الرغم من اللغة الصدامية، لم تسر الأزمة في اتجاه عسكري صرف. ففي 2 شباط/فبراير 2026، وفي تحول وصفه بعض المتابعين بالمفاجئ، قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن طهران مستعدة لمفاوضات «فورية» بشأن الملف النووي لتجنب الصدام العسكري. وفي واشنطن، ألمح الرئيس ترامب إلى وجود تواصل «جدي» من الجانب الإيراني، متحدثاً عن إمكانية التوصل إلى اتفاق يضمن عدم امتلاك إيران سلاحاً نووياً. ويعكس هذا التوازي بين التصعيد والانفتاح على المحادثات ما يمكن تسميته بـ«حوار الردع»، أي توظيف الحشد العسكري كأداة تفاوض، مع محاولة ضبطه عند حافة لا تتحول إلى اشتباك فعلي.

في هذا الإطار، اكتسبت الوساطات الإقليمية وزناً متزايداً. فقد برزت تركيا، وفق ما تردد في دوائر دبلوماسية وإعلامية، كوسيط رئيسي ينقل الرسائل بين واشنطن وطهران في محاولة لتقليص الفجوة بين الشروط الأمريكية والاشتراطات الإيرانية. كما أُفيد بأن الأردن أجرى اتصالات مع طهران في مسعى للتهدئة. وإلى جانب ذلك، استمر الحديث عن دور تقليدي لسلطنة عُمان باعتبارها قناة خلفية مألوفة في لحظات التأزم، بما يعكس أن البحث عن مخارج تفاوضية لا يقل نشاطاً عن التحشيد العسكري في العلن.

وعلى مستوى القوى الكبرى، بدت حسابات موسكو وبكين محكومة، وفق مراقبين، بمصالح الاستقرار وأمن الطاقة والتجارة. فروسيا تحاول، بحسب هذا التقدير، الاحتفاظ بموقع «الميسّر» الممكن لاتفاقات تقلل احتمال انفلات الوضع، بينما تتابع الصين الأزمة بقلق خاص نظراً لاعتمادها الكبير على الطاقة وارتباط جزء مهم من إمداداتها بمسارات تمر عبر مضيق هرمز. ويضيف ذلك طبقة دولية تضغط باتجاه احتواء التصعيد، حتى إن لم تتطابق مواقف هذه القوى مع واشنطن في تفاصيل الملفات.

 

في إسرائيل، دخل عامل آخر على خط المعادلة. فقد أعلن الجيش الإسرائيلي حالة التأهب القصوى، وسط تقارير عن تنسيق مكثف مع القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) لبحث سيناريوهات تتصل باستهداف منشآت نووية. وبالنسبة إلى إسرائيل، يرتبط التصعيد بالدرجة الأولى بمنع تحول البرنامج النووي الإيراني إلى قدرة عسكرية، لكن إضافة هذا المتغير تزيد تعقيد الحسابات الأمريكية والإيرانية معاً؛ إذ ترفع احتمال أن يقرأ كل طرف خطوات الطرف الآخر من زاوية تعدد الجبهات، لا من زاوية واشنطن وطهران فقط.

ورغم أن واشنطن تصف الانتشار العسكري بأنه دفاعي وردعي، وأن طهران تصفه بأنه تهديد يستدعي الجاهزية، فإن الخطر الأكثر تداولاً في مراكز القرار لا يتعلق بالقرار السياسي بالحرب وحده، بل باحتمال «الصدام الصدفي». ففي مضيق هرمز، حيث تتقاطع سفن تجارية كثيفة الحركة مع قطع عسكرية، وتعمل طائرات مسيّرة ووسائط متقدمة في مساحة جغرافية محدودة، يمكن لخطأ تقدير أو سوء فهم لإشارة أو حادث احتكاك محدود أن يتحول بسرعة إلى سلسلة ردود يصعب كبحها. وفي مثل هذه البيئات، قد تصبح أدوات الردع نفسها عامل خطر إذا لم تُدعّم بقنوات اتصال فعّالة وقواعد اشتباك واضحة.

وفي خلفية هذا كله، تتشكل مفارقة تفاوضية: واشنطن تريد اتفاقاً أوسع يطال النووي والصواريخ والنفوذ الإقليمي، وتستخدم العقوبات والحشد لتقوية موقفها. وطهران، في المقابل، ترفض التفاوض تحت التهديد وتريد تخفيف العقوبات كخطوة تمهيدية، لكنها في الوقت نفسه تلمح، وفق تصريحات عراقجي، إلى استعداد للعودة السريعة إلى مسار نووي تفاوضي لتجنب مواجهة قد تكون كلفتها أكبر من مكاسب التصلب. هذا التباعد يجعل أي طاولة مفاوضات محتملة امتداداً للصراع أكثر من كونها نهاية له، ويجعل «حفظ ماء الوجه» بنداً عملياً لا يقل أهمية عن بنود التفتيش والالتزامات التقنية.

في المحصلة حتى 3 شباط/فبراير 2026، تبدو الأزمة وقد تحولت إلى اختبار لإدارة الحافة، كيف يستخدم الطرفان الضغط دون الانزلاق إلى اشتباك غير محسوب، وكيف تُدار قنوات الوساطة لمنع حادث تكتيكي من تقويض حسابات استراتيجية أوسع. وبينما تواصل الولايات المتحدة الإشارة إلى أن هدفها «اتفاق وليس حرباً»، وتواصل إيران ربط التهدئة بتغيير ملموس في منظومة العقوبات، يبقى الشرق الأوسط في لحظة توتر مرتفع، يتحكم بها توازن دقيق بين الردع والدبلوماسية، وتظل نتيجتها مرهونة بقدرة الأطراف على تقليل احتمالات سوء الفهم في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية لأمن الطاقة والتجارة العالمية.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى