بيان السفارة الأميركية: حين يَعِدُ الحرامي بالفرج (أكرم بزي)

كتب أكرم بزي – الحوارنيوز
يقول المثل الشعبي “قالوا للحرامي احلف، قال جاء الفرج”، وهو لسان حال كل من يقرأ بيان السفارة الأميركية الأخير في بيروت، الذي يبشر اللبنانيين بمفترق طرق وفرص تاريخية للسيادة والنهضة. فالمجرم حين يُوضع في موضع الضامن يجد في القسم والوعود فرصة ذهبية لممارسة الخديعة تحت غطاء الدبلوماسية، وهكذا يبدو هذا البيان الذي يفيض بكلمات معسولة عن استعادة الوطن، بينما الحقيقة المرة تؤكد أن واشنطن لم تكن يوماً سوى وسيط منحاز، وتاريخها مع الشعوب يقطر بوعود لم تورثنا إلا الخيبات والدمار.
إن دعوة السفارة للقاء مباشر بين الرئيس عون ورئيس وزراء العدو برعاية دونالد ترامب ليست طوق نجاة، بل هي دعوة صريحة للوقوف على حافة الهاوية وتسليم ما تبقى من أوراق قوة لبنانية مقابل سراب. وإذا أردنا اختبار مصداقية هذه العهود، فلا نحتاج للنظر بعيداً، فالتجربة الفلسطينية هي الشاهد الأكبر على الضمانات الأميركية، فمنذ اتفاق أوسلو الذي قيل إنه سيقود إلى دولة مستقلة، لم يحصد الفلسطينيون سوى المزيد من الاستيطان والتهويد، وصولاً إلى إدارة ترامب نفسها التي أجهضت كل الوعود بنقل سفارتها إلى القدس المحتلة ومباركة قرارات الكنيست بضم الضفة الغربية، فكيف يمكن لعاقل أن يصدق أن من رعى تصفية القضية الفلسطينية وهدم القانون الدولي فوق رؤوس الأبرياء في غزة، هو نفسه من سيضمن سيادة لبنان وسلامة أراضيه اليوم، إن من يتحدث عن السيادة هو نفسه من داس عليها في فنزويلا حين اختطف رئيساً من مخدعه، وهو من دمر العراق تحت كذبة أسلحة الدمار الشامل، ومن موّل حروب الكونترا في نيكاراغوا، مما يؤكد أننا أمام قوة عظمى تعتبر المواثيق الدولية مجرد وجهة نظر تستخدمها لخدمة مصالحها الاستعمارية فقط.
إن هذا البيان يعيدنا بالضرورة إلى الذاكرة المثقلة بالجراح، وتحديداً إلى وعود المبعوث الأميركي فيليب حبيب عام ١٩٨٢، حين وقف بزهو الدبلوماسية الإمبراطورية واضعاً يده على صدره، متعهداً بحماية المدنيين في المخيمات مقابل خروج منظمة التحرير وسحب سلاحها، كانت تلك الضمانات هي الشرك الذي أطبق على رقاب العزل، فبمجرد أن أوفى المقاتلون بعهدهم وغادروا بيروت، أغمضت واشنطن عينيها وتركت الوحوش تفتك بالأطفال والنساء في صبرا وشاتيلا، في واحدة من أبشع مجازر العصر الحديث التي تمت تحت الرعاية والضمانة الأميركية المباشرة، فمن غدر بالناس بعد أن جردهم من سلاحهم، ومن يغطي حرب الإبادة في غزة اليوم، لا يمكن أن يكون حمامة سلام في لبنان.
إن ما تطلبه السفارة اليوم هو تكرار سمج لنفس السيناريو، حيث يُطلب من لبنان التخلي عن عناصر قوته والجلوس مع قاتله مقابل وعود بالإعمار والدعم الإنساني، وهو ابتزاز سياسي موصوف يستغل وجع الناس وحاجتهم.
إن السيادة الحقيقية لا تُمنح ببيانات من سفارات أجنبية، ولا تُستجدى من وسطاء يباركون المجازر الجماعية، واللبنانيون الذين خبروا مرارة الوعود الأميركية يدركون جيداً أن بيان السفارة ليس إلا محاولة لذر الرماد في العيون، وتمرير مشروع صهيوني قديم بلبوس أمريكي جديد، فالذي هدم القانون الدولي لا يمكن أن يبني وطناً، والسيادة تُصنع في الميدان وبالوحدة الوطنية، لا في صالونات البيت الأبيض التي لا يخرج منها للعرب إلا الصفقات المشبوهة والخيانات الموثقة.



