أدب وشعرثقافة

أنطولوجيا انهيار الأمبراطوريَّات: سقوط المعنى قبل الجدران (خضر ضيا)

 

كتب خضر ضيا – الحوارنيوز

 

 

تقولُ الحكمةُ، 

في لغتها التي لا تُعلَّم بل تُكتشف:

 

إنَّ الدولَ ليستْ جدرانًا،

ولا خرائطَ تُلوَّن،

بل معنىً يسكنُ بين الناس؛

فإذا تآكلَ المعنى،

بقيتِ الجدرانُ واقفةً

كقشرةٍ بلا روح.

 

ليس السقوطُ حادثةً،

بل مسارٌ خفيٌّ،

يبدأُ حينَ تنفصلُ الأشياءُ عن أسمائها:

فيُسمَّى الظلمُ نظامًا،

ويُسمَّى الصمتُ حكمةً،

ويُسمَّى الخوفُ استقرارًا.

 

هناك،

لا يختلُّ الميزانُ فجأةً،

بل يعتادُ الانحراف،

حتَّى يصبحَ الاعوجاجُ

هو القاعدة.

الدَّولةُ التي تُكثرُ من الحديث عن قوَّتها،

تشبهُ إنسانًا

يُقنعُ نفسَهُ أنه بخير،

بينما العطبُ

يعملُ في داخله بصمت.

 

فالقوَّةُ، في جوهرها،

ليست ما تملكه اليد،

بل ما يطمئنُّ له الضمير.

 

لقد علَّمتِ التجاربُ أنَّ

سقوط روما

لم يكن انتقالَ سلطةٍ،

بل انتقالَ روحٍ من معنى إلى فراغ؛

حين غلبتِ اللذَّةُ الواجب،

وصار الإنسانُ يراقبُ انحلاله

كما لو أنَّه عرضٌ مسلٍّ.

 

وكذلك سقوط بغداد

لم يكن مجرَّد غزوٍ،

بل انكشافُ حقيقة:

أنَّ المعرفةَ إذا خضعت،

فقدتْ قدرتها على الحماية،

وأنَّ العقلَ إذا استظلَّ بالسلطة،

نسي أن يكونَ ميزانًا لها.

 

أمَّا سقوط الأندلس،

فكان درسًا في أنَّ الهويةَ

إذا انقسمت على ذاتها،

صارت كلُّ قطعةٍ منها

ضعفًا مستقلًا،

وأنَّ العدوَّ لا يحتاجُ أن يهزمك،

إذا كنتَ تتكفَّلُ بتفكيك نفسك.

 

وفي كلِّ زمان،

تتبدَّلُ الأسماء،

لكنَّ القانونَ واحد:

 

حين تفقدُ الدولةُ قدرتها على نقد ذاتها،

تبدأُ بفقدانِ واقعها.

وحين يصبحُ الولاءُ خوفًا،

لا اختيارًا،

تتحوَّلُ العلاقةُ إلى هشاشةٍ مؤجَّلة.

الثِّقةُ ليستْ شعورًا سياسيًّا،

بل بنيةٌ وجودية؛

إذا انهارت،

لم تُجدِ القوَّةُ في ترميمها.

 

وقد يبدو الكيانُ قويًّا

وهو في أوجِ ضعفه؛

لأنَّ المظاهرَ

لا تُخبرُ عن العمق،

ولأنَّ الانهيارَ الحقيقيَّ

لا يُحدِثُ صوتًا.

 

إنَّ أخطرَ ما يصيبُ الدُّول،

ليس العدوَّ الخارجي،

بل اللَّحظةُ التي تتوقَّفُ فيها

عن السؤال:

لماذا نحن هنا؟

 

فحين يغيبُ هذا السؤال،

يتحوَّلُ البقاءُ إلى عادةٍ،

والسُّلطةُ إلى غايةٍ،

والإنسانُ إلى وسيلة.

 

في آخرِ الحكمةِ،

لا شيءٌ يبلغُ الذروةَ

إلا ويبدأُ في ملامسةِ نهايته.

 

يقولُ التَّأملُ:

كلُّ قوةٍ

حين تنسى حدودها،

تبدأُ في استهلاكِ نفسها

من حيثُ تظنُّ أنها تزدادُ امتدادًا.

 

وقد يرى الناظرُ 

في أحوالِ القوَّة العظمى اليوم

ملامحَ قانونٍ قديم،

لا يخصُّ أمَّةً بعينها،

بل يتكرَّرُ كلمَّا اكتملَ المشهد:

 

اتساعٌ في الخارج،

وتساؤلٌ في الداخل،

قوَّةٌ تُدهشُ العالم،

وشكٌّ يتسرَّبُ إلى الذات.

 

وهنا،

وبقدرِ ما تغيبُ المراجعة،

ويطغى اليقينُ الأعمى،

يصبح السقوط حتميًّا

وليس ممكنًا فقط.

 

فالتاريخُ لا يعاقبُ أحدًا،

لكنَّه لا يستثني أحدًا أيضًا.

 

فالدُّولُ لا تُهزمُ حين تُغلب،

بل حين تُقنعُ نفسها

أنَّها فوقَ الغلبة.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى