رأي

لبنان بين الاجتياح والتفاوض: هل يُعاد رسم الجنوب… أم يُعاد رسم لبنان كله؟ (زينب اسماعيل)

 

زينب اسماعيل – الحوارنيوز

لم يعد ما يجري في جنوب لبنان مجرد جولة تصعيد عسكرية جديدة، ولا يمكن اختصاره بعبارة “خرق لوقف إطلاق النار”. ما يحدث اليوم يبدو أقرب إلى إعادة تشكيل تدريجية للواقع الأمني والسياسي في المنطقة، حيث يتقاطع المسار اللبناني مع المفاوضات الدولية، ومع موقع إيران الإقليمي، ومع مستقبل المقاومة الإسلامية في لبنان، ضمن لحظة إقليمية شديدة الحساسية.

منذ أشهر، لم يعد اللبنانيون يعيشون على إيقاع الحرب فقط، بل على إيقاع الانتظار أيضًا؛ انتظار مفاوضات لا تنتهي، وخرائط تتبدل، وحدود تتحرك، وسؤال أكبر يفرض نفسه: هل ما يجري محاولة لإنهاء مواجهة عسكرية، أم بداية إعادة رسم موازين القوى في المنطقة؟

ماذا يحدث ميدانيًا؟

شهدت الفترة الأخيرة توسعًا واضحًا في العمليات العسكرية الإسرائيلية جنوب لبنان، ليس فقط عبر الغارات الجوية، بل عبر محاولات فرض وقائع ميدانية جديدة في المناطق الواقعة بعد الليطاني، من خلال توسيع نطاق العمليات، وتكرار أوامر الإخلاء، واستهداف مناطق كانت تُعتبر سابقًا خارج دائرة الاشتباك المباشر.

هذا التحول يشير إلى انتقال إسرائيل من سياسة الردع الموضعي إلى محاولة فرض معادلة أمنية مختلفة، قائمة على تقليص مساحة الخطر الحدودي، وخلق واقع ميداني يصعب تغييره لاحقًا.

المفارقة أن كل ذلك يجري بينما لا تزال لغة التهدئة والمفاوضات حاضرة سياسيًا، ما يطرح سؤالًا أساسيًا: هل ما زالت الهدنة قائمة فعلًا، أم تحولت إلى إطار سياسي شكلي لا يوقف الوقائع على الأرض؟

المفاوضات… سلام أم إدارة للحرب؟

المفاوضات القائمة لا تبدو مفاوضات سلام شاملة، بل أقرب إلى إدارة للصراع.

فما يجري ليس مسارًا واحدًا، بل عدة مسارات متداخلة: مسار أمني يتعلق بالحدود والانتشار العسكري، ومسار لبناني يحاول وقف التدمير ومنع التوسع، ومسار إقليمي أوسع يرتبط بالنفوذ والعقوبات والملفات الكبرى.

وهنا تصبح الساحة اللبنانية جزءًا من تفاوض أكبر منها، لا مركزه.

فكل طرف يدخل المفاوضات بأهداف مختلفة: إسرائيل تبحث عن ضمانات أمنية طويلة الأمد، إيران تحاول حماية نفوذها الإقليمي وتقليل كلفة المواجهة، والدولة اللبنانية تبحث عن وقف النزيف المستمر. أما المواطن اللبناني، فيبحث فقط عن استقرار لم يعد يعرف شكله.

هل تخلّت إيران عن المقاومة الإسلامية في لبنان؟

القول إن إيران تخلّت بالكامل عن المقاومة الإسلامية في لبنان قد يكون تبسيطًا مفرطًا، لكن الواضح أن الأولويات تغيّرت.

ما ظهر خلال المرحلة الماضية يوحي بانتقال من مفهوم “وحدة الساحات” إلى مفهوم “إدارة الساحات”. أي أن الدعم السياسي والعسكري لم يختفِ، لكن استخدامه أصبح أكثر حسابًا وكلفة.

عدم توسع عمليات الإسناد إلى مواجهة إقليمية مفتوحة، رغم ارتفاع مستوى التصعيد، فتح الباب أمام تساؤلات جدية داخل لبنان: هل قررت إيران خفض مستوى المخاطرة؟ أم أن الساحة اللبنانية باتت تخضع لحسابات مختلفة عن السابق؟

في السياسة الإقليمية، نادرًا ما يكون التراجع انسحابًا كاملًا، وغالبًا ما يكون إعادة تموضع.

العامل اللبناني الداخلي… الحلقة الأضعف

العامل اللبناني الداخلي لا يقل أهمية عن العامل الإقليمي. فالدولة اللبنانية تدخل هذه المرحلة وهي تعاني من فراغات سياسية ومؤسساتية، واقتصاد منهك، وانقسام حاد حول شكل الدولة نفسها.

وهذا ما يجعل أي ضغط خارجي أكثر تأثيرًا؛ لأن الدول القوية تفاوض من موقع تماسك داخلي، بينما تفاوض الدول المنهكة تحت ضغط الوقت والخسائر.

لذلك، قد لا يكون السؤال فقط: ماذا تريد إسرائيل أو إيران أو القوى الدولية؟

بل أيضًا: ماذا يريد لبنان من نفسه أصلًا؟

من المستفيد الأكبر؟

إسرائيل تبدو المستفيد الميداني الأكبر حتى الآن، لأنها تحاول فرض معادلة جديدة: إبعاد التهديد الحدودي، توسيع هامش الحركة العسكرية، وخلق واقع أمني طويل الأمد.

إيران، رغم الضغوط، قد تستفيد إذا نجحت بتحويل الملف اللبناني إلى ورقة تفاوضية ضمن ترتيبات أكبر، دون الانجرار إلى حرب شاملة.

القوى الدولية تستفيد من إبقاء التصعيد مضبوطًا ومنع انفجار إقليمي واسع، مع استمرار استخدام الملفات الإقليمية كورقة ضغط متبادلة.

أما لبنان؟

فحتى اللحظة، يبدو الخاسر الأكبر: نزوح، دمار، استنزاف اقتصادي، انقسام سياسي، ومجتمع يعيش بين خوف الحرب وخوف التسوية.

هل الهدف وقف الحرب… أم تغيير شكل لبنان؟

السؤال الذي يتجنب الجميع الإجابة عنه: هل الهدف الحقيقي هو وقف الحرب، أم تغيير شكل لبنان السياسي والأمني؟

فالضغط العسكري لا يبدو منفصلًا عن الضغوط السياسية المرتبطة بالسلاح، كما أن ربط إعادة الإعمار بالمساعدات الدولية وبسط سلطة الدولة جنوبًا يفتح الباب أمام معادلة جديدة: الأمن مقابل السياسة.

السيناريوهات المحتملة

السيناريو الأول: تثبيت واقع أمني جديد
تنجح إسرائيل بفرض معادلات ميدانية جديدة، مع استمرار الضربات المتقطعة وغياب حل سياسي شامل.

السيناريو الثاني: صفقة إقليمية واسعة
أي تقدم في المسار الإيراني ينعكس تهدئة في لبنان، مقابل ترتيبات أمنية وضبط أكبر للحدود.

السيناريو الثالث: العودة إلى الحرب المفتوحة
أي فشل بالمفاوضات، أو خطأ ميداني كبير، أو توسع إقليمي، قد يعيد المنطقة إلى مواجهة شاملة.

السيناريو الرابع: انتقال الأزمة إلى الداخل اللبناني
أي انتقال الصراع من الحدود إلى الداخل السياسي، حول السلاح والدولة والصلاحيات، ما قد يفتح باب انقسامات أعمق.

الخلاصة

لبنان اليوم لا يقف عند حدود مواجهة عسكرية، بل داخل مرحلة إعادة تعريف كاملة لدوره ووظيفته وموقعه في المنطقة.

فالجنوب لم يعد مجرد ساحة اشتباك، بل مختبر سياسي وأمني تُختبر فيه موازين القوى الجديدة، وتُرسم عبره حدود النفوذ المقبلة.

وفي لحظة تختلط فيها المفاوضات بالضغوط العسكرية، يصبح الخطر الحقيقي ليس فقط خسارة أرض أو تدمير قرى أو نزوح عائلات، بل خسارة القدرة على القرار نفسه.

وربما السؤال الأكثر قسوة لم يعد: من سينتصر؟

بل: عندما تنتهي كل هذه التفاهمات، أي لبنان سيبقى؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى