رأي

أصلك عوجا ..يا عوجا (محمد حسين محي الدين)

 

كتب محمد حسين محي الدين – الحوارنيوز

قرأتُ تشريحين لمطالعة في جريدة الأخبار للنائب محمد رعد بتاريخ 18/6/2026 وهي بعنوان ثلاثية فصول الهوية اللبنانية .
الأول يُحمِّل الجهة التي يمثلها النائب رعد مسؤولية تعثر وعرقلة قيام الدولة مع ما يستتبع من تصدع في السيادة اللبنانية .
وهي الجهة المولودة سنة 1982 إبان الإجتياح الصهيوني للبنان حتى العاصمة بيروت ، وهي إستجابة لفطرة الكائنات الحية للدفاع عن الذات والوجود ، على مستوى الفرد والجماعة ، قبل أن تكون حقاً مكفولاً ومشروعاً بموجب الشرائع والقوانين التي هي من صنع البشر .
بينما بقية الجهات المشكٍّلة للمنظومة السياسية اللبنانية سابقة لها بسنوات طوال ، إن لم لم نقل بعقود مديدة ، وبعضها في تاريخه قد إستدعى جحافل الجوار بدعوى الدفاع عن الوجود وحماية المكانة .
والتشريح الثاني أخف وطأة من الأول ، إذ يعزو التعثر لأسباب داخلية ومن منظور يساري ، ويضع تلك الجهة على قدم المسواة في المسؤولية .
وعلى قاعدة أنصر أخاك ظالماً كان أم مظلوماً . فإن كان ظالماً فبدفعه عن الظلم ، وإن مظلوماً فالبدفاع عنه .
وبداية لا بد من الجهر بأن لبنان مبتلى بداء خَلْقي وخُلُقي ، ممنوع عليه التعافي منه إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولا .
هذا اللبنان الذي أنشىء سنة 1920 على قاعدة الفرز والضم بقرار خارجي مُلْزِم لجميع شعوبه ، بالإكراه أو بالإغراء ، حتى قال فيه كمال الصليبي ” بيت بمنازل كثيرة ” ، ظلّ ، ولمّا يزل ، مشلعاً مشظى ، تعصف فيه الرياح لكثرة الشقوق فيه ، مسْتَلَب السيادة والإرادة مذ أن كان ، غارقاً في دوامة خوف بعضه ن بعضه وغبن بعضه لبعضه ، محكوماً بقاعد إبن الست وإبن الجارية ، وإن إنقلبت الأدوار وتبدلت المواقع .
فعلى مدى مئة عام ونيف من تركيب البازل ، وما يزيد على الثمانين من عمر الإستقلال ، ومع تعاقب العهود ، التي ما كان أي منها وليد إرادة وطنية داخلية صرفة ، إنما نتيجة إملاءات خارجية .
 يروي الأستاذ فارس بويز ( وزير سابق للخارجية ) في مقابلة تلفزيونية عن والده ، أنه عشية الإنتخابات الرئاسية كان مؤيدو المرشح إميل إده – فرنسي الميل والهوى – مجتمعين في منزله ، ومن ضمنهم بويز الأب ، وإذ يدخل عليهم مندوب بريطاني ليختلي بإده لبضعة دقائق ليخرج الأخير معلناً إنسحابه لأن حكومة بريطانيا غير راضية عن ترشحه ، وهكذا أصبح بشارة الخوري رئيساً للجمهورية .
 يروي الأستاذ باسم السبع ( نائب ووزير سابق ) في كتابة ( لبنان في ظلال جهنم ) عن الرئيس رفيق الحريري أنه لا يحكم من دون رضى سوريا .
 صرح النائب سجيع عطية أنهم قلبوا الورقة من ترشيح نجيب ميقاتي لرئاسة الحكومة إلى نواف سلام بناء لمكالمة هاتفية بُعيد منتصف الليل من شخصية سعودية .
 هل إتفاق القاهرة سنة 1969 فعل سيادة أم إملاء ؟ وهل تلزيم إدارة لبنان ، من أم الرأس حتى أخمص القدمين ، للسوري فعل سيادة ومحض إرادة ؟
 سنة 1989 ، ولم تكن الجهة التي يمثلها النائب رعد قد بلغت أشدها بعد ، قال الأميركي بعد إتفاقه مع السوري ” مخايل الضاهر رئيساً أو الفوضى ” ، وأواخر سنة 2024 ، وكانت الجهة تلك لم تستفق من هول وطأة حرب ضروس شنها عليها اعدو الصهيوني ، قال الأميركي ، بعد إتفاقه مع السعودي ، ” جوزاف عون للرئاسة أو الفوضى ” . وهو – الأميركي – يطبق على لبنان بأشد وطأة وفجاجة من السوري ، الذي كان يقيم بعض الإعتبار لتقاطعات وتوازنات إقليمية ودولية .
 ماذا يمكن القول عن ” الفسادين الذين يبخون السم في واشنطن ” حسب تعبير الرئيس جوزاف عون ؟ وهم يدَّعون ربوبية السيادة. وأولئك الذين يعملون على قاعدة ( كل مَن يأخذ أمي أناديه يا عمي ) ، والذين لا تقر لهم عين ولا تهنأ لهم نفس إلا والشنطة في أحضانهم .عندهم السيادة لَعَقٌ على ألسنتهم يميلون بها كيفما مالت أهواؤهم ومصالحهم ، وإن مُحِّصوا بالسيادة ، قلَّ السياديون حتى النُدْرة .
وفي كل الأحوال ( حارتنا صغيرة والشمس طالعة وكل الناس قاشعة ) . فالسيادة في لبنان وجهة نظر لا مبدأ ثابتاً .
أما عن الدولة وبنائها .
فالعوَج بدأ منذ بدايات التأسيس الأولى . ولكم بسليم ، شقيق الرئيس بشارة الخوري ، مثال ساطع فاقع على إستغلال القرابة من السلطة وعلى عينها ، حتى أُطلق عليه لقب السلطان سليم ، لما في ذلك من دلالة على التسلط والعتوّ.ومن ثم تزوير الإنتخابات النيابية سعياً لنمديد وتجديد الولاية الرئاسية .
فالإصلاح الإداري ومحاربة الفساد والشفافية ( الإثراء غير المشروع ومن أين لك هذا ) وإستقلالية القضاء والإنماء المتوازن عناوين ما خلا منها بيان وزاري ولا خطاب رئاسي ، على مر ومدى العهود المتعاقبة ، وظلت أحلاماً ترقبها الأجيال وكأنها ( وعد إبليس بالجنة ) ، ما عدا محاولة فؤاد شهاب مطلع ستينيات القرن العشرين والتي أجهضها ووأدها “أكلة الجبنة” .
وهاكم إتفاق الطائف بما تضمنه من مبادىء إصلاحية إبتدائية نحو المواطنة والإنصهار الوطني المرتكزين على معيار الكفاءة والجدارة بديلاً من الزبائنية السياسية والطائفية والمذهبية ، من قانون الإنتخاب إلى التقسيمات الإدارية واللامركزية الإدارية وإلغاء الطائفية السياسية وبسط سلطة الدولة والإنماء المتوازن ، فضلاً عن حماية الحدود ، هي خطوات تأسيسية نحو دولة قادرة مقتدرة ، يفيء المواطن إليها ويستظل ظلالها آمناً مطمئناً لواقعه ومستقبله ، المكونات ،على غنى تنوعها ، والمناطق فيها كجسد واحد ، إذا إشتكى فيه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى.
ولكن للأسف ، فإن الحكومة في لبنان ، والتي على عاتقها بناء الدولة وتطويرها ‘ وعلى مر العهود المتعاقبة ، هي أشبه بهيئة ناظمة للفساد ، حيث يتم تبادل الخدمات والصفقات ، فالكل يريد الدولة مرضعة له وعصا بيده في وجه غيره .
وجميل فعل الأستاذ جميل مروة بدأبه على نشر مقالات لوالده الصحافي كامل مروة ( أغتيل سنة 1966 ) وهي بعنوان ” قلْ كلمتك وإمشِ) ،حيث يؤشر فيها على الإختلال الذي كان سائداً في زمانه ، منبهاً من المخاطر ومحذراً من التمادي وغض الطرف ، وداعياً إلى الإصلاح وتدارك الأمور قبل فوات الأوان .
ولكن لا حياة لمَن تنادي في لبنان ، فالنظام ولاّد أزمات وعاقر عن إنجاب الحلول .
وما دام وَهَم الخوف والغبن ماثلاً سيظل إتفاق الطائف ، وبعد أن تخطى الخامسة والثلاثين ، أغنية يغنيها الرعاة في براري الوطن والزمن .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى