سياسةمحليات لبنانية

قراءة في استقالة الحكومة واثرها على طبيعة النظام السياسي اللبناني


عصام نعمة إسماعيل
استاذ القانون الدستوري في الجامعة اللبنانية

وضع الدستور اللبناني الحكومةَ في عينِ مجلس النواب، فهي لا تتألف إلا بعد استشارات نيابية ملزمة (المادتان 53 و64 من الدستور) ولا تبدأ بممارسة أعمالها إلا بالمعنى الضيِّق لتصريف الأعمال إلا بعد نيلها الثقة على أساس بيانها الوزاري (المادة 64 من الدستور)، ثمَّ لا تسطيع أن تكمل مهامها عند نزع الثقة منها في مجلس النواب (المادة 69 من الدستور)، وأثناء مباشرة مهامها فهي تخضع دائماً للرقابة البرلمانية وحق طرح الثقة بأي وزير هو حق مطلق لكل نائب (المادة 37 من الدستور) وعندما تحجب الثقة عن الوزير وجب عليه أن يستقيل (المادة 68 من الدستور)، بل وللنواب اتهام الوزراء بالإخلال بواجباتهم الوظيفية وطلب محاكمتهم أمام المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء (المادة 70 من الدستور).
أن هذه الإحاطة لمجلس النواب بالحكومة من تشكيلها إلى إقالتها أو اعتبارها مستقيلة، لم نكن نعتقد أنها تخرج عن ضوابط النظام البرلماني القائم على العلاقة المتوازنة والمتعاونة بين مجلس النواب والحكومة  (الفقرة هـ من مقدمة الدستور) إلى أن ظهرت  الأزمة الدستورية الأخيرة والتي انتهت باستقالة سريعة وحاسمة للحكومة. 
وفي الوقائع أنه بتاريخ 9 آب 2020 دعا رئيس الحكومة اللبنانية، إلى تقصير ولاية مجلس النواب الحالي وإجراء انتخابات نيابية مبكرة للخروج من الأزمة التي يمر بها لبنان، والتي تفاقمت بعد حادثة الانفجار الهائل الذي دمر مرفأ بيروت. في اليوم التالي أي بتاريخ 10 آب 2020  أعلن رئيس مجلس النواب عن جلسات مفتوحة للمجلس النيابي ابتداءً من  13 اب 2020 في قصر الاونيسكو لمناقشة الحكومة على الجريمة المتمادية التي لحقت بالعاصمة والشعب وتجاهلها .في ذات اليوم أي مساء 10 آب 2020 اعلن رئيس مجلس الوزراء استقالة الحكومة،  وفي جلسة مجلس النواب تاريخ 13 آب 2020  أشار رئيس مجلس النواب أنه كان هناك مؤامرة على مجلس النواب من خلال محاولة الدفع باتجاه أن الحكومة تحاسب المجلس وليس العكس.

حسمت هذه الوقائع مسألة أنه وفق الدستور اللبناني الجديد، فإن الحكومة في لبنان لا تصلح إلا أن تكون صورة مصغّرة عن مجلس النواب، وأن تضمّ وزراء يمثّلون القوى السياسية التي لها كتل في المجلس. كما أظهرت هذه الواقعة استحالة إقدام  الحكومة يوماً على حلّ مجلس النواب، حيث ورد في المادة 55 من الدستور أنه يعود لرئيس الجمهورية، في الحالات المنصوص عنها في المادتين 65 و 77 من هذا الدستور، الطلب إلى مجلس الوزراء حل مجلس النواب قبل انتهاء عهد النيابة.
وبالعودة إلى المادتين المذكورتين فإن أسباب حل مجلس النواب  هي في حال ما إذا امتنع مجلس النواب، لغير أسباب قاهرة، عن الاجتماع طوال عقد عادي أو طوال عقدين استثنائيين متواليين لا تقل مدة كل منهما عن الشهر أو في حال رده الموازنة برمتها بقصد شل يد الحكومة عن العمل. والسبب الثالث إذا أصر مجلس النواب  بأكثرية ثلاثة أرباع مجموع أعضائه (96 نائباً) على تعديل الدستور والحكومة ممتنعة فلرئيس الجمهورية حينئذٍ أما اجابة المجلس إلى رغبته أو الطلب من مجلس الوزراء حله.
إن مجرّد طرح رئيس الحكومة فكرة تقصير ولاية مجلس النواب، وهو طرح لا يرقى لمرتبة التقرير لأن القرار هو بيد مجلس النواب (هذا لو كان هذا الطرح دستورياَ)، قد استتبع رداً حاسماً باتاً بإجبار الحكومة على الاستقالة ، فكيف يمكن بعد الآن مجرد التفكير أن أي حكومة يمكنها  الوقوف في وجه الرغبة النيابية  بعدم عقد جلسات أو برد الموازنة أو باقتراح تعديل الدستور.
هي واقعة تؤشر على أن نظامنا السياسي يبتعد عن البرلمانية ليقترب من النظم المجلسية.


 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى