سياسةمحليات لبنانية

في زمن الصعاليك: آخ يا بلدنا!

   
الصعاليك جمع صعلوك ومعناه إنسان فقير لا مال له ، العبثي المتسكع الهامشي ، ويعرف شعبياً بجسمه النحيل القصير ، ومن تصرفاته المتقلبة وحياته العبثية، والصعاليك هم جماعة من الفقراء اللصوص ، شواذ العرب ، انتشروا في الجزيرة العربية و خرجوا عن طاعة رؤساء قبائلهم ولم يخضعوا للأعراف القبلية بل تمرّدوا عليها ، ولم يتقيدوا بالتزام القبيلة أو تحالفاتها لقبائل أخرى أو تعرض القبيلة لأخطار جسيمةجسيمة.  ولقد وردت عبارة الصعلوك في قصائد بعض شعراء الجاهلية والرواة الذين عاصروا العهد العباسي ، ونحن الآن مع بداية القرن 21 نعيش في لبنان مرحلة إسمها زمن الصعاليك . إنها مرحلة عصيبة حرجة سياسياً ومتفشية فرزاً إجتماعياً لم يشهده تاريخ هذا الوطن الصغير بجغرافيته ، الكبير بابنائه ، المخلـد مجده كرامة وإباء . فمنذ يوم إستقلاله وإطلاله على الخارطة الدولية قبل 70 عاماً ، عاصر أزمات شتى وتوالت عليه حروب أهلية متنوعة ،  أدت لنشوء مكونات إجتماعية متناقضة في ما بينها ، أصبحت تعيش كل مكونة لنفسها فقط ، كأنها دويلة منفصلة بقراراتها عن الدولة العليـّة ، وتتعايش تلك الدويلات تحت دستور جمعها سوية، ومن النادر تطبيق بنوده وأحكامه المدنية ، وبالرغم من ذلك يتعايشون توافقياً ضمن سياسة حكم الطوائف المحاصصة واقتسام  الجبنة (6 و 6 مكرر) ، وجرّاء هذا العرف الشاذ السائد تكونت الزعامات الطائفية و المذهبية ، التي تمسك زمام قيادة حكم البلاد ومصير العباد . وبطبيعة الحال على جريرة الورد بيشرب العلـّيـق ، فقد ظهرت سلطة الأزلام والمحاسيب والمنـتـفعين والعبثيـيـن ، تماماً كما تنمو الطحالب في المياه الآسنة . من ذلك الوضع ولد زمن الصـعـالـيـك ، المنتشرين في كل الطبقات الإجتماعية والسياسية والحياتية ، وبدأنا نشهد أفول الطبقة الوسطى وإنعدام حس المواطنية والإهتمام بالشأن العام، وبالتالي إنحسار هيبة رجال الدين عن دورهم الإنساني الإيماني، حتى أيضاً تقاعس المعنيـين بإدارة الحكم …
… دعونا نأخذ نماذج من هؤلاء الصعاليك المتفردين بحياتنا اليومية ، يتلاعبون ببلدنا كأنها ملهاة عبثية ، حارقة عمرنا ومشلولة قدراتنا عن التطور والنمو كبشر !! مثلاً في ساسة الوطن ، نرى رجالاً أسقطت علينا فجأة أو فرضت عنوة لكي تدير أمور وقضايا الناس كما يحلو لهم ! ، وحينما يدخلون سدة البرلمان النيابي ، يتصرفون بغباء ، يتلونون كالحرباء ويتحدثون عن الشر والبلاء ،مع أنهم ممثلو الشعب لأجل تصويب مساره وتنمية أرضه وتشريع القوانين له !.. ولكن للأسف هم مبرمجون ، يتحركون آلياً على الروموت كونترول : طفـّي ضـّوي ، أسكت ، إعترض، هاجم فلان إمدح فليتان ، وأكثرهم كنّا نجهل أسماءهم وسيرة حياتهم ، وفجأة طبْ غبْ يفـقس امامنا ويصبح نائباً مصعلكاً . برأينا هذا النائب معناه ( جمع نوائب أي نكبات الدهر) الذي يصبح لزقة أميركية بإمتياز ! مهمته أن يتلهى بمصيرنا ومعيشتنا اليومية ، شاغل بال حياتنا بتصريحاته الخنفشارية ، فارضاً نفسه على الإعلام بكل وسائله ، هذا المسؤول السياسي تحديـداً يجب أن نسمـّيه نائباً أو زعيماً صعلوكاً عبثياً بل متسكعاً سياسياً يشحذ  ويستعطي من الخارج لشيطنة وطنه و فرز مجتمعه !
… أما في الصحافة والإعلام فحدث ولا حرج . يتواجد  الصعاليك بكثرة هائلة ، إنهم ناشرو الفرز الإجتماعي والفراغ الفكري والبلاء السياسي والفساد الأخلاقي والعبث الفني ، طفيليون دخلاء على السلطة الرابعة ، شوّهوا دورها وريادتها ، أفسدوا صدقيتها ومناقبيتها ، أذلوا سمـّوها و رفعتها ، أباحوا فيها كل المحرمات المتاحة ، جرّدوها من أمانتها وأخلاقيتها المهنية ، بل جعلوها متراساً لمآرب سياسية أو شخصانية مقيتة ، بدأ البلاء في زمن الصحف الصفراء ، ثم إنتشر الفيروس العبثي هذا إلى إذاعات إف إم القليلة المرخصة قانونياً والكثيرة الفلتانة على غاربها في الهواء بدون ترخيص بالمناطق اللبنانية ، ثم إنتقل أيضاً إلى القنوات الفضائية الخاصة ( نايل سات 700 محطة، وعرب سات 800 محطة ) معظمها تعمل مخابراتياً دولياً لأهداف تدميرية عبثية وملهاة الشعوب وأداة تقسيمية بنوايا مبيتة لأجل تفتيت وشرذمة وطننا العربي الأبيّ بشعبه وكرامته وعزّته ،.. وقد جاءت مؤخراً وليس آخراً المواقع والصحف الإلكترونية للتواصل الإجتماعي . ظهر القليل جداً منها الصالحة والمفيدة الشاملة المواضيع ، والمراعية للضوابط الأخلاقية المجرّدة من الغايات الفردية والمحسوبية والتبعية وما يليها من بليـّة  ، فهنالك البعض من يحملون بطاقة صحفية لإعلام رسمي أو خاص لوسيلة إعلامية ما ، و"يتصعلكون " بأدائهم العبثي ، أو من لديهم موقع إلكتروني خاص ، فيتصرفون  بغباء مهني حيناً وإدعاء فارغ أحياناً كثيرة ، لا يفقهون من الحدث أو الخبر الصحفي سوى تضييع العمر بنسخ ونقل الأخبار والأحداث أو بكتابة تفاهات لا تمت للإعلام بصلة، يسرحون وعلى مزاجيتهم يعملون ، يصنفون الناس ويغربلون كما يشاؤون وقد غفلوا أن ( من غربل الناس نـخـّلوه !! ) تلك الإذاعات والصحف و المواقع " المتصعلكة "، هؤلاء الصحفيون المتسكعون العبثيون يجب أن نسميهم صعاليك إعلامية آخر زمن ! .. أما المتطفلون على أصالة الأدب والمعروفون بصعاليك الشعـر والفن ، فــللحديث تـتـمة !! .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى