العالم العربيسياسة

في الحرب ضدّ وباء كورونا:الأشكال المستجدّة لجرائم الأمن القومي

  

الهاشمي نويرة- تونس

  .. وأنا أجوب شارع بورقيبة أمس صباحًا شدّني مشهدُ تجمّع عملة أحد النزل العريقة في الشارع الكبير .. وقفت لأستجلي الأمر وتابعت تبادل كلام بين رجال الأمن الذين يسهرون على إحترام قرار الحجر الصحّي العام وعملة النزل المذكور الذين ضاقت بهم سُبل الحياة واستحالت لديهم القدرة على مواجهة متطلّباتها اليومية حتّى في الحدودالدنيا .
  وبحسب المعلومات التي يعرفها القاصي والداني فإنّ هذا الوضع يكاد يكون الشّيء الأعدل قسمة بين عموم المواطنين الذين ينتمون إلى الفئات الضعيفة والمتوسّطة ممّن لم تمكّنهم ظروف الحياة من توفير وسائل تلبية حاجياتهم زمن الأزمات كَمِثْلِ ما نعيشه بمناسبة وباء كورونا .
  وحالة المؤسّسة الإقتصادية ليست بأفضل من حال المواطنين ، إذ أنّ توقّف الإنتاج بالنسبة للمؤسّسات الصغرى والمتوسّطة أعاق ويُعيق لا فقط صَرْفَ رواتب العاملين فيها وإنّما وبالخصوص فهو قد يجعل من إمكانية عودة الحياة الطبيعية لهذه المؤسّسات بعد زوال هذه الكارثة الصحّية صعبة للغاية ومستحيلة عند بعض هذه المؤسّسات .
  كذلك حالُ الدولة التي تعيش بطبعها وقبل هذه الجائحة شحّ الموارد وضيق ذات اليد وهي التي أخذت بمناسبة هذه الجائحة قرارات إستباقية ذات طابع صحّي واقتصادي أغلبها على درجة من الصواب ولكنّها لا تمتلك للأسف وسائل وأدوات تنفيذ هذه القرارات وهذه السياسة نظرا لصعوبة إيجاد التمويلات الضرورية لإكساب قراراتها وسياستها نجاعة وجدوى حتّى تتجاوز تونس هذه الأزمة بسلام .
  إنّ تونس تعيش لحظة فارقة تكثّف جدلية الموت والحياة التي أخذت معنى واحدًا وموحّدا ونعتقد أن هناك رغبة صادقة من الجميع في البحث عن سبيل الخلاص بإستثناء بعض من فقد الصواب لأسبابٍ سياسية وأيديولوجية ومرضية في أحيانٍ عدّة .
وهذه المرحلة تستوجب من المواطن ترشيد الإستهلاك والطلبات ومن الدولة ترشيد الوعود والخطاب والفِعْلِ السياسيين والإيفاء  بالوعود متى قُطِعَتْ.
وإنّ ترشيد الفعل والخطاب السياسيين هو الآن مسألة أمن قومي بكلّ المقاييس والمعاني لأنّ المغالاة والمغالطات في الخطاب وفي السياسة وفي الفعل السياسي  هي من الجرائم التي تهدّد الأمن القومي لأنّها تضرب الإستقرار المجتمعي وترفع من درجة الإحتقان الإجتماعي والسياسي فتتحوّل وجهة الحرب المقدّسة من أجل الحياة إلى أشكالِ تطاحنٍ إجتماعية وسياسية ثانوية من شأنها أنّ تزيد في هشاشة الدولة والمجتمع فيتداعى نظام المناعة فيهما فيُصبحا فريسة للموت الآني بفِعْلِ كورونا والموت المؤجّل بدافع الجوع والتطاحن بين فئات المجتمع وبين المجتمع والدولة .
  ومن الضروري التأكيد على أنّ جرائم الأمن القومي التي لها علاقة بالخطاب وبالفعل السياسي بدأت تتراكم في مختلف مناحي الدولة والمجتمع .
  فالإحتكار واستغلال وتوظيف هذه الأزمة الصحّية جريمة أمن قومي
والمغالات في الطلب الذي يفوق الحاجة والحقد على الآخر جرّاء ما له هو كذلك من جرائم الأمن القومي تمامًا كغياب التضامن مع الآخر
ومن جرائم الأمن القومي الخطابات والسياسات الشعبوية بسبب أنّها تُعطي للعامّة والخاصّة آمالا كاذبة ووهمية وطوباوية مستحيلة التحقيق فضلًا عن كونها تزيد في حالة الإحتقان السياسي والإجتماعي وتحوّل وجهة الإهتمام إلى مسائل ثانوية وحتّى عرضية
ومن جرائم الأمن القومي في زمن الكورونا التطاحن بَدَلَ التآلف والأنانية بَدَلَ التضامن والكذب بَدَلَ الصّدق وقد يكون الغباء في زمن الكورونا وفي كلّ الأزمان هو كذلك من جرائم الأمن القومي
  ويقف المرء عاجزا أمام توصيف بعض الأفعال السياسية كأنْ نعوّض العِلْمَ بالشّعوذة أو أن نتقمّص أدْوارًا من الماضي ونحاول إسقاطها على الحاضر ، فهل أنّ هذه السياسات والأفعال هي من قبيل جرائم الأمن القومي أم تُراها من الحالات المرضية التي يكون مرجعها عِلْمَ النفس التحليلي والمختصّين في الأمراض النفسية .
وبما أنّنا في عهد الكورونا نكتب فقط لأولى الأمْرِ مِنّا فإنّنا نقول :
"سيّدي" رئيس الحكومة ، دَعْ عنك بعض ما علق في ذهنك من رغبة في الثّأر وفي إثبات الذات وفي تقمّص دور "الثائر" ،
إنّ "الثورة" التي تتناقض مع الحياة ، في زمن الكورونا أو في كلّ الأزمان هي من جرائم الأمن القومي
وإنّ السلطة هي بين يديك فلا تجعلها وبالًا عليك وعلى المواطن واترك ولو لحينٍ بعض من هم حواليك ممّن يعيشون على وَقْعِ الماضي وعلى وَقْعِ "ثورة" لن تأتي أبدا ، وإن هي جاءت فستكون  تسونامي يعصف بالجميع
"سيّدي" رئيس البرلمان ، إنّ كورونا تضع بين يديك ورقة رابحة وفرصة لا تعوّض كي تثوب إلى رشدك الوطني أو تضع قدما في اتّجاهه فتترك الحُلْمَ الماضوي الذي كان وبالا على تونس وعلى محيطها الإقليمي والدولي ،
وإنّ الهداية في عهد الكورونا ثوابها ينفع الناس في الدنيا وفي الآخرة تعزّز منزلة الفرد عند خالقه وتخلّد ذكره عند الناس
"سيّدي"رئيس الجمهورية "يا عُمَرْ" ،إنّ إستحضار الماضي شيءٌ مطلوب للإتّعاظ ولكنّه يصبح سلوكًا مرضيًا إذا كان لمجرّد التشبّه والتظاهر وتعويض العجز عن فِعٍلِ الشّيء بتقمّص شخصيات من الماضي خلّدها التاريخ لطبيعة مواقفها وعملها  ،
إنّ عمر ابن الخطّاب أو عمر ابن عبد العزيز أو غيرهم لم ينهلوا من الماضي وإنّما حفظ لهم  التاريخ مواقفهم وفعلهم لأنّهم كانوا أصحاب مواقف استباقية بمعنى "تقدّمية" إنّهم من رجالات الدول ،،
وإنّ رجل الدولة سيّدي الرئيس ما أنّ يظهر للعموم بقَوْلٍ أو بِفِعْلٍ إلّا ورأى فيه العامّة والخاصّة تجلّيا من تجلّيات الدولة وما أدراك من الدولة ،
إنّ رجل الدولة بما هو كذلك يخدم الصّالح العام من خلال رسم السياسات والتوجيه واتخاذ القرارات الصائبة والضرورية عند الإقتضاء وليس بِلَعِبِ دور العامّة أو بتقمّص رديءٍ لأدوار شخصيات من الماضي .

*الصحافة اليوم 07.04.2020

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى