منوعات

عصابة في منزلي(د.أحمد عياش)

بقلم د.أحمد عياش

قبل سنوات طويلة اجريت عملية جراحية صعبة اقعدتني في المنزل ،والزمتني التمدد على الفراش والتأوه من الالم .
قمت ذات ظهيرة بصعوبة بالغة عن السرير لقضاء حاجة، وإذ باطفالي الثلاثة ينتبهون لخطورة وقوفي وسيري البطيء جدّا ،ولتمسّكي بحافة السرير حينا و استنادي الى واجهة الخزانة ثم على قبضة الباب حينا آخر.
ركضوا باتجاهي لمساعدتي. طلب صغيرهم العنيد الذي لم يتجاوز الرابعة من عمره من الأكبر المدّعي معرفة ذي السبع سنوات، ان يبعد يده عن خاصرتي اليمنى حيث الجرح المضمّد ،فرفض الاكبر مؤكدا انه يسندني بلطف ليمنع سقوطي. غضب الصغير ودعمته البنت الوسطى بينهم لوجود غيرة دائنة من اخيها الاكبر، وصرخا به معاً متهمين اياه باحتمالات التسبب بخروج امعائي من بطني عبر الجرح الى الخارج، وبنيته قتلي بغبائه ما لم يحتمله الاكبر الذي يظن ان امور القيادة قد آلت اليه حكما بعد سقوطي كرب عائلة ونعتهما بالاحمقين الكسولين المتأثرين بمشاهد الرسوم المتحركة الكاذبة ،وبمحدودية ذكائهما كونهما ما زالا صغيرين رضيعين وأنه الأعلم منهما والاكبر سنّا ،لأن المعلمة علّمته ككبير عن جسد الانسان وعن الحياة في المدرسة، بينما هما ما زالا يرددان اغاني الصغار ما جعل الصغير والصغيرة يتركاني فوراً ويهجمان عليه ليدور عراك ثلاثي الابعاد مع صراخ وكلمات ناقدة شبه نابية بينهم، ومع تقاذف بالاحذية والكتب والمناشف المتوافرة في فناء المنزل المؤدي الى المرحاض.
انا العاجز عن الصراخ وعن الحركة السريعة والخائف من ضربة طائشة على جرحي تفقدني وعيي من الألم، والمضطر الى الوصول بأقصى سرعة الى المرحاض ،حاولت قدر الامكان التدخل كقوة ردع بينهم لمنع تطور الاشتباكات نحو الاسوأ لاستعمال الكبير مسطرة كبيرة كعصا ولاستخدام الاصغر سيفاً بلاستيكيا طويلا كاداة دفاع وهجوم بينما البنت كانت ترمي الاكبر بحبل كسوط.
لم يخطر ببالي غير ان اتظاهر بالسقوط على الارض لعلهم يندفعون نحوي لانقاذي شفقة ولعلهم يتجاوزون الصراع عمن يعلم اكثر عن سوء حالتي وعمن يعرف اكثر عن افضل طريقة لمساعدتي .
الا ان قضاء حاجتي الضاغطة منعتي من المناورة ففضلت الصمود والمثابرة حتى دخول المرحاض ونجحت.
نجحت في قضاء حاجتي والاشتباكات مستمرة في الخارج، وسقوط الاواني والكراسي المسموع ضجيجه بوضوح ينذر ان الخسائر صارت فادحة في البيت، هذا ناهيك عن احتمالات اذية بعضهم البعض .
لملمت قواي وعدت باتجاه السرير غير قادر على الكلام وعلى تأنيبهم خوفا من ارتفاع حدة الآلام. مشيت وسط الاشتباكات غير آبهين بحالتي ومستمرين باتهام بعضهم البعض بالتسبب بأذيتي وقتلي وموتي.
تمددت على السرير…تناولت الهاتف الخليوي،اتصلت بأمهم التي تشتري حاجيات للبيت.
ما ان سمعوا اتصالي بأمهم حتى توقفوا عن الاشتباكات وراحوا يعيدون الامور الى ما كانت عليه قبل العراك.
يخافون أمهم لانها تضربهم ان غضبت، ولا يقيمون لي وزنا لأنهم يعرفون اني من جماعة من يصرخ ولا يضرب الاطفال.
ينسون ضرب امهم لهم بعد دقائق ولا ينسون ضربتي الخفيفة جدا والنادرة ولو بعد سنوات.
انا الشعب المجروح المحتضر، وهي القوة الخارجية والدولة المالية العميقة ،واولادي عصابات الاحزاب والطوائف التي تستفيد من بقائي حيّاً وترثني بعد موتي انما بلطف وبمحبة وباحترام وحسب القانون والشرع والدين والاخلاق.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى