سياسةمحليات لبنانية

رشيد كرامي الذي عشت ردحا من زمانه..


تمر اليوم الذكرى الثانية والثلاثون على اغتيال رجل الدولة الرئيس رشيد كرامي الذي سقط في انفجار داخل مروحية عسكرية كانت تقله من طرابلس الى بيروت.مات رئيس وزراء لبنان الذي ملأ الدنيا وشغل الناس لعقود من الزمن .
عايشت رشيد كرامي في مهنتي عشر سنوات بالتمام والكمال ،بين العامين 1977 و1987 .كانت فترة قصيرة في عمر الزمن ،لكنها كانت غنية بالعبر والمعرفة ،تعلمت فيها كيف يكون رجل السياسة ،رجل الدولة،رجل المسؤولية.
بهدوئه المعهود وطرافته وظرفه المحبب ،كان منزله في البسطا التحتا يلم شملنا معظم الأيام ، سياسيين وصحافيين ومحبين ،خاصة عندما يكون خارج الحكم.
وأذكر في بدايات عملي الصحافي ان السمع كان أحد أهم ادوات المهنة،وكان البديل الوحيد لآلة التسجيل اليدوية التي لم تكن متوفرة او حتى معروفة ومتداولة،فكان على الواحد منا ان ينصت جيدا كي يسمع ما يدور حوله في المؤتمرات والمجالس السياسية والإعلامية، خاصة وأن عملية الاملاء الكتابي قد لا تكون مضمونة مئة بالمئة، إما بسبب سرعة المتحدث ،أو لأن المجالس الخاصة لا تستسيغ التدوين او التسجيل .حتى مع شيوع آلة التسجيل فإن هذه الآلة لم تستطع ان تحل بالكامل مكان الأذنين اللتين تستطيعان التقاط الاصوات من كل الاتجاهات.
وأذكر ان الرئيس رشيد كرامي كان ينزعج جدا في مجالسه الخاصة عندما يلمح صحافيا يحاول تدوين كلامه غير المعد للنشر.ومن طرائف تلك الايام ان مجلس الرئيس كرامي في منزله في البسطة التحتا في بيروت، كان واحدا من خمسة او ستة مجالس سياسية في البلد ،يلتقي فيها الساسة والصحافيون والاصدقاء ،وتدور الاحاديث المختلفة .وكان على الصحافي ان يستنسب من كلام هذا السياسي اوذاك ما يراه ملائما للصحيفة او الوكالة التي يعمل فيها.وذات يوم فاجأنا رحمه الله بالقول:"يا أخوان صرنا صباح كل يوم ننتظر ماذا يقول رشيد كرامي في الصحف المختلفة، فنلحظ كلاما في كل صحيفة مختلفا عن الأخرى.لذلك اتمنى عليكم الالتزام بتصريح موحد ندلي به في آخر الجلسة، خصوصا وان الكلام الذي نتداول به احيانا ليس كله للنشر ،وإلا سوف تجبروننا على الصمت بحيث "تطلع سلتكم فاضية".
ولأن شغف المهنة يفرض على كل صحافي التفرد لمطبوعته بكلام خاص ومختلف عن المطبوعة الأخرى،التزمنا بالتصريح المشترك مع الإضافات الخاصة التي كنا نلتقطها من خلال الاحاديث الخاصة غير المعدة للنشر،وننشرها تحت مسميات "مصادر"و "أوساط" و"مقربون من" وغير ذلك من التعابير الشائعة في الصحافة عندما يُقصد تجهيل الفاعل.
لا أذكر أنني زرت طرابلس مرة من دون أن أعرج على الرئيس الراحل في مكتبه في كرم القلة ،وأشهد أن الرشيد كان رجل الشعب ،ولم تعرف عاصمة الشمال سياسيا أحبه الناس كما أحبوا رشيد كرامي.كان زعيم طرابلس بلا منازع.فهو ابن الزعيم عبد الحميد كرامي ،المفتي ورئيس الوزراء ورجل الدولة.ولم يرث الرشيد الزعامة فحسب ،بل ورث الاخلاق الحميدة والحنكة والدماثة والظرف ،وأضاف اليها من عندياته الكثير.
في البرلمان لم يكن رشيد كرامي مجرد حرف نيابي ،سواء كان رئيسا للوزراء أو وزيرا أو نائبا معارضا.كان يضفي على جلسات المجلس حضورا مميزا ،يفتقد اذا غاب ،بل تفقد الجلسة النيابية رونقها اذا غاب عنها رشيد كرامي.
مشهورة هي الطرفة التي شهدت وقائعها في إحدى جلسات المجلس النيابي.كان رشيد كرامي في صف المعارضة يلقي كلمته في حضرة رئيس الوزراء صائب سلام ،فتقصد ربما (أو سهوا)رفع المنصوب على غرار (إن الموازنةُ يا دولة الرئيس…).وهنا قاطعه الرئيس سلام قائلا:إن الموازنةَ يا رشيد..منصوبة منصوبة).وهنا رد رشيد كرامي بظرفه المعهود:"هل رأيتم أيها الزملاء..أنا أحب الرفع ،ودولة الرئيس يحب النصب".. وعلا الضحك والتصفيق في المجلس طويلا على هذه الطرفة.
كان رشيد كرامي رجلا حريصا على المال العام ،ولذلك كان في معظم الأحيان يفضل حقيبة وزارة المال ،حتى وهو رئيس للوزراء ،فتكون حسابات الدولة ومصاريفها آمنة مطمئنة بين يديه.
لم يكن رشيد كرامي رجلا وطنيا فحسب ،بل كان قوميا عربيا حتى العظم.كانت فلسطين بالنسبة اليه قضية مقدسة،وكذلك كانت إسرائيل شرا مطلقا لا مهادنة معها ولا صلح ولا اعتراف.تستطيع أن تستفزه في أي موقف من دون أن يرف له جفن ،الا مع إسرائيل فإنه يذهب الى حد الانفعال.أذكر ذات يوم كنت والزميلة منى سكرية نجري معه حوارا لمجلة "الشراع" في مكتبه بطرابلس .سألتُه لماذا لا ترسلون الجيش الى الجنوب،فرد مقدما المبررات .لكن الزميلة منى وبنية طيبة قالت :"لكن يا دولة الرئيس إسرائيل أيضا تقدم مثل هذه المبررات"…صمت الرئيس كرامي لنحو نصف دقيقة وسيطر جو من الوجوم على الجلسة ،ثم التفت إليّ قائلا: نكتفي بهذا القدر من الحوار..عندي موعد ضروري!! 
كنت في عداد الوفد الإعلامي الرسمي الى مؤتمر الحوار الوطني في جنيف عام 1983 ،وكان رشيد كرامي أحد أقطاب هذا المؤتمر.دخلت عليه في جناحه ذات ليلة قبيل منتصف الليل وهو يتناول طعام العشاء.قلت أريد حديثا قصيرا عن جلسة اليوم للإذاعة والتلفزيون الرسميين يا دولة الرئيس.
قال :"ألا يحتمل الأمر الى ما بعد تناول الطعام"؟ .
قلت :لا يا دولة الرئيس ..نشرة منتصف الليل بعد قليل..
قال: "ربما معك حق..عندما تمتلىء البطون تضيع العقول".
ثم توقف عن الطعام وأعطاني الحديث..
يستحق رشيد كرامي كتابا كاملا .فهو تاريخ بحد ذاته.وأنا فخور أنني عشت ردحا من زمانه..
رحم الله الرشيد وأسكنه فسيح جنانه.
                                       بيروت في 1 حزيرا 2019

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى