إستثمار و أسواقإقتصاد

رابحون وخاسرون من سياسة الدعم:الحل في تحرير السوق ورفع الأجور قبل تدمير الاقتصاد(عماد عكوش)

كتب د.عماد عكوش

ابلغ حاكم مصرف لبنان رياض سلامة منذ أكثر من ستة أشهر الجميع بأن أموال الدعم تنتهي في أواخر أيار وما بعد الأول من حزيران لن يكون كما قبله ، إذ أعلم كل من التقاهم ،ومنهم رئيس مجلس النواب نبيه بري، أنّ الاحتياطات بالعملات الاجنبية المخصصة للدعم تنتهي في أواخر أيار المقبل ، ولن يعود في إمكان المصرف المركزي الاستمرار بسياسة الدعم الحالية .

كما أكد الحاكم لرئاسة الحكومة ايضا ، رفضه المطلق المساس بالاحتياط الالزامي ، ما يحتم على الحكومة الاسراع ، وبما تبقى من وقت ضيق ، في العمل على وضع استراتيجية جديدة تقوم على ترشيدٍ قاسٍ للدعم قد لا ينجو منه سوى الدواء وبعض المواد الغذائيّة الضروريّة .

مع كل ما تقدم، وليس من باب أبراء الحاكم، لم تقدم الحكومة اللبنانية أي خطوة لمواجهة المخاطر المحدقة بالمجتمع اللبناني، والخطيئة الكبرى كانت بالأستمرار في سياسة الدعم وهي السياسة التي سنّها مصرف لبنان منذ بداية الأزمة، والتي أدت الى خسارة ما لا يقل عن عشرة مليارات دولار كان يمكن أستخدامها في بناء بنية تحتية جديدة للبنان من كهرباء ، مياه ، سكة حديد ، باص النقل السريع .

 أما بالنسبة لأهم الخسائر الناتجة عن هذا الدعم فيمكن أيجازها بالتالي :

  • مصرف لبنان :

لقد خسر مصرف لبنان أكثر من عشرة مليارات دولار من أحتياطه الموجود لديه ، وتحمل نتيجة لتخليه عن هذا الإحتياطي أكثر من 90 بالمئة من قيمتها الحقيقية كخسائر قطع ،أي حوالي 171 الف مليار ليرة لبنانية ، فإذا علمنا أن قيمة واردات الدولة سنة 2020 بلغت حوالي 13 الف مليار ليرة لبنانية، يكون مصرف لبنان أنفق ما يعادل حوالي 13.15 ضعف من الواردات السنوية ، أي أنفق في خلال سنة ونصف ما يمكن للدولة ان تنفقه خلال 13.15 سنة .

  • القطاع الصناعي :

القطاع الصناعي هو من أكبر الخاسرين في سياسة الدعم المعتمد ، حيث أن المادة الأساسية المستعملة في الإنتاج في غياب مؤسسة كهرباء لبنان هو مادة المازوت ،وهذه المادة باعتماد سياسة الدعم هي مادة مفقودة، وعملية الحصول عليها مكلف بالنسبة لأصحاب هذه المصانع ، في المقابل عملية تخزين المازوت من قبل هذه المصانع لحاجاتها تمت ملاحقته من قبل الأجهزة الأمنية على أعتبار أنه لا يمكن لأي مصنع أن يخزن هذه المادة لفترة تزيد عن شهر واحد ، وأن أضطرار المصانع لشراء هذه المادة من السوق السوداء بقيمة تزيد عن قيمتها الفعلية في الأسواق العالمية ضاعف من الكلفة ، وفي بعض الأحيان أقفال الكثير من المصانع لعدم توافر هذه المادة الحيوية ، كل ذلك دفع مؤخرا جمعية الصناعيين ألى أستخدام ما سمح لها القانون به، وهو الأستيراد المباشر لمادة المازوت ، فقام بالإتفاق مع شركتين للقيام بهذه المهمة وطلب من الصناعيين تسجيل أسمائهم للإستفادة من هذا الإستيراد المباشر .

القطاع الزراعي :

يعتمد القطاع الزراعي على مادة المازوت في عدة نشاطات منها عمليات ري المزروعات ،وعدم توفر هذه المادة يهدد المزروعات بالجفاف وبالتالي القضاء على المواسم الزراعية بشكل كامل . كما يدخل في عمليات النقل وخاصة النقل الكبير ، فقدان هذه المادة الحيوية ما أضر بشكل كبير بالزراعة ولا زال يضر بها ، وبرأيي يجب أصدار قانون خاص للمزارعين كما تم إصدار قانون خاص للصناعيين ولو بشكل مؤقت ، هذا القانون سيريح الزراعيين ويخفض الكلفة ويحمي الزراعة من الجفاف والضرر الكبير .

  • القطاع السياحي :

لقد ضرب غياب التيارمن مؤسسة كهرباء لبنان بشكل شبه كامل، والذي ترافق مع فقدان مادة المازوت من الأسواق ، ضرب موسم السياحة في أخر الصيف والذي دفع الكثير من السياح والمغتربين الى المغادرة باكرا قبل نهاية الموسم بسبب التقنين الكبير الذي طبقته معظم الفنادق ، المطاعم ، والمنتجعات السياحية ، ما أدى الى أضرار كبيرة في الموسم السياحي وفي سمعة السياحة اللبنانية وأفقد لبنان مورد عملات صعبة كبيرة جدا ، وهذا الأمر لا يمكن معالجته ألا من خلال توفير مصادر الطاقة بشكل كامل، وهذا لن يحصل بسياسة الدعم التي لا زالت معتمدة لغاية اليوم ، وفي ظل ضعف أجهزة الرقابة الرسمية التي يمكن أن تمنع الأحتكار والسوق السوداء .

  • القطاع التعليمي :

الكارثة هو ما ينتظر قطاع التعليم في ظل عدم وجود الكهرباء وفي ظل فقدان المحروقات من بنزين ومازوت ، فالبنزين مهم وضروري لعملية تنقل الأساتذة وأداريي المدارس والجامعات ، والمازوت لتأمين الأنارة والتدفئة خلال موسم الشتاء ، هذا الواقع أذا لم يتم العمل على حله خلال الشهر المقبل، فمن المستحيل فتح المدارس وبشكل حضوري كما طالب وزير التربية في آخر مؤتمر صحفي له ، والوقت يمر بسرعة والحلول لا زالت بعيدة .

القطاع الأستشفائي :

يمر القطاع الأستشفائي بمرحلة حرجة ، فالمستشفيات يتهددها أمران ، الأول هو عدم توفر الطاقة الكهربائية سواء من مصدرها الطبيعي وهو مؤسسة كهرباء لبنان ، أو من المصادر البديلة أي المولدات لعدم توفر مادة المازوت في الأسواق ، ما يتهدد استمرار عمل هذه المؤسسات ،ويمكن أن يؤدي ذلك الى توقفها بشكل شامل وكامل .

أما الأمر الثاني فهو عدم قدرة الطاقم الطبي على الإلتحاق بمراكز عملهم بسبب عدم توفر مادة البنزين لسياراتهم ،ما سيؤدي الى تغيب هؤلاء، وبالتالي ستتوقف هذه المؤسسات عن تقديم الخدمات الطبية .

  • قطاع تجارة المواد الغذائية :

هذا القطاع سيتأثر بالتأكيد بفقدان مادة المحروقات وعدم توافرها عند الطلب واللجوء الى السوق السوداء لتأمين هذه المواد ما سيزيد من الكلفة على المواطن ، كما يمكن أن يؤدي الى فقدان الكثير من السلع والمنتجات ، وهذا سيؤدي الى تفلت الأسواق ، وانتشار السوق السوداء في كل السلع وليس المحروقات فقط.

  • قطاع النقل :

إن قطاع النقل اليوم يتخبط بشكل كبير نظرا لعدم أستقرار سعر المحروقات ، ولعدم إمكانية الحصول على هذه المحروقات بشكل منتظم ، واستهلاك يوم كامل في بعض الأحيان للحصول على تنكة بنزين مدعوم ، أو اللجوء الى السوق السوداء لشراء هذه المواد، ما سيؤدي بطبيعة الحال الى زيادة التعرفات بشكل عشوائي وفقا لإرادة السائقين دون أي تنسيق مع النقابات أو الوزارة المختصة .

ما هوالحل ؟

الحل الوحيد للخروج من هذه الأزمة اليوم هو الخروج من سياسة الدعم اليوم قبل الغد ، في المقابل العمل على زيادة الحد الأدنى للأجور الى ما يعادل 125 دولار أميريكي بسعر السوق، وفي نفس الوقت وبالتوازي مع رفع سعر الدولار الجمركي لتعزيز واردات الدولة ، على أن نبدأ بسعر 3900 ليرة ومن ثم رفعه بشكل تدريجي بالتوازي أيضا مع رفع الحد الأدنى للأجور مع تعزيز واردات الدولة ، على أن يتم تشكيل لجنة تقييم خاصة وتحصر عملها بدراسة الحد الأدنى للأجور مع زيادة سعر صرف الدولار الجمركي .

إن الأصرار على سياسة الدعم هو إصرار على انهيار كل القطاعات التي تحدثنا عنها سابقا، ولن تخفف من الطوابير وكان يمكن أن نستفيد من الواقع الحالي باعتماد سعر 12000 ليرة كسعر دعم في مرحلة أنتقالية يمكن أن تحدث فعل أيجابي في ما يحصل اليوم من إحتكار وتخزين ، لكن للأسف هذا لم يحصل وبالتالي سنعاني من نفس ما عانينا منه سابقا لناحية الطوابير والسوق السوداء وإن كان بنسبة أقل، ولكن ليس بكثير عما عانيناه سابقا” .

أما بالنسبة للرابحين ، فهؤلاء الرابحون يمكن أختصارهم بهذه الفئات :

  • شركات الأستيراد :

بالإطلاع على حجم الأستيراد للمحروقات (مليون دولار) عبر السنين الأربعة السابقة يتضح لنا ما يلي :

العام – أجمالي الأستيراد – مؤسسة كهرباء لبنان – مختلف

2017        4204                    1305              2899

2018        4066                    905               3161

2019        6534                    3243              3292

2020        3188                    956                2231

يتضح من الجدول السابق أن الكميات التي تم استيرادها خلال العام 2020 تعادل نصف ما تم استيراده خلال العام 2019 وأقل بنسبة 25 بالمئة عن العام 2018 وعام 2017 .

بالرغم من أنه حصل أنخفاض كبير في إنتاج كهرباء خلال العام 2020 ولاحقا عام 2021 إلا أن حجم استيراد المحروقات خلال العام 2020 والمستخدمة خارج مؤسسة كهرباء لبنان أنخفض بنسبة تزيد عن 32 بالمئة مقارنة بالمعام 2019 ،وبنسبة تزيد عن 29 بالمئة مقارنة بالعام 2018 وبنسبة تزيد عن 23 بالمئة مقارنة بالعام 2017 .

تجار الجملة :

هذا الإنخفاض يؤكد أن النقص في إمدادات السوق هو السبب الأساسي في فقدان هذه المواد ، يليها طبعا جشع التجار وتخزينهم لكميات كبيرة للإستفادة من فارق الأسعار عند رفع الدعم أو رفع الأسعار، وهذا ما بينتّه الأرقام والكميات التي تم ضبطها أثناء عمليات المداهمة والتي نفذتها الأجهزة الأمنية على كامل الأراضي اللبنانية .

  • بعض فئات السائقين :

 إن عملية الشراء المتكررة من قبل الكثير من السائقين وخاصة السائقين العموميين للإستفادة من فارق السعر، يحقق لهم أرباحا كبيرة تصل الى حدود المليون ليرة لبنانية يوميا من دون الحاجة الى العمل.

  • المهربون :

 يأتي في مؤخرة المستفيدين المهربون، والذي لا يمكن أن ننفيه لوجود فارق سعر كبير بين السوق اللبناني والسوق السوري ، وهذا ما كشفته بعض الأجهزة من خلال كشف بعض السيارات التي قامت بتعديل خزانات الوقود لديها لتستوعب كميات أكبر .

المؤسف أن الأجهزة الأمنية لم تستطع القيام بكامل وظيفتها لناحية معرفة كيف أستطاع هؤلاء المخزنون أن يحصلوا على هذه الكميات، ومن خلال أي من الشركات المستوردة أو المحطات التي تم التوزيع لها . فعملية الرقابة يجب أن تشمل شركات الإستيراد أيضا لمعرفة لمن تبيع هذه الشركات مخزوناتها وبالتأكيد هي تملك جداول بذلك ، وبالتالي من السهل معرفة من يشارك في هذه السوق ومن يقوم باحتكار هذه المواد ، ومعرفة من هم الذين يحققون هذه الأرباح الخيالية على ظهر المواطن والخزينة ، لكن من سيجرؤ على ذلك .

 في النهاية نقول لا يمكن الإستمرار بهذه السياسة القاتلة ،ولا بد من تحرير السوق خاصة أن الدولة لا تملك قدرة المراقبة والمتابعة والمحاسبة، وبالتالي من مصلحة المواطن والإقتصاد اليوم ووقف هذه السياسة، وإلا فإننا ذاهبون الى مزيد من التدمير الذاتي لاقتصادنا الوطني .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى