دولياتسياسة

خطر التقسيم يتهدد أوكرانيا(د.ماري ناصيف الدبس)

 

د. ماري ناصيف الدبس – الحوارنيوز

“بين إستراتيجية “الدرع الصاروخية” وإعادة ترسيم العالم”.. منذ ثماني سنوات كان هذا المقال الذي أعيد نشره اليوم للتذكير بما حذرنا منه يومها، والذي تنفذ مراحله النهائية اليوم، خاصة بعد التغيرات التي طرأت على النظام الأوكراني في العام 2010 بفعل التدخل السافر للولايات المتحدة الأميركية وألمانيا وغيرهما، وكذلك بسبب استمرار واشنطن في مآولاتها الهادفة إلى السيطرة الأحادية على العالم، هذه السيطرة التي لم ولن تستثني حلفاءها في الاتحاد الأوروبي.]

ماري ناصيف الدبس

 

(النداء – الجمعة 14 آذار 2014)

في الثاني عشر من أيلول 2008، أي بعد شهر على معركة المواجهة بين جورجيا المدعومة من حلف الناتو وروسيا، صرح الرئيس الروسي آنذاك ديمتري ميدفيديف أن “الثامن من آب، يوم شنت جورجيا هجومها على أوسيتيا الجنوبية، هو بالنسبة لروسيا أشبه بالحادي عشر من أيلول 2001 بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية. (…) وروسيا لن تتردد، إذا ما استفزت، في مهاجمة جورجيا مرّة ثانية، حتى وان كانت هذه الأخيرة في طريقها للانضمام الى حلف شمال الأطلسي، ذلك أن وضع جورجيا وأوكرانيا على المسار الرسمي لعضوية الحلف لن يحميهما في حال نشوب صراع جديد مع روسيا، وبالاقتراب أكثر من الحدود الروسية لن يصبح الحلف أكثر قوة”.          

في الثاني والعشرين من شباط الماضي، سقط الرئيس الأوكراني فيكتور يانوكوفيتش، القريب من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، اثر ما يقارب الثلاثة أشهر من الاضطرابات والمعارك التي أطلقتها بعض الأحزاب اليمينية والمجموعات النازية الجديدة ذات الصلة بالولايات المتحدة وببعض الدول النافذة في الاتحاد الأوروبي، ألمانيا على وجه الخصوص، تحت شعار الانضمام الى اتفاقية الشراكة بين الاتحاد وأوكرانيا التي دخلت، اليوم، مرحلة خطيرة جدا من تاريخها قد تؤدي بها الى التفتيت والشرذمة، كما جرت الحال بالنسبة لأكثر من بلد في أوروبا الشرقية.

يانوكوفيتش وتيموشينكو والثورة البرتقالية

ولكي نستطيع رؤية كامل صورة ما يجري في أوكرانيا اليوم، لا بد لنا من العودة أربع سنوات الى الوراء، وبالتحدي الى السابع والعشرين من شباط 2010. في ذلك اليوم، أعلن فيكتور يانوكوفيتش رئيسا لأوكرانيا بفوزه على يوليا تيموشينكو بنسبة تسعة وأربعين بالمائة من أصوات الناخبين.

سارع الاتحاد الأوروبي، يومها، الى الإعلان على لسان رئيس “الجمعية البرلمانية للأمن والتعاون في أوروبا” أن الانتخابات الرئاسية الأوكرانية كانت مثالا للديمقراطية، منبها الرافضين للنتائج –  وفي مقدمتهم مرشحته يوليا تيموشينكو التي حاولت الطعن في ما جرى – أن “على القيادات السياسية أن تسمع ما يريده الشعب”. فإدارة أوباما ومعها الاتحاد الأوروبي كانا على ثقة تامة أن وجود شخص مقرّب من روسيا على رأس أوكرانيا لا يمكن أن يغيّر من التوجه السياسي الذي أقرته ما سمي بالثورة البرتقالية في العام 2004، خاصة وأن أوكرانيا تعاني من أزمة اقتصادية حادة تجعلها بحاجة الى الانفتاح على الاتحاد الأوروبي طلبا للمساعدة، اضافة الى استحقاق جزء من دينها العام (13 مليار دولار) واضطرارها للاستعانة بصندوق النقد الدولي وفقا لشروطه التي أودت باقتصاد اليونان وغيرها من الدول الأوروبية…

اضافة الى كل ذلك أن يوليا تيموشينكو، إن عبر نسبة الأصوات التي نالتها في الانتخابات الرئاسية أم عبر بقائها في منصب رئاسة الوزراء لفترة تقارب خمس سنوات، قد أصبحت رقما صعبا في المعادلة الداخلية، على الصعيدين السياسي والاقتصادي خاصة، بما يمكنها من أن تشكّل ضمانة كافية لاستمرار أوكرانيا على طريق الثورة البرتقالية، إن لجهة توثيق العلاقة مع الدول الرأسمالية الغربية، وصولا الى الانضمام الى الاتحاد الأوروبي، أم لجهة التنسيق مع حلف شمال الأطلسي والإسهام في إستراتيجية الدرع الصاروخية التي تسعى واشنطن لنشرها في أوروبا والمنطقة العربية، بالتعاون بين اسرائيل والأردن، من أجل تشديد الحصار على روسيا.

إلا أن الأيام برهنت أن حساب الحقل لا ينطبق على حساب البيدر.

فبعد عام على الانتخابات الرئاسية، حكم على يوليا تيموشينكو بالسجن لمدة سبع سنوات بتهمة استخدام السلطة والنفوذ لمآرب شخصية، وبالتحديد عقد اتفاقية حول الغاز الروسي تفسح في المجال أمام شركة الغاز التي تمتلكها لجني أرباح طائلة. هذا الحكم شكّل الضربة الأولى للخطة المتبعة من أجل تشديد الخناق على روسيا مباشرة ومنعها، بالتالي، من متابعة محاولتها للمشاركة في إعادة اقتسام العالم بعد فشل النظام العالمي الأحادي الرأس، الذي نجم عن سقوط الاتحاد السوفياتي، من قيادة العالم لأكثر من عقدين… خاصة وأن روسيا استطاعت، عبر مجموعة دول “البريكس” ومعها بعض التحالفات الشرق أوسطية، أن تواجه تحالف الدول الرأسمالية السبع وأن تفرض شروطا في العديد من المجالات عليها، بدءا بمسألة وضع مشروع “خط ساوث ستروم” الروسي لنقل الغاز مباشرة الى أوروبا في مواجهة “خط نابوكو” الأميركي المفترض به أن يمر عبر تركيا ووصولا الى التنسيق الروسي – السوري – الإيراني في مجال إنتاج الطاقة وتوزيعها. ولا ننسى كذلك الصراع الأميركي – الروسي حول إيران وسوريا، وصولا الى الموقف من أفريقيا وأميركا اللاتينية.

العبث ضمن “الحدائق الخلفية”

هذه الصراعات كلها استفحلت في مرحلة السنوات الثلاث الماضية الى درجة كبيرة تحول معها العالم الى ساحات حرب تخضع لمنطق إعادة ترسيم الحدود وتنظيم أوضاع ما يسمى بالحدائق الخلفية للثنائية القطبية.

فالامبريالية، التي نجحت في وضع اليد على مناطق واسعة في القارة الأفريقية، بفعل الدور الذي لعبته القوة العسكرية المسماة “أفريكوم” في المناطق الصحراوية أو العدوان على ليبيا ومن بعده على مالي وجمهورية أفريقيا الوسطى، وقفت عاجزة أمام إجراء تعديلات جذرية في أميركا اللاتينية. كما شهدت الشركات الأميركية والأوروبية الغربية مزاحمة قوية، ليس فقط في مجال نقل الغاز الى الدول الأوروبية الغربية، كما أسلفنا، بل كذلك في مجال وضع اليد على الغاز المكتشف في الحوض الشرقي للبحر المتوسط… دون أن ننسى لما للدور الروسي في سوريا من تأثير على الوضع العام في المنطقة العربية والشرق أوسطية وما يمكن لروسيا أن تلعبه في حال استطاعت تنسيق العلاقة مع النظام الجديد الذي سينشأ عن الانتخابات الرئاسية المقبلة في مصر.

هذه القضايا السياسية والاقتصادية كانت في أساس خطة الطوارئ الهجومية التي أطلقتها الدول الامبريالية على أكثر من محور خلال الأشهر الستة الأخيرة من العام 2013 والأشهر الأولى من العام 2014 الحالي، بدءا بالسعي الى تطبيع العلاقات “النووية” مع إيران، مرورا بمشروع “الاتفاق – الإطار” حول فلسطين وكذلك بالهجمة الجديدة على فنزويلا، ووصولا الى التحرك “الانقلابي” في أوكرانيا.

وتجدر الإشارة أن المسألة الأخيرة هي الأخطر، كونها يمكن أن تشكل المدخل الى تأزيم التوتر الناشئ بين القوتين العظميين، خاصة على ضوء ما قاله الرئيس الروسي السابق ديمتري ميدفيديف في العام 2008 والذي يعود اليوم ليتأكد مع التصريحات التي أطلقها الرئيس الحالي فلاديمير بوتين بالنسبة لعدم السماح بنشر قواعد للدرع الصاروخية على حدود بلاده… وخاصة أن الأزمة الأوكرانية – كما تقول المصادر الروسية – هي من فعل تدخل أميركي – أوروبي معروف وموثّق، بدءا بانتشار صورة المرشح السابق للرئاسة الأميركية جون ماكين، في بداية أحداث أوكرانيا في أواخر العام الماضي، في ساحة “يورو مايدان” الى جانب بعض القياديين من النازيين الجدد ووصولا الى “زيارات” قام بها كل من وزيري خارجية كندا وألمانيا، دون إغفال الشرط الذي طرحه الاتحاد الأوروبي لتوقيع اتفاق الشراكة مع أوكرانيا والقاضي بإطلاق سراح يوليا تيموشينكو أو نسيان ما أعلنه وزير الدفاع الأمريكي، تشاك هاغل، حول عزم واشنطن مواصلة نشر عناصر منظومة الدرع الصاروخية في أوروبا على الرغم من الاتفاق مع إيران…

المصير المتوقّع لأوكرانيا: التقسيم؟

في ضوء كل ذلك، ما يلوح في الأفق يذكر بما جرى في يوغوسلافيا السابقة، أي التقسيم.

فمن جهة، تتابع واشنطن ومعها الاتحاد الأوروبي تهديداتهما بإنزال العقوبات بروسيا في حال استمرارها في التحضير للاستفتاء في شبه جزيرة القرم. وبالمقابل، تؤكد روسيا أن الاستفتاء سيحصل، مرفقة تأكيدها باستمرار التحركات العسكرية هناك امتدادا الى القسم الشرقي من أوكرانيا ، حيث تتواجد أكثرية روسية وصديقة لروسيا.

هل هذا يعني أن طبول الحرب بدأت تقرع؟

ربما. إلا أن الأكيد أن وحدة الدولة الأوكرانية هي المستهدفة؛ والملفت في هذا المجال أن كل القوى السياسية، خاصة تلك الموالية للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، قد دخلت في تلك الحلقة الضيقة.

وحده الحزب الشيوعي الأوكراني ركز على الخطر الداهم على وحدة البلاد وعلى أن ما يجري ليس أكثر من صراع، دموي هذه المرة، على السلطة بين مجموعتين لهما امتداداتهما الخارجية. وحده اقترح اللجوء الى الاستفتاء الشعبي كحل لما يجري. فهل سيستطيع إسماع صوته فبل فوات الأوان؟

ماري ناصيف – الدبس

 

تحالف الأحزاب التي استلمت السلطة في أوكرانيا

■ “حزب الوطن”، وترأسه يوليا تيموشينكو ومعها ألكسندر تورتشينوف (الرئيس المؤقت).

هذا الحزب عضو في “الحزب الشعبي الأوروبي”، اليميني، الذي يضم من بين أعضائه “حزب الديمقراطيين المسيحيين” الألماني الذي ترأسه أنجيلا ميركل. كما لهذا الحزب علاقة وطيدة مع جون ماكين.

■ “الجبهة من أجل التغيير”، ويرأسها رئيس الوزراء الجديد أرسيني لاتسينيوك.

■ “التحالف الديمقراطي الأوكراني من أجل الإصلاح”، ويرأسه فيتالي كليتشكو المدعو “رجل أنجيلا ميركل في كييف”. كما للحزب علاقات وطيدة مع القيادات السياسية في الولايات المتحدة الأميركية ومنها بالتحديد جون ماكين.

■ “حزب الحرية”، وهو حزب اليمين النازي الجديد، عيّن أحد قيادييه مدعيا عاما. هو حزب معاد للشيوعية، ارتكب جرائم عديدة بحق الشيوعيين خلال اندلاع موجة العنف في كييف وبعض المدن الأخرى.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى