رأي

تعددت التحليلات والسؤال واحد:هل تحتاج السعودية إلى حماية ؟ (أحمد حوماني)

 

د. أحمد موسى حوماني – الحوارنيوز

 

كثرت التحليلات السياسية والعسكرية بعد توقيع السعودية وتركيا وباكستان اتفاق الدفاع المشترك، فمنهم من رأى أن ذلك موجه ضد إيران باعتبار أن توقيت الاتفاق يأتي على وقع الحرب الأمريكية عليها، وما تعرضت له القواعد العسكرية الأمريكية في السعودية من تدمير من قبل إيران، فظهر أن هذه القواعد التي أقيمت لحماية السعودية عجزت عن حماية نفسها عند أول معركة حقيقية.

فيما البعض الآخر رأى أنها موجهة ضد أنصار الله في اليمن الذين استغلوا لحظة الضعف الأمريكية في المنطقة ليطالبوا السعودية بفك الحصار الخانق عليهم منذ سنوات – طبعاً بالاتفاق مع إيران التي أرسلت طائرتها المدنية لخرق هذا الحصار – فقامت القوات الجوية السعودية بقصف مطار صنعاء ما أدى إلى إعادة الهجمات والهجمات المضادة بينهم وبين السعودية، وأعلنوا إقفال مضيق باب المندب بوجه السفن وناقلات النفط السعودي.

ورأى آخرون أن هذا الاتفاق جاء بعد مراجعة السعودية لما جرى من أحداث خلال الحرب الأمريكية على إيران، حيث تبين سقوط نظرية الحماية الأمريكية للمنطقة من أساسها، فقررت السعودية تأمين مظلة حماية لها، ولم ترَ أفضل من تركيا وباكستان باعتبارهما دولتين إسلاميتين ولهما وزنهما السياسي والعسكري في منطقة غرب آسيا. وينقسم أصحاب هذا الرأي إلى قسمين: فمنهم من يقول أن هدف السعودية منه هو الوقوف بوجه إيران، فيما قسم آخر يرى أنه غير موجه ضد أحد لا إيران ولا أنصار الله في اليمن.

أما البعض الذي ينظر إلى الأمر نظرة مذهبية، فيرى أنه تحالف سني ضد إيران الشيعية وحلفائها في المنطقة. وفي رأينا أن كل ذلك  يدخل في حسابات القادة السعوديين، وبغض النظر عن الأهداف السعودية من وراء ذلك، فلا بد من الإشارة إلى عدة نقاط:

النقطة الأولى: أنه في حالات الدفاع المشترك كما هو هذا الاتفاق، فلم يحصل في التاريخ الحديث أن دولة ما قد شاركت بالحرب بناءً على معاهدة دفاع مشترك مع دولة ثانية. لقد أصبحت منظومة المصالح السياسية والاقتصادية في العالم متشابكة ومترابطة بحيث لا يمكن لأي دولة المشاركة في حرب مع دولة ثانية على دولة ثالثة. وأمثلة ذلك كثيرة فدول مجلس التعاون الخليجي ترتبط بمعاهدة دفاع مشترك ولم تُفعّل هذه المعاهدة بالرغم من كل ما حصل في الحرب الأمريكية على إيران، أو في حرب السعودية على أنصار الله في اليمن. كذلك بين الدول العربية جميعاً معاهدة دفاع مشترك عبر الجامعة العربية، ولم يحصل أن قاتلت دولة منهم دفاعاً عن أخرى. نعم يمكن للدول المساعدة اللوجيستية أو الاستخباراتية أو التدريبية، لكن القتال أمر آخر.

 

النقطة الثانية: تلجأ الدول في هذه الأيام إلى القتال عبر وكلاء أو حلفاء أو الفصائل العسكرية، كما تدعم السعودية بعض الفصائل في اليمن أو في سوريا أو في العراق، وكما تفعل إيران ذلك، أو كما تفعل أمريكا ذلك أيضاً، أو تركيا أو غيرهما في كل مناطق القتال الساخنة في العالم. لكن هذا لا يأتي عبر اتفاقات دفاع مشترك، بل عبر علاقات وتحالفات قد تُعتبر في كثير من الحالات غير شرعية بالمعنى القانوني الدولي. وما فعلته السعودية في هذا المجال لم يجلب لها الأمان سابقاً، بل زاد من أعدائها في المنطقة.

النقطة الثالثة: وهي الأهم فالجميع دولاً وأحزاباً وتنظيمات، تنظر إلى السعودية باعتبارها البقرة الحلوب في المنطقة، والكل يريد حصته منها عند تنفيذه أي خدمة سواء خدمة صغيرة أم كبيرة. وفي هذا الاتفاق واضح أن تركيا عينها على النفط السعودي وهو نقطة حاجتها، وباكستان عينها على المال السعودي الذي تسد به عجز موازنتها السنوية. وحتى في لبنان فإن كل من يسمون أنفسهم أصدقاء السعودية نظرتهم إليها نظرة المتسول للمال والأعمال وليس نظرة الصديق الصدوق.

النقطة الرابعة: لتركيا علاقات اقتصادية واسعة مع إيران، وحدود شاسعة، وبينهما نقاط مشتركة في موضوع الأمن خصوصاً ما يخص الأكراد خاصرة تركيا الأضعف. فهل تخاطر بعداء إيران وفتح حرب معها؟ أما باكستان فتنظر إلى إيران كسند لها، وعمق استراتيجي في مواجهة الهند. فهل تخاطر بفقدان حليف صدوق؟ إذاً العلاقات والمصالح الإيرانية التركية الباكستانية عميقة جداً، ولا نعتقد أن بإمكان السعودية فك تلك الروابط، واختيار كل منهما الحرب على إيران تنفيذاً لاتفاق مكة مع السعودية. فهذا الاتفاق هو أقرب إلى مظلة حماية نظرية منه إلى مشاركة في حروب عسكرية.

النقطة الخامسة: يشهد العالم على التغيير الذي أحدثه ولي العهد محمد بن سلمان في السعودية خلال العقد الأخير، خصوصاً تنفيذ رؤية السعودية 2030، وما أحدثته من قفزة إيجابية في النظرة إلى السعودية بشكل عام، وما حققته على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي. وهي وإن لم تحقق كل أهدافها إلا أن ما وصلت إليه حتى الآن مهم جداً، ويُبنى عليه لمستقبل أكثر تفاؤلاً وتقدماً.

بناءً على كل ما تقدم، فإن استكمال ولي العهد محمد بن سلمان لرؤية السعودية 2030 الاقتصادية والاجتماعية والإنمائية، يجب أن تواكبها رؤية متجددة للسعودية على الصعيد السياسي تواكب تطورات الأحداث الأخيرة في المنطقة:

أولاً: فتح صفحة جديدة مع الجميع، ونسيان كل تعقيدات المرحلة الماضية مع كل الأفرقاء.

ثانياً: السعي إلى تصفير مشاكل السعودية السياسية والعسكرية مع كل دول محيطها العربي والخليجي.

ثالثاً: إعادة التواصل مع كل الأطياف الحزبية والحركية وفتح آفاق التعاون المشترك في جميع القضايا السياسية والاجتماعية.

رابعاً: عودة السعودية لتكون الأب الأكبر، والمرجعية لكل أبناء المنطقة العربية.

خامساً: ابتعاد السعودية عن أي تحالفات مع طرف ضد طرف، وأن تكون على مسافة واحدة من الجميع.

لطالما كانت السعودية مملكة للخير، ليس الخير المالي كما يتمنى البعض، بل الخير بالمعنى العام. فإصلاح ذات البين خير، ولمّ الشمل العربي خير، ولعب دور الأخ العطوف والمحب للجميع خير، وإعادة تبني قضية العرب والمسلمين الأولى وهي القضية الفلسطينية بناءً على إعلان بيروت خير، ومساعدة المظلوم لاسترداد حقوقه خير، ورفع الصوت بوجه جرائم العدو الصهيوني في غزة والضفة ولبنان خير.

الحروب لن تجلب إلا القتل والدمار ومزيداً من الخسائر الاقتصادية والاجتماعية والمالية للجميع. السعودية ليست بحاجة إلى حماية أحد، السعودية كانت دوماً محمية بحب الناس لها، ودعائهم لها أن تعود كما عهدوها مملكة لكل خير.

 

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى