منوعات

تحوّلات العقل وتبدّلات المقدّس ووهم الحقيقة …

نتفهم جيداً عصر عقل الصيد والزراعة والعيش كمجموعات وتقديس الانسان لمكونات الطبيعة لدرجة عبادة الشمس والقمر والنور والظلام والماء والبرق ،لما لهذه العناصر من أهمية بالغة في حياةالانسان.
لا نحتج على العقل الديني في زمن كثرت فيه الأسئلة الوجودية والأسئلة عن الطبيعة والغازها ، في زمن كان لابدّ فيه ان يجيب الأذكى والمحنّك الأكبر عن أسئلة الموت وما بعد الحياة ما  اوجب تقديس الآلهة في السماء.وتقديس الفلاسفة على الارض.
مع ازدياد الكوارث الطبيعية و اضطرار المجموعات البشرية الى التوحد وفق ارتباطات عرقية او لغوية او لقرابة نسب  ما اثمر بدايات تشكيل نواة مشروع اقامة دولة من مهامها الدفاع والغزو وحلّ النزاعات ما دعا المجموعات تلك الى تقديس الزعيم والقائد الملهم الواهب للموت عبر عقاب والواهب للرخاء عبر منصب او مال.
ان التسوية التي حصلت بين تجمعات تلك المجموعات البشرية اي نواة تشكيل الدول ما كان الا لتجنب شرّ بعضها البعض ،أثمر فيما بعدعن ولادة فكرة الاوطان ليصبح الوطن مقدسا، يموت من اجله جنود الجيش ويرتعب الشعب عند سقوطه ،

الوطن فكرة وهمية مقدسة اضافية يستغلها تجار اذكياء جدا يسمونهم سياسيين اواقتصاديين او رجال دين او راسماليين .

عنداكتشاف الحركة عبر طاقة البخار وسيادة العقل البخاري على ما غيره من عقول متكاثرة ،صرخ الفيلسوف نيتشه فوراً متمردا قبل تقديس البخار:
مات الربّ.

لا نستغرب مع تطور العقل الانساني من عقل بخاري الى عقل صناعي وسيادة العملة والقوة عبر نواة مصرف و حكم المدفع ،ان تقدس الناس المحرّك الميكانيكي و وسائل انتاج المصنع وادواته وان تنتقل من التسليم بحركة الظواهر كمشيئة ما وراء الطبيعة الى مناقشة الظواهر فكريا ما جعل القبيلة والعشيرة  تتحوّل الى أحزاب فكرية لها رؤيتها الاقتصادية و قراءاتها النظرية لكيفية و جدوى استثمار العقل الميكانيكي و الاوتوماتيكي  ،ما عمّق الخلاف بين يمين رأسمالي متهوّر لا ينتج غير الحروب ويسار متأثر بالماركسية، حالم بالعدالة والمساواة والأممية و وسط سياسي تائه بين المنظومتين ، حصل هذا مع تراجع هيمنة العقل الديني الذي لم يستطع الاجابة على اسئلة ذكية طرحها واجاب عنها ولو جزئياً العقل الأوتوماتيكي الحديث.

اليوم يتأكد لنا ومع تطوّر العقل الى العقل الالكتروني والنانوي ان العقل البشري يميل الى تقديس نفسه،الرب هوالمقدّس الوحيد والمقدس هو العقل العلمي .

ربّ المرحلة القادمة هو العقل العلمي الالكتروني النانوي.

وقدطرح العقل المتطوّر تفسه بديلاً علمياً خارقا قادرا الى الوصول الى نهاية اللا نهائيات حيث يوجد الربّ القديم وذلك لتقديم كافة الاجابات على أسئلة الانسان الوجودية وطروحات الربّ السموح والقاهر بالموت وكأن العقل الانساني النانوي اللاواعي يودّ ان يثبت للرب  انه تمكن من سدّ ثغرة "يعلم ما لا يعلمون" لعلّ الربّ يغفر للانسان خطيئة جدّه الاول في الجنة ّليتقاعد الشيطان وليتخوّل ابليس لعاطل عن العمل بعدما كان رئيس مخابرات الربّ .

ما كلّ هذا التطوّر السريع للعقل الالكتروني الا محاولة لا واعية لموروث العقل الواعي الأوّل عندما وعى الانسان الاول وعيه،محاولة لا واعية  ليثبت للربّ ان ندمه على خلق الانسان ما كان في محلّه.

لا، لم يقل البابا فرنسيس ان لا وجود لجهنم وان آدم وحواء مجرد أساطير انما سيأتي يوماً بابا جديدا ويضطر ان يتحدث عن غياب  النار في الجحيم  كمواكبة طبيعية وحتمية و انتقالية من بقايا العقل الديني المتعثر نحو العقل الالكتروني -النانوي المتطور بسرعة مخيفة ليحافظ على ولاء المؤمنين .

ياتيك البعض اليوم و كمحاولة يائسة منهم للحفاظ على ديمومة العقل الغيبي الديني الى بعث القداسةفي اشخاص عاشوا في زمان  الكاميرا والمواقف الواضحة والبث المباشر والعالم كقرية كونية وتصوير الثقب الاسود نفسه، متجاهلين انهم يتوجهون الى عقل جيل الكتروني متطور جدا وخارق ما عاد يقتنع ببدائل السحر والسحرة والمعجزات اللامنطقية ولا يصدق الاساطير والحكايا الغيبية الخارجة عن المنطق العلمي السائد عالمياً بل يفضح عقل هذا الجيل الصاعد الكثير من ترهات العقل الديني وما شابهه من إدعاءات نظرية عبر ادوات التواصل الاجتماعي، الوريث الشرعي والعلمي لاحتكار انتشارالاعلام من راسماليين يحتضرون كرأسماليتهم المريضة و الميتة حتماً.

حتماً سيسود العقل العلمي المتطور ليقدس العقل نفسه بإمكانياته الخارقة وسيحنّ أحفادنا كثيرا وبألم  الى فكرة الجنة والنار والرب والشيطان ليتحدثوا عن زماننا هذا كزمن جميل وبريء و رائع.

وحده العقل الالكتروني النانوي سيحقق بطمعه وبأنانيته وبفرديته و بتناقضاته الحادة والخطيرة وبنزعته التدميرية المادية نحو الحروب وبغياب نسمات الروح والمحبة والغفران والتسامح، سيحقق مشيئة الله  بيوم القيامة عبر حرب هائلةلينتصر الربّ من جديد بتحقيق يوم القيامةولينتصر على ما اتت به كل العلوم والعقول مجتمعة  بل ولتبدو بدورها أيضا متخلفة لأجيال لن ترى النور لتعيد كتابة الحكاية ،حكايتنا من جديد.
"إنّا للله وإنّا اليه لراجعون"..أفلا تعقلون!

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى