من هنا نبدأ

الوقت لرجال دولة*(حسن علوش)

بقلم حسن علوش*

لم يعد امام اللبنانيين متسع من الوقت، انه وقت رجال الدولة.

لا اهمية في ان يكون الاختلاف بين رؤى المجموعات السياسية اللبنانية كبيرا او صغيرا، او ان تكون التباينات بسيطة او بلغت حد التناقض، اذا ما انتظمنا في دولة وقاد الحكم رجال دولة.

الدولة الحديثة، هي دولة قانون ومؤسسات، ولا يتناقض ذلك مع وجود احزاب لديها رؤى وبرامج واهداف سياسية، لا احزاب تعتاش على جسم النظام الطائفي، وعلاقتها الوجودية مرتبطة ببقاء نظام استنفد دوره بالكامل.

ان من يقود مثل هذه الدولة هم رجال دولة، ورجل الدولة هو الذي “يملك معرفة تؤهله للحكم ولادارة القوة السياسية في شكل يحقق العدل ويضع مصلحة المواطنين في الاعتبار. هو من يعرف انه يعمل لغيره لا لنفسه ،ويعي الحقوق التي يجب ان يؤديها لغيره والواجبات التي عليه ان يتحملها. هو ايضا من يعرف المظالم التي يكابدها الناس والانقسامات التي تفرقهم حتى يصححها فيقيم العدل ويحقق الانصاف، كما عرفتها شخصية افلاطون الافتراضية زينون”.

مرّ على الحكم في لبنان رجال دولة، من خارج احزاب النظام الطائفي، وتركوا بصمات وطنية مهمة في بناء الدولة، منهم فؤاد شهاب رائد المأسسة والقائل في خطاب القسم في العام 1958 “… ولا بد من ان يطمئن المواطن الى تجرد الحاكم، وعدل القاضي، وامانة الموظف”. ومنهم سليم الحص الذي بقي قويا لانه “لم يطلب شيئا لنفسه” طوال فترة تسلمه مهماته الدستورية، ومنهم ايضا الرئيس رفيق الحريري الذي، وان كنت تختلف معه في شأن مشروعه الاقتصادي والانمائي، الا انه في الازمات الوطنية تصرف كرجل دولة، فهو لم يتبن خطابا يعزز الانقسامات بين اللبنانيين ورفض ان يكون طرفا بين مجموعاتهم المنقسمة على بعضها البعض عشية اغتياله المشؤوم.

 

تذكر الكتابات التاريخية عن آخر رؤساء الجمهورية الرابعة الفرنسية، رينيه كوتي، ان احد وزرائه ذكر امامه اسم زعيم سياسي بارز في فرنسا، فاستخف كوتي به وقال: “اه… انه ليس سوى رجل عادي بسيط من رجال السياسة”. سأله الوزير: “لكن حضرة الرئيس ما الفرق بين السياسي ورجل الدولة؟”، فاجابه: “الفرق بسيط جدا. رجل الدولة يريد ان يعمل شيئا من اجل بلاده، والرجل السياسي يريد من بلاده ان تفعل شيئا من اجله” (او من اجل مجموعته السياسية)!.

في حادثة اخرى تروى عن الرئيس الفرنسي فنسان اوريول المعروف بتعلّقه بسباقات الخيل، انه بعد تسلمه منصبه، حالت مسؤولياته الرسمية دون مواصلة ذلك الشغف بالخيول وسباقاتها. لكن سنحت له الفرصة لحضور السباق المهم المعروف بين الفرنسيين بسباق “الجائزة الكبرى” الذي جرى تحت رعايته كرئيس للجمهورية.

عندما حان الوقت ليقدم الجائزة الى الفائز، سأله احد زملائه من “رجال الدولة”: “كم كسبت يا سيدي الرئيس في هذه الجولة؟”، فرد عليه اوريول بشيء من الاسى: “لا شيء. يا ليت. لكنني رئيس الجمهورية. وبصفتي رئيسا للجمهورية، يجب ان اكون فوق الاحزاب وايضا ان اكون فوق المراهنات”.

ما يحتاجه لبنان اليوم، هو عودة الى فكرة الحوار الوطني وهذا لا يصنعه الا رجال دولة، فلا مؤتمر دوليا ولا وساطات عربية ودولية سيكتب لها النجاح اذا ما كانت ارضية الداخل اللبناني غير جاهزة لمثل هذه المبادرات.

حري بأهل السياسة والمرجعيات الروحية ان تتبنى خطابات رجال الدولة. فالحوار الهادئ والخطاب المبني على الاعتراف بالاخر وتفهم هواجسه، هما مدخلان لأي حل نسعى اليه بصدق. وفي طبيعة الحال، لن يكون ثمة حوار قبل تشكيل حكومة تضع امامها الحوار الوطني اولوية، بعد ان توقف حال الانهيار الاقتصادي والمعيشي الشامل.

فهل في لبنان رجال دولة؟

 

* صحافي

*نشرت بالتزامن مع مجلة الأمن العام العدد 91 (بأقلامهم)

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى