إقتصادرأي

المفاعيل الإيجابية لسفينة “العاشر من محرم”: تاريخ مفصلي في حياة لبنان والمنطقة(عماد عكوش)

كتب د .عماد عكّوش

أنطلاق “سفينة العاشر من محرم” من المياه الأقليمية الأيرانية باتجاه المياه الأقليمية اللبنانية نقطة تحول سوف تترك مفاعيل كبيرة وكثيرة على الوضع الداخلي اللبناني ، الوضع الأقليمي ، والوضع الدولي . هي بداية كسر العقوبات وهزيمة الحصار الذي كان يستهدف، ليس فقط لبنان وبيئة المقاومة ،بل الذي كان يستهدف كل المنطقة ، فكيف ستكون مفاعيل هذه السفينة ؟

يمكن تقسيم هذه المفاعيل الى ثلاثة أجزاء :

  • الجزء الأول : دوليا”

سيكون عبور هذه السفينة عبر مضيق هرمز والبحر الأحمر أمتحان كبير للدول المطلة على هاتين المنطقتين ولأساطيل الدول التي تتواجد في هذه المنطقة . سفينة المساعدات (المازوت) وهي مادة حياتية بامتياز للبنان والتي كفلتها كل القوانين الدولية ، وأي أعتراض لها على المستوى الدولي هو مخالفة لنصوص حقوق الأنسان التي نصت عليها وكفلتها كل المنظمات الحقوقية والأممية والتي كفلت تأمين المستلزمات الضرورية لأي شعب لمنع الجوع والفقر .

ستكشف هذه السفينة حقيقة الدول التي تعادي الشعب اللبناني وتحاصره وتمنع عنه المحروقات والدواء، وهي سلع أنسانية وليست عسكرية حتى يمكن التذرع بها بمحاور وأدخال لبنان بصراعات دولية وهي مكفولة كما ذكرنا دوليا.

هذه السفينة تعادل ضربة الصواريخ الأيرانية لقاعدة عين الأسد، لأنها تكسر الحصار الذي فرضته الولايات المتحدة على النفط الأيراني ، والشعب اللبناني لأركاعه وخضوعه للمطالب والشروط الأسرائيلية والتي أصبحت واضحة ،ويشاركها للأسف شركاء لنا في الوطن من الطبقة السياسية ومن كارتيلات التجار، وموظفون أساسيون في الدولة اللبنانية يسيطرون على مراكز أساسية في الدولة .

  • الجزء الثاني : إقليميا

ستفضح هذه السفينة دولا أقليمية تذرف دموع التماسيح على الشعب اللبناني وهي ،في الوقت نفسه ، ترحل المغتربين من عندها ، وتمنع تشكيل الحكومة عبر أدواتها الداخلية ، وترفض إرسال أي نوع من المساعدات للشعب اللبناني الذي تدّعي أنه شعب شقيق وشعب عزيز عليها ،فلو كانت حجتها هي أن هناك جزءا من الشعب اللبناني يعاديها فهي تعلم جيدا أن الكهرباء المنتجة في لبنان وحتى في المناطق ذات البيئة التي تعاديها، يذهب معظم أنتاجها الى مناطق محسوبة بمعظمها عليها ،ومع ذلك هي تحاصرها وتمنع عنها الكهرباء ، ظنا منها أن هذا الحصار يمكن أن يخلق عداوة كبيرة ما بين اللبنانيين، وبالتالي يخلق حالة ضغط داخلي يمكن استخدامها في تحقيق مصالح وأهداف سياسية تتمثل في الرضوخ للشروط التي وضعتها لتخفيف هذا الحصار ، ولا سيما ناحية أسرائيل .

إن سفينة العاشر من محرم ستعطي دافعا قويا لدول أقليمية محاصرة مثل سوريا ، اليمن ، وحتى قطاع غزة أن تنهج هذا النهج من مقاومة الحصار، وبالتالي التمكن من الرفع الجزئي للحصار، خاصة بالنسبة للسلع الإنسانية كالمحروقات والأدوية والسلع الغذائية . كما ستمنح دولا أخرى قوة في الأصرار على القرار السيادي والتي تفتقده لغاية اليوم، وكان المثال الأكبر عليه هو إلغاء الإتفاقية التي وقعها العراق مع الصين والتي بلغت قيمتها حوالي خمسماية  مليار دولار أميركي ،وتقوم على قاعدة النفط مقابل تطوير البنية التحتية الأقتصادية ، التعليمية ، الطبية ، وانشاء المدن الصناعية ، والتي تم ألغاؤها تحت الضغط الأميركي .

  • الجزء الثالث : محليا

يمكن تقسيم هذا الجزء الى ثلاثة أقسام ، منها ما يتعلق بالسياسة ، منها ما يتعلق بالأقتصاد ، ومنها ما يتعلق بالحياة الإنسانية .

على المستوى السياسي فقد ضربت هذه السفينة حلفاء الحصار في العمق، وهم الذين كانوا يتباكون دائما على الشعب اللبناني ويتهمون غيرهم بالتهريب والتخزين، فيما كشفت إجراءات الجيش الأخيرة حجم التخزين الذي قامت به هذه الأطراف وبملايين الليترات، وفي خزانات صنعت لتخزين كميات ضخمة فيما الشعب اللبناني يعاني من فقدان هذه المواد ويعاني من العتمة الشاملة، بينما هؤلاء ينعمون بالكهرباء 24/24 ، وليس آخرها معلومات مؤكدة عن خزانات ضخمة للمحروقات في منطقة معراب وعوكر وبعلم وبطلب من السفارة الأميركية لاحتكار هذه المواد وممارسة المزيد من الضغوط على الشعب اللبناني .

لقد فضحت هذه السفينة الأحزاب التي تدّعي الغيرة على الشعب اللبناني، وإبداء شعور التعاطف معه، بينما هي فعليا تتحالف مع قوى تسعى الى تجويعه وتمنعه من تشكيل مؤسساته لإعادة الحياة لهذه الدولة ولمؤسساتها التي تعاني اليوم من الموت البطيء.

على المستوى الأقتصادي ، كسرت هذه السفينة الزجاج الحاجب لإعادة الإنطلاق بالإقتصاد الوطني من خلال إعادة الحياة الى شرايينه الإقتصادية ولا سيما في كل القطاعات الإقتصادية بعد أن هددها فقدان هذه المواد بالتوقف والموت ، هذه السفينة ستعيد الحياة للقطاع الزراعي ، الصناعي ، والسياحي .

ستؤدي هذه العملية الى تخفيف الضغط عن احتياطي العملات الصعبة والتي دائما ما كان يتحجج مصرف لبنان بها لعدم فتح الإعتمادات وبالتالي إخضاع اللبناني الى مزيد من التقنين في كل ما يسيّر له حياته الأقتصادية .

على المستوى الإنساني : هذه السفينة ستضمن إعادة الحياة للقطاعات الإنسانية بامتياز ولا سيما منها الصحي ، الأفران والمطاحن ، وحتى القطاع التربوي لاحقا بعد أن تم تهديده بالإغلاق نتيجة لفقدان مادة المازوت هذه المرة ،وليس بسبب فايروس كورونا كما حصل سابقا  .

إنطلاقا من ذلك كله ستخلق سفينة العاشر من محرم تاريخا جديدا للشعب اللبناني بحيث سيتم اعتباره تاريخا مفصليا في حياة لبنان والمنطقة ، وأولى نتائجها التذلل الذي بدأنا نسمعه من السفيرة الأميركية والموافقة على تزويد لبنان بالغاز والكهرباء عبر سوريا، بعد أن تم رفض الأمر بالمطلق سابقا . فالقوة وحدها من يصنع الكرامة، وكرامتنا في أيد أمينة .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى