رأيسياسةمحليات لبنانية

اللامركزية الإدارية بين النظرية وإمكانية التطبيق:أخطار وهواجس(عماد عكوش)

كتب د.عماد عكوش- خاص الحوار نيوز

نصت وثيقة الوفاق الوطني على اللامركزية الإدارية ، ولكن لبنان بظروفه التكوينية ومن حيث المساحة المحدودة ، فإن اللامركزية بمفاعيلها المالية والإقتصادية ، في حال تطبيقها قد تشكل نقيضاً لمبدأ الإنماء المتوازن . إذ إن التوازن بالإنماء يقوم إلى حد كبير على أعادة توزيع المداخيل الضريبية ، وذلك لمساعدة المناطق الأقل نموا لتلحق بالمناطق الأخرى .

وتطبيقا” لاتفاق الطائف الذي دعا الى أعتماد اللامركزية الإدارية أصدر بتاريخ 7/11/2012 رئيس مجلس الوزراء قرارا يحمل الرقم 166/2012 شكّل بموجبه لجنة لإعداد مشروع قانون لتطبيق اللامركزية الإدارية ،واستعانت اللجنة بخبراء في مسائل مختلفة حيث دعت الحاجة . وقد عقدت اللجنة 47 جلسة عمل في القصر الجمهوري في بعبدا أنجزت خلالها مشروع قانون اللامركزية الإدارية ،إضافةً إلى التقرير الذي يفسّر مشروع القانون والأسباب الموجبة ويشرح الخيارات التي اعتمدتها اللجنة.

بعد ذلك أغفل الحديث عن هذا المشروع وغابت اللجنة عن السمع وأقفل الملف بتوافق الأحزاب التي لا تجد في هذا القانون والمشروع ألا نقصا في الإمتيازات الممنوحة لها وفقا لدستور الطائف الطائفي .

 

ماذا تتضمن اللامركزية الإدارية:

  1. يأخذ بالإجماع اللبناني حول اللامركزية الموسعة انطلاقاً من اتفاق الطائف . وإذا كان المشروع يعطي فعلاً أوسع الصلاحيات للمناطق ، فهو يبقيها ضمن الدولة الواحدة الموحدة بعيداً من أي منحى تقسيمي.

  2. يعتمد اللامركزية كواقع حقيقي من حيث استحداث مجالس منتخبة بالكامل، وإعطاؤها ليس فقط الاستقلالين الإداري والمالي وإنما أيضاً التمويل والواردات اللازمة ويحصر الرقابة إلى أقصى حد .

  3. يبقي على البلديات كوحدات لامركزية أساسية ولا يمس بصلاحياتها أو بأموالها ويعتمد القضاء أو المحافظة كمساحة لامركزية ، نظراً الى شرعيتها التاريخية والى الحاجات الضرورية للإنطلاق بعملية التنمية .

  4. يستحدث صندوقاً لامركزياً يحل محل الصندوق البلدي المستقل، ويكون أعضاء مجلسه منتخبين ويعمل وفقاً لقواعد منهجية ولمعايير توزيع تعتمد مؤشرات  موضوعية تراعي ضرورة الإنماء المتوازن وتحفيز النمو المحلي وعدد سكان الإقليم المعتمد سواء قضاء أو محافظة .

  • شروط النجاح :

من أهم شروط نجاح اللامركزية الإدارية في لبنان هو إصلاح الإدارة العامة المركزية ، ووضع شروط ومعايير تحول دون تقصيرها في عملها على صعيد السلطات اللامركزية ، أي بكلام آخر أن نجاح هذا الأمر يتطلب وجود سلطة مركزية قوية تقوم بوظائفها الاساسية في المتابعة والرقابة وكيفية إدارة العملية.

وإذا كان نقل الصلاحيات من السلطة المركزية إلى الهيئات اللامركزية ينبغي أن يصاحبه نقل للموارد والضرائب والتمويل وبعض الخدمات ، فهذا يجب أن يتم وفقا لموجب التضامن الوطني الشامل والإنماء المتوازن . وهذا يفترض أن تلعب السلطة المركزية دورها في إعادة التوازن وتأمين العدالة والمساواة للحؤول دون تراكم الفروقات الإقتصادية والاجتماعية والثقافية بين المناطق . لذا ا فإن اللامركزية تستدعي حضورا أكبر للدولة للعمل على أصلاح أي خلل يصاحب عملية التنفيذ .

  • كيفية تشكيل السلطات:

تبدأ عملية تشكيل السلطات عبر تشكيل مجالس الأقضية من انتخاب «الهيئة العامة للقضاء» بالاقتراع المباشر ضمن القضاء . وينبثق مجلس القضاء عن الهيئة العامة انتخاباً . وبحسب جداول يظهرها مشروع القانون ، فإن الهيئة يجب تشكيلها وفقا لعدد ناخبي القضاء بحيث يتم تمثيل كل 5000 ناخب  بممثل واحد في الهيئة ، وينتخبون على أساس نسبي ضمن لائحة يتم الترشح على أساسها. كما أنه يفضل الاتجاه للتوافق على اقتراع القاطنين فقط .

تملك الهيئة العامة للقضاء ثلاث صلاحيات أساسية : انتخاب الرئيس ونائبه بتفويض من الناخبين ، مصادقة الهيئة إلزامية على القرارات الأساسية التي يتخذها مجلس القضاء ، تشكيل لجان ، التفكير والتخطيط ، والمراقبة وحق نزع الثقة عن المجلس ككل أو عن أحد أعضائه أو عن رئيسه أو نائبه . أمّا مجلس القضاء فهو «السلطة التنفيذية» و«يدخل في اختصاصه كل عمل ذي طابع أو منفعة عامّة في نطاق القضاء ، مع مراعاة اختصاص المجالس البلدية» .

كما يقع ضمن صلاحيات المجلس على سبيل المثال لا الحصر : إعداد مشروع موازنة القضاء ، إعداد مشاريع أنظمة مجلس القضاء الموضوعة نماذجها من قبل وزارة الإدارة المحليّة  ،  الطلب من مجلس الخدمة المدنية إجراء المباراة أو الامتحانات للوظائف الملحوظة في ملاك مجلس القضاء ، وضع استراتيجية عامة لتنمية القضاء ، تخطيط وتنفيذ أشغال البنى التحتية ، بما فيها السدود والبحيرات ومجاري الأنهر وإنتاج الطاقة ، إقامة مشاريع إنتاجية ، إدارة المشاعات والغابات ، قبول الهبات النقدية والعينية غير المشروطة المقدمة من الجهات الرسمية أو الخاصة أو من أي جهة أجنبية حكومية أو منظمات حكومية أجنبية ، تنظيم النقل العام ، وضع خطة التنمية السياحية والثقافية ، تخطيط الطرق المحلية ، إنشاء الحدائق…

تعتبر قرارات المجلس نافذة دونما حاجة لأي تصديق أو مراجعة ، باستثناء القرارات المتعلقة بالمشاريع التي لها طابع عام كحماية المواقع الأثرية والطبيعية ، حماية منابع المياه ، المخططات التوجيهية العامة والتصاميم التفصيلية ونظام البناء والإفراز التابعين لها ، لكامل القضاء أو لجزء منه ، تخطيط وتنفيذ أشغال البنى التحتية بما فيها السدود والبحيرات التي تقع على مجاري الأنهر التي تتجاوز القضاء الواحد ، إنشاء المرافئ البحرية والمطارات .

يبقى في الأساس ضرورة عدم المس بصلاحيات البلديات رغم إعطاء الأقضية صلاحيات عامة ترتبط بكل ما هو ذو طابع أو منفعة عامة . يمكن إنشاء صندوق لامركزي بنسبة من إجمالي الواردات المحلية . وتتوزع عائدات الصندوق اللامركزي بحسب  مؤشرات ومعايير أساسية :

– مؤشر عدد السكان في الأقضية .

– مؤشر مساحة القضاء .

– مؤشر تحصيل الرسوم .

– مؤشر واقع التنمية.

 القانون اليوم موجود لدى اللجان النيابية ويتم مناقشته ويؤمل إقراره في ولاية مجلس النواب الحالي ، أو هكذا نتمنّى . ويعتقد البعض بأن إقرار القانون يحتاج إلى تسوية سياسية ليمرّ جنباً إلى جنب مع مجلس الشّيوخ .

  • الأخطار والهواجس :

فيما تعتبر اللامركزية الإدارية في دول العالم دليلاً على تطوّر النظام السياسي والإداري في دولٍ حسمت بغالبيتها أزمات الهويّة الوطنية ، يبدو لبنان في مكانٍ آخر ، فضلاً عن أن الانقسام السياسي في البلاد ، تجري مذهبته ضمن جو عام تفكيكي يضرب المنطقة ، ليفرز إدارات محليّة في سوريا والعراق على أساس هوياتي ضيّق . وما يجري اليوم في ما تبقى من مؤسسات الدولة اللبنانية ، هو توزيع كامل لحصص الطوائف ، وحصرها في يد جهات واحدة داخل كل طائفة. والسؤال الأساس: ما الضامن ، في ظلّ واقع بعض الأقضية الحالية التي تحمل أكثريات مذهبية أو طائفية معيّنة ، أن تحلّ هذه المتحدات ، في نفوس المواطنين ، مكان الانتماء الوطني العام ، الذي يعاني خللاً أصلاً، طالما أنه لم يعد من حاجة للمراكز الجامعة في حالة المدن، لا سيّما مدينة بيروت، في ظل غياب تام لوسائل النقل العامّة وشبكات الطرق الحديثة، التي تؤّمن عادة في الدول، استمرار دورة الحياة بين الأطراف وبين العواصم، وتربط الشعور الوطني بالمصلحة العامة لدى الأفراد والجماعات؟.

ولا بدّ من ملاحظةٍ حول اعتماد التقسيمات الإدارية القديمة ، إذ أن حدود غالبية الأقضية اللبنانية اعتمدت حدود القضاء وقوعه بين نهرين ، ما يمنع أي مجلس من مجالس الأقضية التصرف بأي نهرٍ وحيداً . وعلى الرغم من أن الأحزاب والطوائف تؤثّر إلى حدٍ كبير بمجالس البلديات ، إلّا أن حيز التأثير يكون أكبر للقوى المحلية ، من الروابط والعائلات والبيوتات الصغيرة في القرى ، وهذا الأمر، على علّاته ، يمنع الطوائف والأحزاب من التحكّم الكامل بالقرار المحلّي للمجالس المحليّة ، إلّا أن وجود مجالس الأقضية ، سيؤثّر سلباً على تأثير القوى المحليّة ، ويسمح للطوائف والقوى السياسية التي تسيطر على الأقضية ، بالتحكّم الكامل بقرارات مجالس الأقضية ، مع ضيق هامش القوى المحليّة شيئاً فشيئاً ، وصولاً إلى احتكار القرار من قبل الطوائف .

يبقى أن نقول أن هكذا مشروع يحتاج الى شبه أجماع للبنانيين، وهذا الأمر لا يمكن تأمينه اليوم بانتظار هدوء الوضع السياسي الداخلي والإقليمي، كما يمكن أن نحتاج الى مؤتمر جديد لتحديد الأهداف المستقبلية لواقع لبنان والتي لم تتحدد لغاية اليوم .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى