إقتصاد

الشعب يريد فصل الدَيْن عن الدولة – الجزء الثاني(حيّان حيدر)

حيّان سليم حيدر

 

ويتكرّر السؤال: لماذا؟

لأنّ وفقًا لِقول أستاذ الإقتصاد توماس بيكيتي (1) (Thomas Pickety):                                                “إنّ الدَيْن العام يصبح غالبًا طريقًا خلفيًّا لإعادة توزيع الثروة من الفقراء إلى الأغنياء”.

وبعد التذكير أنّ الرقم بات في لبنان وجهة نظر، توقّفت آخر البيانات المالية على رقم تقريبي للدَين العام يزيد عن 97 مليار دولار أميركي، وفيه ما يقارب 62% بالعملة الوطنية والباقي بالعملات الصعبة (وصعبة هي حقًا).  وكان أحدث رقم للدَين العام قد بلغ 751 ألف مليار ليرة لبنانية.  لقد أوردنا الرقم بالعملتين لأنّنا حقًّا لم نعد نعلم كيف نتعامل مع أرقام المال.  مع الإشارة إلى أنّ “الإحصاء” عادة ما يتعمّد إغفال الفوائد التي تتوجّب على هذا الدين في إستحقاقاته والذي قد يتجاوز ما يوازي 40 مليار دولار تُضاف إلى الأصل مع مرور الوقت، الذي يمرّ… بالمُرّ من العمر.

      كلّ هذه الأرقام ستبقى تقريبية، قصدًا وعمدًا وتمويهًا، لأنّه ممنوع علينا معرفة البديهي من الأرقام ومنها: كم لدينا من المال؟  كم علينا من الديون؟  ما هي مبالغ الخسارة؟  وإلى الأسئلة “المعجزة” وهي هدف التضييع كلّه: مَنْ تصرّف بها؟  ولأيّة غايات صُرِفَت؟… فإلى سائر البديهيات الممنوعات من نوع: ما هي المبالغ التي خرجت في الفترات الحرجة ومَنْ أخرجها ومن أين وإلى أين وبأيّ تواريخ إلخ…؟

وتبقى أهمّ المفارقات التعجيزية تلك التي تربط تعاظم الدَيْن العام بالدعم، أي دعم سلع وخدمات حيوية حياتية، وهو كذلك في جزءٍ منه، وليس دعم الفاسدين وأعوانهم، وهو كذلك في الكثير منه أيضًا.  ولأنّ الدعم يُرفع (إلى مصافٍ غير محدّدة..) فاقتضى إبتداع ما بات مسلّمًا به تحت تسمية “منصّات”.  وما هي العلاقة؟  ببساطة: هناك منصّة لكلّ سلعة وخدمة “مدعومة”: الدواء والمستلزمات الطبية، المازوت، الصيرفة، الليرة، ال”لولار”، ال”فريش”، الطالبي، ال…( وقد إلتزمنا هنا حدود آداب المخاطبة..) والعجيب المخالف للمنطق والقانون والدستور والأعراف والميثاق والصيغة حتى، هو أن كلّ منصّة لها سعر مختلف إختلافًا تعجيزيًّا كبيرًا عن سابقتها أو عن لاحقتها، وبقبول الغائب الكبير من قبل “الشعب العنيد”.  وفي النهاية، وبهذه الطريقة يُرْفَع الدعم، أي يرتفع متنقلًا، من منصّة إلى منصّة، وقبل أن يصل إلى آخر كلام (منصّة البنزين على 14,000 ل.ل. للدولار) وجب صدور هذا الجزء من الشكوى قبل تفاقمها.  وبهذا يكون قد صدق القول “أنّ الوسيلة غالبًا ما تكون من جنس الهدف”.

ولكن “الشعب يريد” رفع “الدعم” عن محميات الفاسدين وعن محميّيهم !

ومن عجائب لبنان “النبع”، المحصّلة التي وصلنا إليها خلال سنتين من الصراع على المعلومات وهي أنّ الدين العام قد إنخفض بشكل كبير.  وقد تمّ هذا الإنجاز ليس لأنّ المسؤولين قد نفّذوا برنامج إطفاء للدين، ولا لأنّهم فاوضوا الدائنين على شطب المبالغ أو خفضها، ولا لأنّه تمّ الإستثمار في قطاع منتج ما، النفط والغاز مثالًا، ولا حتمًا لأنّنا قد استردّينا بعضًا من الأموال “الموهوبة”.  لا !  بل لأنّنا، ومن جيب المودعين إلى جيب المقرضين، قد حمّلنا المواطن، والمعدوم من المواطنين خاصّة، حمّلناهم عبء هذا “الإنجاز”.  برافو !… حقّا برافو !

كلّ هذه الحالات كانت مُعاشة في السابق، وكلّ هذه الأقوال قيلت في حالات مشابهة.  لم يخترع أحدٌ، حتى اللبناني الفذّ، لم يخترع شيئًا جديدًا، غير أنّ اللبناني قد بَرَعَ في تجميع كلّ هذه المعضلات/الموبقات معًا، في رقعة وطن واحد، وفي زمن واحد.  وأراني سأستنجد بقول للرئيس توماس جيفِرسون، أحد الآباء المؤسّسين للولايات المتحدة الأميركية وكاتب دستورها:

“الحكومة القديرة جدًّا على منحك كلّ شيء هي قوية بما يكفي لتجريدك من كلّ شيء”.

مع هذه الحلول والإقتراحات “الخلّاقة” لحلّ مشاكل البلاد لا أعلم لماذا راودتني قصّة “الحفرة والمستشفى” (مرفقة في (2) أدناه)، حلًّا إعتمده الحكّام لمشاكلنا، وما علاقة الحلول المعدّدة فيها بموضوعنا هنا ولماذا، وماذا يربطها بما حدث ويحدث وسيحدث في الواقع.  حقيقةً لا أعلم.  ربّما فهمناها إذا اعتبرنا أنّ الحفرة هي الدَيْن العام والمستشفى هي الدولة والمجلس البلدي هو المجلس النيابي… ربّما قد نفهمها، وربّما لا، وقد يكون أفضل ألّا نفهم !

واستكمالًا لما أوردنا في الجزء الأول نختم، من القصيدة ذاتها، بأبيات الشاعر:

قسمًا بكهف الناصريِّ، وبالحطيم، وزمزمِ  

    إن لم تُقِرَّ لنا الحياة بحقِّنا في المغنمِ،

       لنمزقنَّ حجابها الجافي… ويا نُظُمُ ارتمي !   

    فالمجرمُ المضطرُّ للإجرام، ليس بمجرمِ !..

     إن لم يكن عدلٌ حكيمُ فالمستبدُّ  هو  الملومُ

   يسعى اليتيم إلى الحياة، فإن أَبَتْ     

  فإلى الحياة، على الأذى، يسعى اليتيمُ ! (3)

إنتبهوا !.. على الأذى يسعى !..

بيروت، في الأول من آب 2021م.               

          حيّان سليم حيدر.

                                                                                         

مواطن بانتظار حقّه في المَغْنَم.    

_________________________________________________

– صدر الجزء الأول من المقال في 26 تموز 2021م.
(1) أستاذ الإقتصاد في فرنسا وإنكلترا وله مؤلّفات عديدة أكثرها تعبيرًا عن الواقع “إقتصاديات عدم المساواة”.
(وفي هذه المناسبة، هناك تلميذة لبنانية تعمل تحت إشراف هذا الأستاذ الفرنسي إستنتجت في أطروحة الدكتوراه التي قدّمتها في جامعة السوربون في باريس أن الوضع في لبنان قد إنتقل من ال 4% من المَحْظيّين من أغنياء لبنان، حسب بعثة “إرفِد” الشهيرة، إلى 1% من اللبنانيين الذين يملكون 40% من الثروة وهذا كان قبل العام 2019).
(2) قصّة “الحفرة والمستشفى”: روى أحدهم أنّه كانت هناك حفرة عميقة على مدخل بلدة “عامرة” وكثيرًا ما كانت  تتحطّم فيها السيارات وتودي بالمصابين إلى مستشفى البلدة القابع في طرفها الآخر، وكان إزدحام السير يحول أحيانًا دون وصول ضحايا الحوادث في الوقت المناسب لأنقاذهم.
ومع تكرار الحوادث وتراكم الشكاوى، ما كان على المجلس البلدي إلّا الدعوة إلى إجتماع طارىء خصّصَه، ب”جلسات مفتوحة”، لمعالجة الموضوع.  وبعد التداول “المتكرّر والمُعمّق والجدّي والطويل”(*) طُرِحت خلاله حلول مختلفة من نوع ردم الحفرة، أو تحويل السير أو إعادة تأهيل الطريق، أو زيادة عدد سيارات الإسعاف أو نقل الحفرة إلى جانب المستشفى إختصارًا للمسافة والوقت وحفاظًا على حياة الناس،… إنقسم حولها الأعضاء.  وفي النهاية قرّر المجلس البلدي أن يبني مستشفىً جديدًا بجانب الحفرة !…
رواها أحدهم، وقَهْقَهْ وقَهْقَهْ وقَهْقَهْ وقَهْقَهْ …
 (*) عبارات وردت وتَرِد كلّما طالعنا أحد المسؤولين بأن الحكومة أو اللجان البرلمانية أوالحكومية أوغيرها إنكبّت (وليتها بقيت هناك عند هذا الحدّ ولم تَعُدْ) على دراسة الحلول لمعضلات البلاد…
(3) سليم حيدر – ديوان “آفاق” – قصيدة “اليتيم” – 1945 – شركة المطبوعات للتوزيع والنشر – 2016. 
– إنّ هذا النص هو من بنات أفكار كاتبه وليس لما هو وارد فيه أيّ علاقة بالواقع أو بأهل الواقع أو بالواقعين بما أوقعوه فيه في أصل الواقع فاعلًا أو مفعولًا بهم (بهنّ).  وأيّ تشابه في الوقائع، أو تقاطع في الأفكار، أو تعمّق نتيجة التحليل، هو مجرّد صدفة (مقصودة) أو حقيقة مؤلمة (متعمّدة)، ولذلك وجب التوضيح.
– والحلّ ؟  الحلّ موجود في نهايات كلّ هذه الكتابات في جزء بعنوان “الحلول عند الفلول”… (قيد التحرير).
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى