الشر المطلق في رؤية الإمام موسى الصدر -إسرائيل نموذجاً ( أحمد حوماني)

بقلم د. أحمد موسى حوماني – الحوارنيوز
عندما نتحدث عن الفلاسفة والمفكرين والعلماء لا نتحدث عنهم بشكل عام، وإنما نذكر بعض كلماتهم أو عبارات لهم قد غيّرت النظرة الإنسانية في أمر ما، سواء كان هذا التغير إيجابياً أو سلبياً، وكم من فيلسوف أو عالم أو مفكر بقيت بعض الكلمات التي قالها خالدة عبر الزمن يستنير بها كل من ابتغى ذلك، أو تبقى كلماته محفورة في أذهان الشعب إلى سنوات طويلة، وبعض الأحيان ليست الكلمات أو الجمل هي التي تخلد، فقد تكون فكرة يجري تطبيقها وتفتح أفقاً أوسع للإنسانية من أجل تكاملها وتطوير سبل حياتها.
في ذكرى ولادة رسول الرحمة محمد (ص)، نجد أن المسلمين اختلفوا في تاريخ مولده، بين من يقول في الثاني عشر من ربيع الأول، وبين من يقول في السابع عشر منه، فطرح الإمام الخميني فكرة أسبوع الوحدة الإسلامية ما بين التاريخين، فهو من جهة جعل الاحتفال بالولادة لمدة أسبوع تقريباً، ومن جهة أخرى أعطى بُعداً وحدوياً لميلاد الرسول (ص)، تطبيقاً لقول الله تعالى: {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}.
من نفس هذا المعين اغترف الإمام السيد موسى الصدر، فدعوته كانت دوماً إلى الوحدة بين المسلمين، وإلى الوحدة بين أبناء الوطن على اختلاف مذاهبهم وطوائفهم، وعندما يُذكر الإمام الصدر ينساق الذهن مباشرة إلى العيش المشترك، وإلى الوحدة الداخلية، وإلى نبذ العنف والقتال بين أبناء الوطن الواحد.
لكن الإمام موسى الصدر بقدر تمسكه بوحدة لبنان، وباعتباره وطناً نهائياً لجميع أبنائه، بنفس هذا القدر يتمسك بالمواجهة مع العدو الصهيوني مهما عظمت التضحيات. وله عبارات وكلمات خالدة في تاريخ هذا الوطن، فهو من أوائل الذين حذروا من عدوانية إسرائيل، وطمعها في أرض لبنان ومياهه، ولعل من أهم ما قاله: “إذا احتل العدو جنوب لبنان فسأخلع ردائي وأصبح فدائي”. ومن أقواله أيضاً: “إذا التقيتم بالعدو الإسرائيلي فقاتلوه بأسنانكم وأظافركم وسلاحكم مهما كان وضيعاً”. كما اشتهرت عنه عبارة: “السلاح زينة الرجال عندما يكون في مواجهة العدو”. وفي هذه الأيام لا نريد أن نتذكر كلماته عن الحوار والعيش المشترك والمحبة والشراكة في لبنان فقط، وإنما نتذكر أيضاً كلماته عن العدو الصهيوني.
لعل أشهر ما قاله السيد موسى الصدر عن العدو الصهيوني هو: “إسرائيل شر مطلق”، هذه العبارة بالرغم من أنها تتألف من ثلاث كلمات فقط، إلا أنها تحمل في معناها الكثير من الدلالات السياسية والاجتماعية والفكرية والثقافية، خصوصاً أن كثيراً من المفكرين والفلاسفة لا يعتقدون بوجود شر مطلق في هذه الحياة، بل إنّ الشر نسبي، أي أنه قد يكون شراً من جهة، لكنه خير من جهة أخرى وبنسب متفاوتة، ولا نريد أن ندخل في الفلسفة لكننا سنمر بجانبها، أي نأخذ منها ما يتسق مع قول الإمام السيد موسى الصدر عن إسرائيل أنها شر مطلق.
اعتبر الفيلسوف أفلاطون والقديس أوغسطين أن الشر ليس “جوهراً” موجوداً بذاته، بل هو مجرد “غياب تام للخير” – مثلما أن الظلام هو غياب الضوء – بناءً على هذا، لا وجود لـ “شر مطلق” ككيان مستقل، لأن غياب الخير التام يعني عدم الوجود، وهذا رأي وازن في الفلسفة لكن في التفسير العملي نجد بعض الفلاسفة قد بيّنوا ما المقصود بالشر المطلق، فقالوا: هو شر لا يعتمد على وجهة نظر البشر أو ثقافاتهم، ويُفعل لغرض الأذى فقط، وليس لتحقيق مصلحة أو خير، ولا ينتج عنه أي فائدة أو إيجابية لأي طرف. ويرى فلاسفة آخرون أن الشر المطلق يتجسد عندما يختار الكائن العاقل إلحاق المعاناة والدمار بالآخرين لمجرد التلذذ بالشر نفسه، دون أي دافع نفسي أو مادي آخر. فيما ذكر المفكر المغربي طه عبد الرحمن أن الشر المطلق يحصل عندما يصل الإنسان إلى مستوى يجعل نفسه عدواً للإنسانية ذاتها، فهو نزعة مدمرة لا تعترف بالحدود ولا القوانين، وتفرغ الإنسان من أبعاده الأخلاقية والروحية.
نعود لكلمة الإمام السيد موسى الصدر عن إسرائيل أنها شر مطلق، فتفسيرها في علم الفلاسفة والمفكرين أن إسرائيل هي كيان هدفه هو إلحاق الدمار والمعاناة بالآخرين، والتلذذ بالشر نفسه من دون أن يكون ذلك مقدمة لخير مفترض، وهي تحمل نزعة مدمرة، لا تعترف بالحدود ولا القوانين. وفعلاً هذا وصف للكيان الصهيوني، ولما يفعله خلال السنوات الأخيرة في لبنان وفلسطين وسوريا وإيران.
البعض يضرب لنا مثلاً أبسط فيقول في تفسير عبارة السيد الصدر: أن كثيراً من الأشخاص يقترفون أعمالاً شريرة، لكنها من جهة أخرى تعود بالفائدة عليهم أو على غيرهم من البشر، ومثالها تنفيذ حكم الإعدام بشخص مجرم وقاتل، إن نفس فعل الاقتصاص منه هو شر، لأنه قتل للنفس، لكنه من جهة أخرى هو قصاص وعبرة لغيره، لحفظ الحياة البشرية لكثير من الناس. ومثال آخر يقال: أن الحية شر لكون لدغتها تسبب الموت للإنسان، لكن نفس فعلها هو خير لذاتها، لأنها تحمي نفسها بهذه الطريقة، كما أن العلم أثبت أن للحيّة منافع كثيرة في قتل العديد من الحيوانات والحشرات الضارة، فلا يمكن القول أن الحية شر مطلق.
يريد الإمام السيد الصدر عدا عن التفسير الذي ذكرناه، أن يقول أن وجود إسرائيل هو شر لغيرها، وشر لذاتها، فهي شر لغيرها لما تسببه منذ نشوئها، من قتل ودمار لفلسطين ومن حولها، وهي شر لذاتها، لما تحمله في داخلها من بذور دمارها وخرابها. وهذا ما ذهبت إليه بعض الجماعات اليهودية مثل جماعة “ناتوري كارتا”، وهي جماعة يهودية أرثوذكسية متشددة ترفض قيام دولة إسرائيل بالمطلق، وتعتمد على تفسير ديني يقول: إن اليهود ممنوعون من إقامة دولة حتى يظهر “المسيا” المنتظر، وترى هذه الجماعة أن الدولة الحالية مخالفة للشريعة ومصيرها الانهيار. كما أن هناك جماعات عديدة تؤمن أن دولة إسرائيل لا يمكن أن تصل إلى العام الثمانين من عمرها، وذلك في ما يسمى بـ (عقدة الثمانين) أو (لعنة العقد الثامن)، هي فكرة تاريخية وتلمودية تحذر من أن الكيانات السياسية اليهودية التي أقيمت تاريخياً لم تتمكن من الصمود أو تجاوز عامها الثمانين، وتتفكك في عقدها الثامن. وتشير الأدبيات المتعلقة بهذه النبوءة إلى أن اليهود أقاموا مملكتين أو كيانين مستقلين عبر التاريخ القديم: مملكة داود (المملكة الموحدة) والمملكة الحشمونائية، وكلتاهما سقطتا وتفككتا قبل أو خلال العقد الثامن من عمرهما. وتُعتبر إسرائيل الحالية التجربة الثالثة لليهود في إقامة كيان سياسي، وهي اليوم في عقدها الثامن – حيث تأسست عام 1948 – وقد أشار رئيس وزراء إسرائيل الأسبق إيهود باراك في مقال نشر عام 2022 إلى هذه العقدة، محذراً من أن التاريخ يثبت عدم صمود أي دولة يهودية لأكثر من 80 عاماً، إلا وتفككت في العقد الثامن، وأبدى تخوفه من أن ينطبق ذلك على إسرائيل بسبب الانقسامات الداخلية. فيما صرح نتنياهو في مناسبات عديدة بأن بقاء إسرائيل ووصولها إلى عيد ميلادها المئة ليس أمراً بديهياً أو مضموناً، في إشارة إلى المخاوف الوجودية الداخلية والخارجية.
بالتأكيد الإمام السيد موسى الصدر شخصية فكرية وعلمية عظيمة، ويمكن أن يقال أنه سابق لعصره من خلال الأفكار والكلمات والعبارات التي كان يطلقها، ولو تمعّنا في خطبه، وعملنا بها، لكان من الممكن أن نؤسس للبنان أفضل بكثير جداً مما هو عليه الآن، ولولا يد الغدر التي امتدت لاختطافه، لما وصل حالنا في لبنان إلى ما نحن عليه الآن، خصوصاً هذا الظلام السياسي، والانحطاط الاجتماعي، فهل تكون عبارة الإمام السيد موسى الصدر شاهداً على أن وجودها مؤذن بخرابها، لم يتبق إلا القليل من الزمن لمعرفة ذلك. وإلى وقتها نردد: في الليلة الظلماء يُفتقد الصدر.



