الدول بمنطق الشركات :”ميزان الربح والخسارة في جنوب لبنان” (إبراهيم عميس)

د. إبراهيم علي عميس – الحوارنيوز
من المفيد أحيانًا أن ننظر إلى سلوك بعض الدول كيف تتصرف كشركات عملاقة تحسب كل توسع كمشروع استثماري: كلفة، وعائد متوقع، ونسبة مخاطرة، قبل أن تقرر التنفيذ عبر الاستثمار أو الضغط أو حتى الحرب. وكما تستحوذ شركة كبرى على أخرى أصغر او جزء منها اما بالتفاوض او الضغط حتى تذوب هوية الطرف الأضعف داخلها، تسعى الدول أحيانًا إلى ابتلاع الأرض والنفوذ بالمنطق نفسه.
كذلك أيضاً ، ففي عالم الشركات، تُلغى صفقات الاستحواذ أو تُصفّى حين تتجاوز كلفة إدارتها العائد منها، وما أُنفق يصبح “مصاريف غارقة” sunk cost” لا يجوز أن تُبرر الاستمرار في مشروع خاسر. كذلك الدول ليست بعيدة عن هذا: فاحتلال أرض لا ينتهي بالسيطرة العسكرية، بل تبدأ بعده كلفة أعلى، من حماية المكتسبات إلى إدارة السكان ومواجهة الاستنزاف. فالقوة وحدها لا تكفي؛ المعيار هو القدرة على تحمل الكلفة حتى النهاية.
وهذا ما تكشفه تجربة جنوب لبنان. فحين وجدت إس.،را.،ئيل أن كلفة إدارة الأرض المأهولة بمقاومتها أغلى من احتمالها، كما حصل سابقًا وأدى إلى انسحاب غير مشروط، بدا الأمر في حينه وكأنه تخلٍّ كامل عن المعادلة او “الاستثمار”. لكن “الدرس” الذي استخلصته السلطة المعتدية من فشل نموذج 2000، أي أن الانسحاب الكامل أعاد اهل الارض إلى ارضهم بلا كلفة تُذكر عليهم وبلا مكسب لها، هو تحديدًا ما دفعها نحو نموذج التفريغ الحالي كبديل “أذكى” في حساباتها: بدل إدارة أرض حيّة بسكانها، أو الانسحاب منها كليًا وتركها لاهلها، اتجهت نحو تفريغها، هدمًا وتهجيرًا ومحوًا، لتتحول إلى أصل “منظّف” من التزاماته، لا يحتاج حامية ولا تفاوضًا مع أهله.
لذا، هذا يفرض على الردع أن يتطور معه: لا يكفي رفع كلفة “البقاء” العسكري، بل اضافة، يجب أن يصبح “التفريغ” نفسه باهظ الثمن سياسيًا ودوليًا وأخلاقيًا، وإلا وجد من يحسب الجدوى أن المحو أرخص من الاحتلال بوجود اهل الارض.
والمراقب اليوم قد يلحظ أن استراتيجية التفريغ نفسها قابلة لأن تصبح باهظة الكلفة، لو قررت السلطة اللبنانية، بالرغم من ضعف مقوماتها العسكرية، كشف ما يحدث على المسرح الدولي بكل ثقله، فيتحول التفريغ والمحو من حل رخيص للمعتدي إلى عبء دبلوماسي وسياسي متصاعد على من يمارسه.
لكن الأخطر أن هذا لم يحدث؛ بل إن منطق الكلفة نفسه تسلل إلى سلوك السلطة تجاه جنوبها هي. فيمكن لاي مراقب ان يرى البرودة في التعامل مع هكذا حدث. فحين تكتفي الدولة بمراقبة الدمار من بعيد دون تحريك ملف يوازي حجمه، وحين يُصاغ اتفاق يُقدَّم كإنجاز وهو أقرب إلى تسليم بلا مقابل يُذكر لأهل الجنوب، يترسخ انطباع أن الجنوب أصبح، بالنسبة إلى “الشركة الأم” اللبنانية، بندًا عالي الكلفة يسهل التخفف منه بدل رفع كلفته على المعتدي.
وهذا يطرح سؤالًا لا يجوز تأجيله: إذا كانت الدولة غير قادرة أو راغبة في رفع الكلفة على المعتدي وحماية أهل الأرض، لذا يجوز القول ومن المنطق ان على أهل الأرض أنفسهم أن يقرروا كيف يديرون معركة الدفاع عن حقهم، ومن الذي يسندهم فعلًا في تحقيق هذا الهدف.
فالشعوب الصغيرة قد لا تمنع بدء المشروع، لكنها تستطيع أن تجعل استمراره، بأي نسخة منه، غير مجدٍ. وحين تفوق كلفة الاحتفاظ بالمكتسبات، أو حتى كلفة التخلص منها، قيمتها، تراجع القيادة حساباتها كما يفعل مجلس إدارة أمام استثمار خاسر. هذا لا يعني أن العدالة تنتصر دائمًا، لكنه يذكّر بقاعدة متكررة: المشروع الذي يستهلك أكثر مما يحقق يتحول من فرصة إلى عبء يُتخلى عنه. فالردع الحقيقي لا يقوم على موازنة القوة وحدها، بل على رفع الكلفة إلى أن يفقد المشروع جاذبيته. وفي النهاية، سواء كان الفاعل شركة أو دولة، يبقى المبدأ واحدًا: المسالة ليست مسألة أخلاق، بل مسألة حسابات.



