سياسة

اليمين اللبناني يصر على إرتهانه إلى الخارج

كتب وائل فايز أبو الحسن – المكسيك
ما يثير السخرية حقا ليس أن يخرج علينا بعض أبواق اليمين اللبناني ليتحدثوا عن الوطنية والسيادة، بل أن يفعلوا ذلك وكأن اللبنانيين بلا ذاكرة، وكأن التاريخ يمكن شطبه بحملات إعلامية، أو تلميعه بالأموال، أو إعادة كتابته عبر منصات وأقلام كرست نفسها لتبييض صفحات سوداء من تاريخ لبنان.

كفى مزايدة على اللبنانيين في الوطنية. فلا أحد يحتاج إلى دروس ممن يرفضون حتى اليوم إجراء مراجعة صادقة لتجربتهم السياسية، ويصرون على احتكار الوطنية والسيادة، ويوزعون الدروس و المواعظ على كل من يخالفهم، وكأنهم أوصياء على لبنان، بينما التاريخ يقف شاهدا على حقبة كانت من أكثر المراحل دموية وانقساما في تاريخ الوطن.

لا حاجة لأن نعيد فتح دفاتر الماضي، لكن لا تجبرونا على ذلك. فالذاكرة الوطنية لا تموت، واللبنانيون لم ينسوا تاريخ المجازر، والقتل على الهوية، والخطف، والانتهاكات التي رافقت سنوات الحرب، كما لم ينسوا تاريخ الانتفاضات، والانشقاقات، والانقلابات، والتصفيات الداخلية التي لم تستثن حتى الحلفاء ورفاق السلاح. ومن السبت الأسود، إلى إهدن، إلى الصفرا، إلى حروب الإلغاء، وما سبقها وما تلاها من اقتتال داخلي، بقيت تلك المحطات شاهدة على مرحلة دفع لبنان كله أثمانها الباهظة.

ولم ينس اللبنانيون أيضا تاريخ الارتهانات للخارج، والرهانات على القوى الأجنبية، واستجرار الجيوش والقوى الغريبة إلى لبنان، وتحويل الوطن إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية. تلك الخيارات لم تصنع دولة، ولم تحقق سيادة، ولم تجلب للبنان إلا المزيد من الحروب والانقسامات والخراب.

ومع ذلك، يخرج علينا اليوم بعض من يسمون أنفسهم محللين أو إعلاميين، ومعهم أبواق سياسية ومنصات ممولة، ليمارسوا التخوين والتهكم والمزايدة، ويقدموا أنفسهم مرجعا في الوطنية والسيادة، وكأن التاريخ يبدأ من عندهم وينتهي عندهم، وكأن اللبنانيين فقدوا ذاكرتهم، أو أن الحقيقة يمكن حجبها بضجيج الإعلام.

لقد قلنا مرارا إن الحرب أصبحت وراءنا، وإن لبنان لا يبنى إلا بدولة حقيقية، دولة مؤسسات وقانون ومواطنة وعدالة، وإن المستقبل لا يصنع بعقلية الغلبة، ولا بالأحقاد، ولا بإحياء انقسامات الماضي كلما لاح في الأفق وهم مكسب سياسي.

لكن يبدو أن بعض العقليات لم تغادر زمن الحرب بعد. فما إن تلوح لها فرصة، أو حتى سراب فرصة، حتى يسقط القناع، ويعود الخطاب نفسه، والعقلية نفسها، والمشروع نفسه، وكأن شيئا لم يتغير، وكأن دروس التاريخ لم تكن كافية.

اتعظوا. فالوطنية ليست شعارا يرفع عند الحاجة، والسيادة لا تستقيم مع الارتهان للخارج، ولا مع تحويل لبنان إلى ساحة مفتوحة للقوى الأجنبية، والتاريخ لا يسقط بالتقادم، ولا يمحى بالأموال ولا بالإعلام، والشعوب قد تسامح، لكنها لا تنسى..

* محام مغترب مقيم في المكسيك

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى