سياسةمحليات لبنانية

الآلية القانونية لاسترداد الأموال المنهوبة في ندوة إفتراضية لملتقى حوار وعطاء بلا حدود

 

بتاريخ ٢٨/ ١٠ / ٢٠٢٠ وبالتزامن مع الإعلان عن فشل همة  التدقيق الجنائي في حسابات مصرف لبنان بسبب رفض الحاكم الإجابة على أسئلة الشركة المكلفة بالمهمة، حيث تأكد ما أشيع حول اصطدام متوقع للعملية بعوائق تحول دون استكمالها، وتفخيخ العقد ببند يخضعه  للقوانين المرعية الاجراء في لبنان، وتكبيد الخزينة مزيداً من الهدر، انعقدت الحلقة البحثية العلمية الافتراضية بعنوان: "إستعادة الاموال المنهوبة ممر الزامي لنجاح المبادرة الفرنسية وبنودها الاصلاحية"، كما كان مقرراً، بإدارة البروفسور د. فضل ضاهر والسيدة أميرة سكّر.
وقد شارك فيها، إضافة إلى منسق الملتقى د. طلال حمود،، كلّ من النائب ميشال ضاهر والخبراء القانونيين والماليين: د. إيلي يشوعي، د. علي زبيب المحامي ربيع الشاعر. واعتذر كل من نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الصحة السابق، الدكتور غسان حاصباني، مكتفياً بمداخلة مكتوبة تضمنت رؤيته لمراحل خطة العمل على المستوى التشريعي والقضائي وكذلك اعتذر الوزير السابق المحامي زياد بارود، وتابعها عدد من الناشطين والمهتمين بهذا الملف من لبنان ومن عدة دول في بلاد الاغتراب.
وقد نجحت مداخلات المشاركين في الندوة في تسليط الضوء على مكامن الضعف القانونية في تشكيل هيئة التحقيق الخاصة لدى مصرف لبنان،  وعلى كشف الثغرات والقطب المخفية في النصوص القانونية المنبثقة عن الاتفاقيات الدولية المتعلقة بمكافحة الفساد والإرهاب وتبييض الأموال  وغيرها من القوانين المتعلقة بالنقد والتسليف والإثراء غير المشروع والسرية المصرفية. وأسست بالتالي لإطلاق مسار إنتاج الآلية القانونية لاسترداد الأموال المنهوبة. وكذلك نجحت في تحقيق خطوة متقدمة باتجاه  ضمان استقلالية هيئة التحقيق الخاصة وتأمين الانسجام في تشكيلها مع مقتضيات الاتفاقيات الدولية المتعلقة بمكافحة الفساد وتبييض الاموال وتمويل الارهاب، بما يتلاءم مع التوصيات الصادرة عن مجموعة العمل المالي GAFFI، وذلك من خلال التزام النائب ميشال ضاهر بتقديم  اقتراح قانون معجل مكرر يرمي الى إجراء التعديل اللازم على نص إنشاء الهيئة المذكورة. وقد جاءت خلاصة مداخلات المشاركين كما يلي:

*سكر* :
بعد الترحيب بالحضور قالت السيدة سكر  ان هذه الجلسة تأتي ضمن سلسلة من النشاطات المُكثّفة التي تقوم بها اللجنة المركزية للملتقى  بهدف السعي لمعالجة مختلف القضايا الإقتصادية والمالية والإجتماعية والصحية والمعيشية  التي يعاني منها المجتمع اللبناني، في ظل التدهور المخيف في الأوضاع الإقتصادية وحالة الإرباك والإهمال والتخبّط السياسي الذي يعيشه لبنان مع هذه الطبقة الحاكمة التي يبدو أن لا نية جدية لديها للشروع في عملية الإصلاح ومكافحة الفساد، واملت سكر ان يؤسس هذا اللقاء لخارطة طريق  من اجل  استرجاع  الأموال المنهوبة والمُحوّلة.

*حمود* :
رحب مُنسق الملتقى د. طلال حمود بالمشاركين في اللقاء المهم،  على اختلاف اختصاصاتهم المهنية وتوجهاتهم السياسية والثقافية والفكرية. وشكر المحاضرين لمساهمتهم في إنجاح هذا اللقاء.
واضاف حمود  ان هذا اللقاء يُمثّل إنجازاً كبيراً للملتقى الساعي منذ ٣ سنوات لتشكيل “لوبي وطني جامع وعابر للطوائف والمناطق،" هدفه الأوّل  البحث في كل انواع الأزمات اللبنانية والسعي لمناقشة اسبابها وتداعياتها ووضع خطط ومقترحات عملية للحلول اذا امكن. وذكّر بأن الملتقى باشر مقاربته لملفِّ الفساد منذُ حوالي السّنةِ، حيث نظّم عدّةِ ندواتٍ حولَ مكافحةِ الفسادِ في لبنانَ، وكانَ بصددِ إطلاقِ المبادرةِ الوطنية-الشّعبيّةِ لمكافحةِ الفسادِ، الّتي أقرَت ورقَتَها الخلفِيَّةَ، وتنظيمِ مؤتمرٍ وطنيٍّ جامعٍ حولَ ملفِّ الفسادِ: أسبابُهِ وطرقُ علاجِهِ والقوانينُ الّلبنانيّةُ الّتي تكافحُهُ وآليّات استردادِ الأموالِ المنهوبةِ.
وتابع حمود ان  لبنان شهد  على مدى سنة كاملة، تحرّكات شعبية توحّدت فيها الساحات، وعبّرت عن أوجاع اللبنانيين. وكنا في الملتقى، من أوائل مُحذري هذه "السلطة الفاسدة  الجائرة والمُنافقة" من تماديها في سياساتها المعتمدة على الاقتصاد الريعي واستجداء الهِبات عبر المؤتمرات. وقد اثبتت الوقائع وتسلسل الأحداث تجذّر الفساد وتماسكه في مفاصل "الدولة العميقة".  وكان الملتقى من اوّل الناشطين في مجال ضخ ثقافة الوعي حول سُبل مكافحة الفساد واسترداد الأموال المنهوبة، ممن تحكّموا بنا من زعماء ورجال أعمال وحيتان المال والمصارف، الذين تآمر معهم حاكم مصرف لبنان، عبر هندسات وسياسات مالية ونقدية ألحقت خسائر كبيرة بالاقتصاد اللبناني وبأموال المودعين في المصارف، التي ابتلعها " ثقب أسود" لا أحد يعرف مقدارها حتى اليوم. تابع حمود مركّزاً على أهمية هذه الحلقة التي تتناول استرداد الأموالِ المنهوبةِ والمحوّلة بشكل غير قانوني، في غياب قانون للـ "الكابيتال كونترول"، وللبحث في آليات استردادها او استرجاعها بحضور هذهِ النّخبةِ المتميّزةِ من الخبراءِ والقانونيّينَ والاقتصاديّينَ والماليّينَ والسّياسيّينَ والنّاشطينَ، لن يدّعي أحدُنا خلالَهُ او بعد انتهائه مباشرة، أنّهُ سيستطيعُ بسحرِ ساحرٍ أن يضعَ الخطّةَ المُحكَمةَ لاستعادةِ كلِّ تلكَ الأموالِ المنهوبةِ، الّتي تختلف تقديرِات قيمتِها بين الخبراء، وتتراوح بين ِ١٥٠ مليار دولار و٨٠٠  مليار دولارٍ بحسب  تقديراتِ وزارةِ الخزانةِ الأميركيةّ!
واضاف مذكراً بالملفّاتِ الدّسمةِ التي تسببت بهدر المال العام وأدت إلى نهبه، ومنها  ملفِّ الكهرباءِ وأشغالِ الطّرقاتِ، والمجالس والصناديق وشركاتِ الخليويِّ، و جمعِ النّفاياتِ، والأملاكِ البحريّةِ، والتّهرّبِ الضّريبيِّ، والاستشفاءِ على نفقةِ الدّولةِ، والتي انعكست جميعها وتراكمت في الدّينِ العامّ وتسببت بالفوائدِ الضخمة الّتي جمعَتْها المصارفُ،  وباستفحال العجز وانهيار المالية العامة.
وعلى أمل أنْ يشكل هذا اللقاء الّحلقة  الأساسيّةِ لبناء خطة استرداد الأموال المنهوبة، بوجود ومساعدةِ أصدقائِنا الحقوقيّينَ والقانونيين والبرلمانيَينَ وبعض من كانوا من التنفيذيين مثل دولة الرئيس حاصباني والوزير بارود،   ذكّر حمود بقول الشّاعر أبو القاسمِ الشّابّي: 
إذا الشّعبُ يومًا أرادَ الحياةَ  فلا بُدَّ أنْ يَستجيب القدر…..وعبّر عن ثقته بالانتصار في هذه المعركة رغم الصعاب، وختم بالتمنّي على المحاضرين الإضاءة على التشريعات والقوانين اللبنانية النافذة في هذا المجال وعلى  الآليات والأدوات الوطنية  والدولية الممكنة لاستعادة الأموال المنهوبة، إضافة إلى وتوفير  معطيات وبيانات إحصائية  تكسر الحصار المفروض على هذا الملف وتشعباته. كما تمنّى على الوزيرين  حاصباني وبارود والنائب ضاهر إفادة الحضور من تجاربهم لبلورة خطة العمل على المستوى التشريعي والقضائي والإجرائي.

*كلمة مدير الحلقة المستشار الدولي العميد د. فضل ضاهر* : 
ربط مدير الحلقة في كلمته  بين المآسي والأوضاع الكارثية التي لحقت بالسواد الأعظم من الشعب، والقفز فوق القوانين التي تمكن الجناة من تحويلها إلى ضمانات لإفلاتهم من العقاب على ما ارتكبوه من أفعال أو إهمال أو امتناع عن القيام بواجبات، فتسببوا بكوارث لا بد من مساءلتهم بشأنها. ولفت إلى أن استعادة الاموال المنهوبة تشكل ممراً الزاميا لتحقيق أهداف المبادرة الفرنسية، على النحو الذي تطمح لإسناده وتوثيقه حلقة النقاش العلمية هذه، تمهيداً لمعاقبة الفاسدين والمفسدين واستعادة هذه الاموال، معتبراً أفعالهم جرائم منظمة ضد الانسانية قياساً على خطورة نتائجها الكارثية  على الشعب اختار ركوب قوارب الموت هربا من الفقر والإذلال وامتهان كرامته وانتهاك حقوقه كانسان بصورة متعمدة فاضحة وفاجرة. وأكد أن آليات ومستلزمات استعادة الاموال المنهوبة هي متوفرة، على المستويين الداخلي والخارجي. وعلينا تحويل الأدلة المتوفرة الى قضية رأي عام نحملها الى اقاصي الدنيا لإنقاذ الوطن والشعب.
وفي إشارة إلى الآليات الدولية ذكّر د. ضاهر بالاتفاقية الدولية لمكافحة الفساد التي اقرت في ٣١ / ١٠ / ٢٠٠٣ وانضم اليها لبنان خلال ٢٠٠٨. كذلك ذكّر باتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية، وبما اوجبته من عدم جواز التذرع بالسرية المصرفية في اطار التعاون الدولي ، وبما اوجبته من تأطير  لإجراءات التعاون الدولي لأغراض المصادرة، والتي تعززت لاحقا بإجراءات التعاون الخاص بالمواد ٣٠ و ٣١ من اتفاقية الفساد  الدولية.  وتجريم عرقلة سير العدالة أياً يكن المرتكب، وتفصيل لأساليب التحري الخاصة، التي  يقتضي توفيرها لوحدة التقصي والاشراف المالي.
وأضاف أن لبنان ترجم التزامه بأحكام هاتين الاتفاقيتين، تباعا بصدور القانون ٣١٨/٢٠٠١ وتعديلاته التي أضافت الفساد الى الجرائم الاصلية المشمولة بالقانون. ثم بقانون مكافحة تبييض الاموال وتمويل الارهاب رقم ٤٤/٢٠١٥ الذي حدد  في مادته الاولى المفهوم القانوني الشامل لمصطلح الأموال غير المشروعة المتحصلة من ٢١ فعلا مجرّما تم تعدادها في هذه المادة ومن بينها استغلال المعلومات وافشاء الاسرار وعرقلة حرية البيوع بالمزايدة والمضاربات غير المشروعة، والفساد والرشوة وصرف النفوذ والاختلاس واستثمار الوظيفة واساءة استعمال السلطة والاثراء غير المشروع، والسرقة واساءة الائتمان والاختلاس والاحتيال والافلاس الاحتيالي، الابتزاز والتهرب الضريبي،…
نتيجة التزام لبنان بالاتفاقيات الدولية ذات العلاقة، ولدت هيئة التحقيق الخاصة، غير أن تشكيلها جاء خلافاً لأحكام قانون النقد والتسليف، بحيث تقتضي أولويات اية خطة عمل لاسترجاع الاموال المنهوبة، تصحيح الفقرة الاولى من المادة السادسة من القانون ٤٤/٢٠١٥، استجابة لمستلزمات ضمان  استقلالية الهيئة كي تحقق الغاية التي انشئت لأجلها، في ضوء المواد ذات العلاقة من اتفاقية باليرمو لعام ٢٠٠٠.
وقد اعتبر د. ضاهر أن ما يثيره سلوك هذه الهيئة من شكوك وغرابة يدفع الى الشك بنزاهتها، …،  الامر الذي يرتب مسؤولية جسيمة على اللجان البرلمانية المختصة وعلى سائر الهيئات الرقابية المعنية وذات الصلة.

*الخبير الإقتصادي د.إيلي يشوعي*
بعد عرض المعطيات والإحصاءات الرقمية المتوفرة لديه، أشار إلى وجود تكتّم  حول الأرقام والبيانات والإحصاءات التي يصدرها المصرف المركزي، الأمر الذي يبعث على القلق والريبة والشك بإمكانية ان يكون هناك تلاعب كبير واخفاء مُتعمّد لمعظم تلك البيانات، للتعتيم على الهدر والفساد الذي يطال كل القيّمين على هذا الملف.  وأضاف أنه بحسب التقرير السنوي  لجمعية المصارف الصادر آخر ٢٠١٩ وبيانات البنك الدولي حول النظام المصرفي والمالية العامة في لبنان، فإنّ مجموع الودائع في المصارف اللبنانية بالدولار الأميركي هو ٩٣ مليار دولار، توزّعت استعمالاتها على الشكل التالي: ١٥ %  احتياطي الزامي، أي ١٤ مليار دولار، و ٣١ مليار دولار ديون على القطاع الخاص بالدولار الاميركي، و١٤ مليار دولار ديون على القطاع العام بالدولار الاميركي "يورو بوند"، وأن مجموع هذه الاستعمالات هو ٥٩ مليار دولار. وبالتالي هناك ٣٣ مليار دولار من الودائع  "مُتبخّرة" او "مجهولة المصير والوجهة". وتابع أنه بين تشرين الأول ٢٠١٩ وتشرين الأول ٢٠٢٠ سحب خارج المصارف ٨ مليارات دولار. فيكون مجموع الأموال المفقودة أو المُحوّلة هو ٣٨ مليار دولار، وأن الدين العام الإجمالي نهاية ٢٠١٩ بلغ حوالي ٩٥ مليار دولار: مُوزّعة  بين عدّة دائنين منها ٣٥ مليار دولار ديون على القطاع الخاص تتوزع بين ٢١ مليار دولار إلى الخارج و ١٤ مليار دولار للمصارف واليورو بوند، وأن التحقيق في الأموال الضائعة والمُحوّلة من المّمكن أن يسلك عدّة طرق منها القنوات القضائية اللبنانية، تطبيقاً مثلاً للاتفاق الدولي للأمم المتحدة من أجل مكافحة الفساد الموقع عليه لبنانياً في ٢٠٠٩ ، لكن الامل ضعيف في تحقيق اي شيء في هذا المجال. ومن الممكن ايضاً   التوجّه الى الخارج والى كل دولة كبرى لديها "قانون عقوبات بالنسبة للجرائم الدولية" مثل الإتّجار بالمخدرات المهلوسة، أو تمويل الإرهاب او تبييض الاموال او التعدّي على حقوق الانسان او قوانين مكافحة الأسلحة الكيماوية والبيولوجية والنووية وقوانين السطو على الخزائن المركزية للدول وعلى أموال مودعي تلك الدول… وعلى سبيل المثال فإنّه من المُمكن التواصل مع الحكومة الأميركية ووزارة الخزانة الاميركية، التي لديها هكذا امكانيات لمعاقبة الناهبين للمال العام والخاص بهذه التهم،  وكذلك للأمم المتحدة من خلال صلاحيتها بفرض عقوبات من دون اللجوء الى القوة العسكرية. كذلك يمكن الاتجاه الى معظم دول  الاتحاد الاوروبي التي من الممكن  ان تفرض ايضاً هكذا عقوبات. 
وفي معرض حديثه عن القنوات القضائية اللبنانية الى اهمية التعديلات الاخيرة لقانون الإثراء غير المشروع ولمظاهر الثروة،  غير أن كل ذلك غير كافٍ لأن المنظومة  السياسية الموجودة في لبنان غير جادّة في محاولاتها محاربة الفساد والهدر ولاسترجاع الأموال المنهوبة.

*المحامي والخبير القانوني الدولي في الشؤون المصرفية  د. علي زبيب:*
افتتح د. زبيب كلمته بالتأكيد بأن الهدف الرئيسي هو ليس استبدال القضاء المحلي بالقضاء الدولي او بالآليات الدولية. ‏واوضح أنه يتم تهريب مبالغ كبيرة من لبنان إلى الخارج بهدف إيجاد ملاذ آمن لهذه الأموال. ‏وذكَّر بالوعود التي اطلقها رئيس الجمهورية اللبنانية قبيل بداية الأزمة حيث وعد اللبنانيين باستعادة جميع الاموال المنهوبة كما أقترح إجراء محكمة خاصة بالجرائم على المال العام و استرداد الأموال المنهوبة .‏ثم أشار  زبيب إلى وثائق ويكيليكس وبناما ليكس لكونها فضحت حسابات مسؤولين لبنانيين ورجال أعمال ومصرفيين وشركاء في مشاريع في الحكومات المتعاقبة لناحية وجود حسابات لديهم في المصارف في الخارج، ولكن لم  يتحرك القضاء لمساءلة هؤلاء ولم يتم اجراء اي تعقب او تحقيق تجاههم. ثم انتقل زبيب إلى شرح الآليات والقوانين الدولية المتعلقة باستعادة الأموال المنهوبة، وأكد بأن البداية لا بد ان تكون من لبنان عبر هيئة التحقيق الخاصة، والتي لا تقوم بدورها بالشكل المطلوب، ومن ثم استعرض الآليات بدءاً باتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد (UNCAC) ، والتي انضم إليها لبنان العام ٢٠٠٩، وتنص على إرجاع الموجودات والتصرف بها، وشرح خطواتها الثلاث الأساسية. من ثم انتقل إلى شرح مبادرة البنك الدولي المشتركة مع مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة STAR – STolen Asset Recovery ، والتي تهدف إلى تعزيز الجهود الدولية لاستعادة الأموال المنهوبة وآلية تحصيلها. واستعرض عدداً من التجارب الناجحة للدول. بعد ذلك عرض د. زبيب عملية المساومةPlea Bargaining ، التي تقوم على التفاوض مع المُختلس لإرجاع الأموال والخروج من الحياة السياسية مقابل ضمان عدم الملاحقة القضائية. وفي مقاربته لموضوع التدقيق الجنائي اتهم د. زبيب الدولة والمصرف المركزي والقضاء بالتقصير. وأطلق عليهم تسمية الثالوث غير المقدس، وأكّد انه قام شخصياً بالتنبيه من خطورة المادة ١٥١ نقد وتسليف كونها تعيق عملية التدقيق الجنائي المالي، ولكن لم يجد آذاناً صاغية.
وختم زبيب بأهمية حكم القانون، وتعديل قانون النقد والتسليف، وتطبيق القوانين المتعلقة بمكافحة الفساد عبر قضاة مستقلين.

*مداخلة المحامي ربيع الشاعر*
شملت مداخلة المحامي الشاعر إجاباته على الأسئلة المطروحة. وقد ذكّر، بنصوص مواد من الاعلان العالمي لحقوق الانسان، تتعلق  بحق الفرد في الحياة والحرية والأمان على شخصه، وعدم  جواز إخضاع أحد للتعذيب ولا للمعاملة أو العقوّبة القاسية أو اللاإنسانية أو الحاطّة بالكرامة والحق في الضمان الاجتماعي، وبمستوى معيشة يكفي لضمان الصحة والرفاهة له ولأسرته، بما فيه المأكل والملبس والمسكن والعناية الطبية والخدمات الاجتماعية الضرورية، وبالأمان من الغوائل في حالات البطالة أو المرض أو العجز أو الترمل أو الشيخوخة، أو غير ذلك من الظروف الخارجة عن إرادته والتي تفقده أسباب عيشه.
وأشار المحامي الشاعر إلى ما يتمتع به هذا الإعلان العالمي من قوة توازي القواعد الدستورية، وإلى حقوق الأمومة والطفولة في الرعاية والمساعدة . وأسف لإشكاليتين بمثابة عائقين في مواجهة استرداد الأموال المنهوبة. وكذلك إلى إشكالية ملاحقة رؤساء الجمهورية أو مجلس النواب أو الحكومة، أو أي أو وزير يظهره التحقيق مرتكبا ً بجرم سرقة أموال عامة شريكاً، والتي للأسف تقتضي إجراء تعديل دستوري للمواد ٧٠ و ٧١و ٨٠ الدستور، المتعلقة بالمجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، وتعديل المادتين ٣٩ و ٤٠ من الدستور، المتعلقتين بربط المساءلة بالجرم المشهود. واعتبر الشاعر أن القضاء متخاذل في مواضيع استرداد الأموال المنهوبة ومحاكمة الفاسدين والإثراء غير المشروع. وأبدى ملاحظاته حول التعديلات المستجدة على قانون الإثراء غير المشروع. وتساءل مجيباً عما إذا كان هناك ما يعيق القضاء، من نيابات عامة تمييزية ومالية ومن قضاة تحقيق ومحاكم مختصة، من تطبيق المادة ١٢ من القانون ١٨٩ / ٢٠٢٠ والتي تنص على امكانية تجميد حسابات الموظف العمومي بمفهومه الشامل ولمدة ستة أشهر قابلة للتجديد لمدة مماثلة، أو بوضع إشارات على القيود والسجلات العائدة لأموال منقولة أو غير منقولة لحين صدور حكم مبرم. وكذلك الأمر بالنسبة إلى إلزام المصارف بالإفراج عن أموال المودعين التي استولت عليها ومنعت التحويل منها إلى الخارج.
واعتبر أن كل تأخير في هذا المجال هو تواطؤ مكشوف ومشبوه وتغطية لأكبر عملية احتيال على أموال اللبنانيين. وأن تعاميم مصرف لبنان وخاصة التعميم رقم ١٥٤/. ٢٠٢٠ تثير الريبة، لعدم قانونيتها وعدم  دستوريتها. وأن تحويل الأموال الى الخارج هو جرم جزائي ويجب إرغام المودعين على إعادة جزء من هذه التحويلات.  وتساءل الشاعر عما يمنع مصرف لبنان من تفعيل عمل لجنة التحقيق الخاصة وملاحقة أي شخص طبيعي أو معنوي بجرم تبييض الأموال في حال ثبت عليه هذا الجرم. 
وفي معرض الإجابة على سؤال يتعلق بإهمال هيئة التحقيق الخاصة لواجباتها بالنسبة الى ما يتصل باستعادة الاموال المنهوبة, ومدى تطابق النتائج الكارثية التي ترتبت عن هذا الاهمال مع التوصيف القانوني للجرائم المنصوص عليها في المواد ذات العلاقة من قانون العقوبات،  تساءل الشاعر عن مدى استقلالية هيئة التحقيق الخاصة ودستوريتها، لا سيما بالنسبة لبعض أعضائها، وتعارض انتماءاتهم مع مبدأ فصل السلطات. وحول الملابسات التي رافقت التعاقد القسري مع شركة A and M حول التحقيق المالي الجنائي الفني  وما إذا كانت  تشكل عناصر وقائعيّة لمناورات احتيالية هادفة الى تضليل الرأي العام الداخلي والخارجي، دعا  الشاعر إلى عدم الاكتفاء بالتحقيق في عمليات مصرف لبنان، وإنما في عمليات الوزارات والمجالس والصناديق، لا سيما مؤسسة كهرباء لبنان.
وذكّر بالقرار الصادر عن حكومة تصريف الأعمال المتعلق بتدابير آنية لمكافحة الفساد واستعادة الأموال المتأتية عنه، والذي طلب بموجبه من وزير المالية إجراء تدقيق ضريبي يطال جميع الأشخاص الطبيعيين والمعنويين الذين أجروا عقودا أو التزامات مع الادارة، …  هذا فضلاً عن الطلب من محاكم التمييز من الدول الفرنكوفونية مساعدة لبنان على استرداد أمواله المنهوبة.  ودعا إلى انتظار كيفية تطبيق الحكومة القادمة قوانين مكافحة الفساد أو تطويرها. وأخيراً تمنى الشاعر أن يسمع بقاض أو موظف يقف بشجاعة بوجه الفساد والصفقات المشبوهة وسرقة الأموال العامة، أو بضابط واحد أن يضبط مكالمة لسياسي يطلب منه فيها خرق القانون. 

*مداخلة النائب ميشال ضاهر*
بالنسبة إلى خطة العمل وعلى المستوى الاجرائي، أكد النائب ضاهر على أهمية استقلالية السلطة القضائية وتطبيق القوانين النافذة حالياً، وأنّ التذرّع بالحاجة إلى إقرار قانون خاص باستعادة الاموال المنهوبة، لا يجب أن يشكل حائلاً دون المباشرة في محاكمة الفاسدين. وأضاف أنه لا يرى في الوقع الحالي نيّة حقيقية لدى الدولة اللبنانية لاستعادة الاموال المنهوبة، ولن تكون لديها النيّة اصلاً في حال الاستمرار في السياسة المعتمدة حالياً، فالقوانين، بما فيها قانون مكافحة تبييض الاموال وتمويل الارهاب وقانون الاثراء غير المشروع وقانون العقوبات وقانون الاجازة للحكومة الانضمام إلى اتفاقية الأُمم المتحدة لمكافحة الفساد،…، النافذة حالياً، كافية بحدّ ذاتها والى حدّ كبير لمحاكمة الفاسدين واستعادة الاموال المسروقة والمنهوبة، وينبغي بالتالي تفعيل دور المحاكم اللبنانية واجهزة الرقابة والتأكيد على استقلالية السلطة القضائية من خلال اقرار التشكيلات القضائية بأسرع وقت وابعاد التجاذبات السياسية عنها.
وقبل القاء اللوم على الغير او التذرّع بوجود نقص في القوانين، تساءل النائب ضاهر عما إذا  تمّ يوماً اتخاذ اي اجراء جدي لاستعادة الاموال المنهوبة او حتى توجيه مراسلة او اصدار اي طلب رسمي للمساعدة القانونية لأية جهة في سويسرا، او غيرها من البلدان، بخصوص استعادة الاموال المنهوبة.
وعن التطبيقات العملية في بعض الدول، رأى ضاهر انّ استعادة الاموال المنهوبة هي عملية شائكة ومعقدة وتستغرق سنوات عديدة في بعض الاحيان، ولكنّها غير مستحيلة، نذكر منها على سبيل المثال:
تجربة نيجيريا: تم ّ استرداد حوالي ١.٢  مليار دولار من الاموال المنهوبة من قبل نظام الجنرال ساني اباتشان،  استردادها من عدة بلدان (سويسرا، بلجيكا، المملكة المتحدة ولوكسمبورغ)
تجربة بيرو: تمّ استرداد حوالي ١٤٠ مليون دولار من الاموال المنهوبة من قبل الرئيس السابق للاستخبارات والمستشار الرئاسي فلاديميرو مونتيسينوس، وتمّ استردادها معظمها من سويسرا
تجربة الفيليبين: تمّ استرداد حوالي ٦٨٣ مليون دولار من الاموال المنهوبة من قبل الدكتاتور السابق فرديناند ماركوس، وتمّ استردادها من سويسرا.
وعن الإجراءات الإضافية الواجب اتخاذها، عدّد ضاهر اقرار قانون استقلالية السلطة القضائية وغيرها من القوانين الضرورية لاستعادة الاموال المنهوبة، والتوقيع على معاهدات واتفاقيات مع جهات ودول اجنبية من اجل تفعيل آلية الرقابة والمحاسبة وتكثيف الجهود في طلب المساعدة القانونية، وإنشاء صندوق وطني لإدارة الاموال المنهوبة المستردة. ودعا إلى إلغاء قانون السريّة المصرفية.
وفيما رأى ضاهر أنّ الغاية الاساسية من اقرار قانون السرية المصرفية في العام ١٩٥٦ كان استقطاب رؤوس الاموال الاجنبية الى لبنانـ وبصورة خاصة رساميل الدول العربية، وهذه الغاية انتفت حالياً، وباتت السرية المصرفية تشكّل عائقاً امام مكافحة جرائم الفساد وتبيض الاموال واستعادة الاموال المنهوبة وتحول دون امكانية معرفة مصدر الودائع الموجودة في المصارف، وأن اصبح يشكّل نوعاً من الحماية القانونية للمجرمين. وأن الحلّ يقتضي الغاء هذا القانون. وأعلن النائب أنه بتاريخ ٤ آذار ٢٠٢٠  تقدّم باقتراح قانون معجّل مكرّر يرمي الى الغاء السرية المصرفية.
وبالنسبة إلى  قانون الاثراء غير المشروع، أشار ضاهر إلى التعديلات الايجابية التي تم إدخالها  مؤخراً على قانون الاثراء غير المشروع وسهّلت إمكانية الملاحقة ووسّعت مفهوم الموظف العمومي، واعفت الشاكي من تقديم كفالة (كانت ٢٥ مليون ل.ل. مع غرامة في حال رد الدعوى)، وألغت مرور الزمن على الجرم. فضلاً عن تعريف جرم الاثراء غير المشروع خارجاً عن مفهوم الاخلال بالواجبات وخاضعاً بالتالي لاختصاص القضاء العدلي، وبقيت مسألة ملاحقة النواب والوزراء موضوع مناقشة قانونية. وعبّر عن اعتقاده بأنّ الحصانات المنصوص عليها في الدستور ليس من شأنها ان تحول دون امكانية المحاسبة في حال اعتمدنا المنطق القانوني السليم، علماً انّ الوقت الحالي ليس مناسباً لفتح المجال امام تعديلات دستورية قد تكون في غير محلّها. وذكّر بأن المادتين  ٣٩ و٤٠ من الدستور تتعلقان بحصانة النائب اثناء مدة ولايته عن الدعوى المتعلقة بالآراء والافكار التي يبديها، مع عدم امكانية اتخاذ اية اجراءات جزائية بحق النائب او القاء القبض عليه عند اقترافه جرماً جزائياً اثناء دورة الانعقاد، إلا في حالة الجرم المشهود ، وانّ المادة ٧٠ من الدستور تجيز لمجلس النواب اتهام رئيس مجلس الوزراء والوزراء في حال ارتكابهم الخيانة لعظمى أو الاخلال بالموجبات المتربة عليهم، واي المتعلٌقة بالطبيعة السياسية لعمل الوزير. وأن محاكمتهم تجري أمام المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، دون أن تحميهم من المساءلة عند ارتكابهم الجرائم العادية او لمخالفتهم قانون الاثراء غير المشروع، بحيث يبقى القضاء العادي هو المختص.
وختم ضاهر بالقول: "حيث هناك إرادة يكون هناك طريق Where there’s a will there’s a way.

*نص مداخلة الدكتور غسان حاصباني* :
إن أحد عوامل نجاح عملية استرداد الأموال المنهوبة هو استقلالية وتكوين هيئة التحقيق الخاصة وإخضاعها لمبدأ التمانع، أي بعدم ترأس أو عضوية من قد يكون هدفًا للتحقيق بما فيهم الموظفين والسياسيين الحاليين أو السابقين أو حتى قضاة ومدعين عامين.  فالأجدى أن تضم خبراء في التدقيق والقانون على مستوى دولي ويتم اختيارهم بآلية شفافة وعلمية. وبحسب المعايير الدولية، لا يجوز ان يرأسها حاكم المصرف المركزي أو أن يكون فيها قضاة يمارسون عملهم خلال فترة عضويتهم.
استعادة الأموال المنهوبة مسار طويل ومعقد يتطلب تكامل العمل بمنظومة قانونية واجرائية هرمية تبدأ بتطبيق كامل للقوانين والاجراءات الحالية المتاحة حجر الأساس فيها هو قانون العقوبات الذي يعاقب على جرائم الوظيفة، وبعده قانون الإثراء غير المشروع، حيث عبئ اثبات شرعية زيادة الأموال على شاغل الموقع العام، كما قانون مكافحة الفساد الذي نص على انشاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد ولم تشكل حتى اليوم، وأكثرية أعضائها من المنتخبين مما يعزز من استقلاليتها. كما ان قانون رفع السرية المصرفية الذي أقر في مجلس النواب يخول الهيئة بأن ترفع السرية المصرفية عن الأشخاص المعرضين سياسيا.
لكن اضافة الى هذه المنظومة، ما زلنا بحاجة الى انشاء صندوق خاص لإدارة الأموال المنهوبة المستعادة لأن هذه الأموال عادة لا تعاد الى خزينة الدولة الطالبة بل الى صندوق مستقل يدار بشفافية.  كما انه من الواجب تعديل النصوص وتوسيع صلاحيات هيئة التحقيق الخاصة واستقلاليتها من خلال تقديم مشروع قانون لهذا الغرض.

*الوزير السابق زياد بارود:*
أرسل ملاحظات خطيّة دعا فيها إلى الخروج من التعابير المُستهلكة في موضوع استعادة الاموال المنهوبة والمهرّبة، واللجوء الى كافة اشكال الضغط الفعلي والفعّال في التشريع والقضاء والاعلام والشارع على السواء. وأكد على الحاجة إلى قوانين جديدة لتدعيم وتطوير القوانين القائمة. ولكن بالانتظار علينا ان  نفعّل هذه التشريعات والقنوات الادارية والقضائية المتوفرة، والتي يعتبر الكثير من الخبراء انها كافية. اما في موضوع التحويلات التي حصلت بعد ١٧ /١٠/ ٢٠١٩، فتساءل لماذا العودة الى ١ تموز ٢٠١٧ بمفعول رجعي (التعميم ١٥٤ الصادر عن حاكم مصرف لبنان) لاسترداد ١٥% و٣٠% بدل تطبيق القانون ٤٤/ ٢٠١٥ لاستعادة ١٠٠% من الاموال المشبوهة المُحوّلة؟ ولماذا لا يتمّ التركيز ايضاً على تحويلات ما بعد ١٧ ت١ ٢٠١٩؟  وعن رأيه القضاء اللبناني اعتبر أنه، مهما قيل فيه، فإنه يبقى الضمانة الأساسية لوضع القطار على السكّة الطبيعية،  وإنما بعد إطلاق يده وتحريره من قبضة السياسيين.
وانتهى بارود بأن التعاون الدولي مُمكن وثمّة خطوات تطبيقية وعملية في هذا البحث الذي يستدعي التشاور مع الأصدقاء في الخارج بشأن هذا  الموضوع الحسّاس، وأنه خالياً على تواصل مع احد أهمّ المُحامين الدوليين في هذا المجال وسيكمل مشاوراته في الأيام القادمة.


وفي ختام الورشة، شكر منسق الملتقى الدكتور طلال حمّود الجميع لمساهماتهم القيمة ومداخلاتهم على أن يتم متابعة التوصيات المنبثقة عن هذه الحلقة العلمية البحثية في لجنة المتابعة لاحقا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى