سياسةمحليات لبنانية

إلغاء الطائفية السياسية ضروري لإستعادة الدولة المخطوفة والبناء على أسس متينة

 


د. علي فاعور- الحوارنيوز خاص*

يبدو أن وباء الطائفية السياسية قد بات اليوم الملاذ الآمن لحماية الفساد والمحاصصة، وهو أشد خطراً على الدولة من فيروس كورونا..

وكلما حصلت محاولة لفتح ملفات الأموال المنهوبة والمهربة، أو محاسبة أحد السياسيين.. ترتفع الحواجز الطائفية والسياسية لمنع  التقدم نحو محميات الفساد، حيث تنتفض رموز الفساد الحكومي تساندها بعض المرجعيات الدينية، لترسم الخطوط الحمراء، وتضع العراقيل، وتؤمن الغطاء اللازم لحماية الفاسدين.

بين سقوط الحكومة وإزاحة الحاكم

وهذا ما حصل بعد جلسة مجلس الوزراء في بعبدا يوم الجمعة بتاريخ 24 نيسان،  وبعد كلمة رئيس الحكومة الدكتور حسان دياب الذي تحدث فيها عن الإنهيار المالي وتدهور سعر صرف الليرة بشكل مريب في السوق السوداء، حيث تتعامل الحكومة بواقعية مع "الثقب المالي الأسود في لبنان"، وذلك لمواجهة التصدّعات الاقتصادية، وتراكم الديون، والأزمات الاجتماعية والمعيشية التي تتعمّق، وفي ظلّ ضعف الثقة، داخلياً وخارجياً، بالدولة اللبنانية. وطالب بالمزيد من الصراحة والشفافية في كشف الأرقام والحقائق ومصارحة اللبنانيين بعد أن تبخرت التطمينات السابقة لحاكم مصرف لبنان، حيث يعيش الناس في قلق كبير على لقمة العيش، وجنى العمر بعد أن تبخرت الرواتب..
كما أكد أن الحكومة ستكون مظلة متينة لورشة مكافحة الفساد، و كشف عن ثمانية قرارات حكومية تتم مناقشتها، وتتضمن تفعيل التحقيق الضريبي الداخلي والخارجي على مختلف المستويات لجميع الأشخاص الذين تعاملوا مع الدولة او المؤسسات العامة او البلديات، وإجراء مسح شامل حول مظاهر الثروة العائدة لجميع الشخصيات  التي شغلت مناصب وزارية ونيابية وأفراد عائلاتهم، ثم تفعيل الرقابة المؤخرة لديوان المحاسبة..
  
بل ولأنها المرة الأولى منذ 27 سنة، تاريخ تعيين حاكم مصرف لبنان عام 1993، والذي يحتل الموقع الأول في هندسة السياسات المالية والنقدية في لبنان، وعلى لسان رئيس الحكومة من على منبر رئاسة الجمهورية في بعبدا، وبصراحة غير مسبوقة، تتم فيها مكاشفة اللبنانيين حول وجود فجوات كبرى في مصرف لبنان والخسائر المتراكمة في مالية الدولة بعد الهندسات المالية الأخيرة، بل أن الكلام الذي صدر عن رئيس الحكومة الدكتور حسان دياب بالأمس حول إنهيار الليرة والمالية، يكفي وحده لإزاحة جبل من مكانه ..

وهذا ما إستدعى التحرك المضاد على الفور، لتأمين الحصانة الدينية ومنع المساءلة، وحشد الإستنفار السياسي والطائفي وبخاصة من قبل رؤساء الحكومة السابقين، وبعض الوزراء، والمرجعيات الكبرى في الطوائف، ورجال المال، ورأى البعض أنها محاولة لتغيير النظام الإقتصادي الحر، والبعض الآخرأنها تستهدف "السنية السياسية"، كما تحركت القوى السياسية للرد على هذه المواقف التي إعتبرتها بمثابة إنقلاب على المعادلات والسياسات التي كانت معتمدة طيلة الفترة السابقة.. سيّما وأن جدول أعمال مجلس الوزراء المنتظر يتضمن إتخاذ قرارات لمكافحة الفساد، كما وأن الخطة الإقتصادية الإصلاحية للحكومة سوف تبصر النور خلال الايام القادمة.

إذا كانت كلمة رئبس الحكومة في بعبدا قد إنتهت بنص من الآية الكريمة " وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ"، وبعد أن وافق مجلس النواب على مشروع "قانون مكافحة الفساد في القطاع العام وإنشاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد"؛
فقد بدا لافتاً للجميع الإستنفار الكبير في دار الفتوى، والبطريركية المارونية، لمؤازرة حاكمية مصرف لبنان، بعدما أعطى مجلس الوزراء الضوء الاخضر للبدء بتدقيق حسابات المركزي، وإعتبارما تتعرض الحاكمية "كمحاولة لتغيير وجه لبنان"….
بينما لم تحصل أي مبادرة سابقة طيلة الأشهر الماضية للدفاع عن أموال المودعين المحتجزة في المصارف، أوحتى التضامن مع الأسر الفقيرة في البحث عن لقمة العيش بينما يتزايد عدد المشردين والفقراء وترتفع معدلات البطالة وتزداد المخاوف حول الأمن الإجتماعي.

لقد فاجأت مواقف رئيس الحكومة الجميع عندما قال لاحقاً في المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي:" فعليا، ليس لدينا ما يسمى دولة عميقة تمثل فكرة الدولة"..  سيّما وأنها المرة الأولى التي يتحدث فيها بعد 73 يوما على نيل الحكومة ثقة مجلس النواب.. وكذلك بعد يومين من جلسة نيابية انعقدت في قصر الأونيسكو في 21 نيسان وذلك بعد مضي أكثر من ستّة اشهر لم تنعقد خلالها أي جلسة للبرلمان منذ إنتفاضة 17 تشرين الأول 2019، حيث تكشف عن وجود 73 مشروع قانون طرحت للبحث ونوقشت بسرعة على مدى يومين، وكانت المفاجأة فيها تعطيل التصويت على القضايا التي تبناها معظم السياسيين سابقاً، والتي تعتبر محور محاربة الفساد، وتضم رفع السرية المصرفية عن السياسيين والوزراء، وإسترداد الأموال المنهوبة، وتعديلات على قانون الإثراء غير المشروع، حيث تمت إحالتها للدرس في اللجان النيابية.
كما كان صادما للجميع وبخاصة لأعضاء الحكومة تطيير النصاب قبل التصويت على قانون يتم بموجبه تخصيص مبلغ 1200 مليار ليرة لشبكة الأمان الإجتماعي، كمحاولة لمساعدة الفئات الضعيفة من الشعب، والمتضررة من تداعيات أزمة وباء "كورونا". حيث انسحبت الكتل النيابية الكبرى قبل مناقشة الموضوع، الذي تأجل لأسباب شكلية، بينما على الأرض، تتفاقم الأزمات المعيشية الناجمة عن مفاعيل التعبئة العامّة والبطالة والمرض والجوع… وحيث تبيّن بوضوح في نهاية الجلسة عدم التضامن بين أكثرية مكونات الكتل النيابية وبين أعضاء الحكومة التي تتحرك لتأمين الرغيف ودعم الدواء وتخوض حالة مواجهة إستثنائية لمنع إنتشار فيروس كورونا، وتأمين عودة المغتربين، وبخاصة الطلاب في الخارج، والتي تفاجأت بعدم التجاوب معها،حيث يتوجب الإسراع في توصيل الدعم للفئات الضعيفة من السكان، ممن فقدوا أعمالهم، وبخاصة المياومين والعاملين في القطاع الهامشي وغير المنظم، الذين توقفت موارد رزقهم.. ما يساعد في تفادي الإنفجار الإجتماعي قبل حدوثه. إنها حرب مالية واضحة تستهدف معيشة اللبنانيين، وهي تكاد تكون الأقسى منذ الحرب اللبنانية الأخيرة قبل ثلاثة عقود.

إلغاء الطائفية السياسية وتأكيد العيش المشترك

هكذا يتبيّن أن الطائفية السياسية برموزها وأشكالها، ومرجعياتها في الحكم، هي الملاذ الآمن للفساد والتهرب من المساءلة، وهي التي تمثل اليوم "علة لبنان"، كما وأن الحوادث السابقة قد بيّنت، أنها كانت على الدوام نقيض الديموقراطية، والعائق الأساسي في تطبيق العدالة والمواطنية، وهي قد تقاسمت مؤسسات الدولة، والمواقع الإدارية الكبرى فيها، وحوّلتها إلى محميات طائفية لا تخضع للمحاسبة.
وبعد مرور أكثر من 30 سنة على توقيع "إتفاقية الطائف" التي تنص على إلغاء الطائفية السياسية، وحتى تاريخه فقد تم تجاوز البنود المتعلقة بإلغاء النظام الطائفي، وباتت المرحلة الإنتقالية مرحلة دائمة، مما يتناقض مع مصلحة الوطن ويشكل إنتهاكاً لجوهر الإتفاقية، فقد شكلت الطائفية وسيلة للإقطاع السياسي لضمان الحفاظ على مصالحه وإمتيازاته، كما تكرَّس الحكم الطائفي من خلال المحاصصة الطائفية والمذهبية بين أمراء الحرب بحجة تمثيل الطوائف، وبات دستور لبنان السياسي الفعلي منذ عام 1992 تحت سلطة زعماء الطوائف، الذين تحالفوا مع رجال الأعمال والمال باسم الميثاقية، دون اعتبار لأي منطق دستوري وقانوني في إدارة الدولة التي باتت أسيرة توازنات وحصص يغلب عليها دائما مصلحة الطائفة على حساب مصلحة المواطن والدولة، مما حال دون قيام دولة القانون والعدالة والمؤسسات، وأدى  إلى إنتشار الفساد وتعطيل الدولة بالكامل.
وبدل أن يتم تعزيز الإنتماء الوطني ومبدأ العيش المشترك، وإشعار المواطنين على إختلاف إنتماءاتهم بأن الدولة ترعى شؤونهم، حيث "لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك"، كما ورد في مقدمة وثيقة الوفاق الوطني، إتفاق الطائف ، فقد ترسخت فكرة الإنتماء الطائفي وهيّمنة الزعيم في كل طائفة، حيث يتم توزيع المغانم والمواقع على المحاسيب والأزلام، دون مراعاة للكفاءة والعدالة في المشاركة، وهذا ما أدى إلى صراعات سياسية على توزيع الحصص والمصالح خارج الضوابط التي تنص عليها القوانين والدستور ودون مراعاة المصلحة العامة، مما أدى إلى فراغ في الحكم، وشلل في المؤسسات الدستورية وتحجيم الدولة، وإنتشار الفساد..

لقد تعرض النظام السياسي طيلة الفترة الماضية الى تعميق التناقضات الداخلية نتيجة ممارسات  أدت إلى تعطيل قواعد النظام البرلماني، وإلغاء  دور المؤسسات الدستورية، وتحويل الدولة إلى مزرعة يتقاسم مواردها زعماء الطوائف ليتم توزيعها على المحاسيب والمقربين، بل لقد فشلت الطبقة السياسية التي حكمت البلاد منذ الطائف في إيجاد الحلول للمشاكل السياسية والإقتصادية والإجتماعية، حيث تراكمت الديون الخارجية التي بلغت ما يزيد عن مئة مليار دولار ، ما تسبب بإنهيار الدولة وهيمنة الإقتصاد المتوحش، وإنتشار البطالة والفقر، وأدى إلى إنتفاضة 17 تشرين أول 2020، لتبدأ معها مرحلة جديدة يطالب فيها الشعب بإستعادة سيادته التي كرسها الدستور في الحكم، بحيث يتم تنفيذ ماورد في الطائف لجهة "إلغاء قاعدة التمثيل الطائفي واعتماد الكفاءة والاختصاص في الوظائف العامة والقضاء والمؤسسات العسكرية والأمنية والمؤسسات العامة والمختلطة والمصالح المستقلة وفقاً لمقتضيات الوفاق الوطني، باستثناء وظائف الفئة الأولى فيها وفي ما يعادل الفئة الأولى فيها، وتكون هذه الوظائف مناصفة بين المسيحيين والمسلمين دون تخصيص أية وظيفة لأية طائفة"(الإتفاق االوطني، الطائف ص: 5).

وهذا يتطلب اليوم إحياء النظام البرلماني لإعادة التوازن وتأمين المشاركة الحقيقية، وتجاوز الأزمات والتعاون بين السلطات  لإعادة بناء الدولة، ذلك أن  "الشعب مصدر السلطات وصاحب السیادة یمارسها عبر المؤسسات الدستوریة" (كما ورد أيضاً في مقدمة إتفاق الطائف ، حيث المطلوب في حل النزاع السياسي الإحتكام إلى الشعب دون الحاجة إلى توافق الزعماء كما يتم في لبنان على قاعدة الميثاقية، وفي حال عدم التوافق يتم شلل المؤسسات ويستمر الفراغ كما يحدث بإستمرار حيث تؤدي المواجهات السياسية إلى تعطيل المرافق العامة وأحيانا إنهيار الدولة.
بحيث أن الفساد الحكومي والعجز السياسي الطائفي يدفع المواطن معظم الأحيان إلى الدخول في دهاليز الإنتماءات الطائفية والمذهبية التي تخدم منفعة السياسيين أو رجال الدين وتحول دون تكوين حراك سياسي منظم وعابر للطوائف والمناطق لقلب التوازنات القائمة وإلغاء نظام المحاصصة، وتحقيق التغيير المطلوب.

خلاصة عامة
إن مهمة بناء الدولة، لا تبدو مستحيلة، كما تؤكد كافة التجارب الناجحة، لكنها لا تستقيم بمحاربة الفساد الإقتصادي وتحقيق الإصلاحات المالية والإدارية فقط، برغم الحاجة لها، بل هي تستوجب وضع خطة إصلاح شاملة لتطهير كافة مرافق الدولة، وتحصين المجتمع برفع الأيدي التي تعطل الشفافية وتمسك بقرار الحكم، وتفعيل الرقابة والمحاسبة من دون تدخل أو خطوط حمر، أو مظلات لتحييد اللأزلام، وتغيير النهج المرتكز إلى المحاصصة الطائفية في النظام، بإعتبار أن "النظام قائم على الفصل بين السلطات وتوازنها وتعاونها"(كما ورد في مقدة إتفاق الطائف)..
وهي مهمة تبدو صعبة في مواجهة الفساد المنتشرعبر شبكات توسعت وتغلغت في مفاصل الدولة اللبنانية منذ قرابة ثلاثة عقود، لكنها تبقى ممكنة  لوقف التدهور الحاصل قبل الإنفجار الإجتماعي وقبل فوات الآوان.
  إنها لحظة تاريخية ينتظرها اللبنانيون لإسترجاع دولتهم المخطوفة، وإستعادة أبنائهم الذين تهجروا في مختلف بقاع العالم.. وهم اليوم في لحظة الحقيقة، لتفادي الخطر الذي يلاحقهم، يناشدون الدولة لإستعادتهم وإنقاذهم من الوباء العالمي..

*أستاذ الجغرافيا ورئيس مركز السكان والتنمية.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى