رأي

أزمات لبنان القديمة الجديدة(حيدر شومان)

حيدر شومان

الأزمات المتصاعدة التي يعاني منها اللبنانيون منذ أمد بعيد والتي تجلت أكبر مصاديقها منذ تسلّم العماد ميشال عون سدّة الرئاسة، هي وإن كانت للأشخاص أدوار هامة في تفاقمها وحدّتها، وخصوصاً الطبقة السياسية الحاكمة، إلا أن التاريخ اللبناني المعاصر يؤكد بما لا يدع للشك أن ليس لهؤلاء الأشخاص الدور الأساس العام (وإن كانوا يستغلون الأوضاع العامة من أجل مصالحهم الضيقة)، ولا للزمان والمكان المعينين.

فمنذ تأسيس كيان هذا البلد الصغير وتنوعه الفسيفسائي في طوائفه والمذاهب يشهد أزمات متتابعة ومتلاحقة تشتد وتخفت حسب اختلاف الأشخاص والظروف القائمة. وعملية إحصاء بسيطة للمشاكل اللبنانية المتكررة منذ استقلاله (بل قبل ذلك) تؤكد أن هناك أزمات في النظام والنصوص والنظرة العامة للكيان اللبناني فيما يتعلّق بأساس وجوده وموقعه وعلاقته بالدول حوله، خصوصاً الكيان الصهيوني. كما اعتاد لبنان أن يُحكَم من خلال الطوائف الممثلة برجال سياسة لا يمتّون عموماً بأية صلة لقيم طوائفهم، وكل منهم يشدّ أزر حزبه (طائفته) من خلال دول إقليمية وغربية كل همّها مصالحها التي كثيراً ما يكون فيها أذى للوطن والمواطنين.

لم يعش لبنان الحياد قط، ولم يسلم من التدويل منذ نشأته، فإن الولاء (الداخلي) عموماً للفرد والجماعة الخاصة المرتبطة بالخارج، ولم يكن -أي الولاء- للوطن والمواطنين والمصلحة العليا العامة.

ولا يُفهم مما سلف تبرئة الطبقة السياسية الحاكمة في هذا الزمان، كما في غير زمان، فإن هذه الطبقة هي المستفيد الأول من نظام كهذا ونصوص كهذه التي تسهّل أمور الفساد والسرقة والحكم والاضطهاد. فالذي يتربّع على سدّة المسؤولية، أياً كان نوعها: سياسية أو اقتصادية أو مالية أو… يجد دوماً من يوفّر له الحماية من طائفته ورجالاتها، وحزبه ونفوذه، وهؤلاء يرسمون الخطوط الحمراء عندما توجَّه أصابع الاتهام نحو أحدهم بتهمة ما، والأمثلة كثيرة أمامنا ولا داعي لذكرها لوضوحها لدى الجميع.

إن حلَّ أزمات لبنان الحالية والآتية لا تُعالج من خلال تحييده غير الواقعي، ولا من خلال تدويل مريب لأزماته الصعبة، ولكن هذه المشاكل الكارثية، كما نقول دوماً، سببها نظام متهالك، ونصوص قوانين بالية لا توفّر العدالة للمواطنين لأنها تحاول محاكاة الطائفية لا المواطَنة، والطوائف لا المواطنين، والغرائز لا التعقّل، والهروب من الأزمات لا محاولة فرض الحلول.

الكل يتحدث عن الدولة المدنية، وعن العلمنة، وعن إلغاء الطائفية، لكن المحاذير تكمن في التطبيق، حيث الخوف من سيطرة طائفة على أخرى، ومذهب على آخر، وذوبان مجموعة في أخرى، وكأن للعصور الوسطى امتدادها في بلدنا من استغلال الدين وأكثرهم عن الدين بعيدون، واللعب على وتر الاختلاف الحساس لفرض التعصّب والتناحر بين المختلفين، وتهيئة التربة الخصبة للاشتباك والحروب.

لم ينجح لبنان في جمع المواطنين ضمن لواء واحد، وشعار موحّد، وتوجّه مشترك، وليست أسباب المشكلة طبيعة اللبنانيين أو اختلافهم في الدين والانتماء، فالذين خاضوا حربين عالميتين أهلكت عشرات الملايين استطاعوا الاتفاق والتوافق على الرغم من الاختلافات الكبيرة التي تعيشها الدولة الواحدة بين مواطنيها، إذ أن عدم خوض الدساتير والنصوص في كل ما يثير التعصب والتقوقع والاختلاف هو الذي أطفأ نيران الأزمات.

لن يرتاح لبنان طالما تحكمه مثل هذه الدساتير المثيرة لكل خلاف، خصوصاً الطائفي والمذهبي، ولو رحل الرئيس عون وجاء غيره، ولو شكّل الرئيس الحريري حكومة بعد سنة أو سنوات أو شكّلها غيره، ولو جرت انتخابات نيابية مبكرة فإنها لن تنتج نسيجاً مغايراً. كذلك فإن مصائبنا مع كل طبقة سياسية حاكمة أنها لا تريد أن تحدث تغييراً بنيوياً يؤمّن الاستقرار والازدهار والتقدم لأن ذلك يبعدهم عن كراسي السلطة وأمجادها المزعومة.    

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى