إقتصادمحليات لبنانية

وعودٌ تحلّق في سماء عكار.. وأرقامٌ تنتظر الهبوط (عماد عكوش)

 

بقلم د. عماد عكوش – الحوارنيوز

 

عندما تقف اليوم على أطراف مدرج مطار “رينيه معوض” (القليعات) في عكار، لا تسمع سوى صفير الريح في منشآت عسكرية صامتة، ومساحات شاسعة تنتظر من يوقظها من سباتها العميقة. من هذا المكان الجغرافي المنسي في أقصى الشمال اللبناني، تبدأ القصة. قصة ليست مجرد حلم إنمائي، بل هي، لغة الأرقام والوثائق، واحدة من أهم الفرص الاقتصادية والجيوسياسية المتاحة لدولة تبحث عن طريق للخروج من انهيارها المالي.

بين أروقة المكاتب المعنية بملف إعادة الإعمار، تبرز وثيقة حاسمة تقطع الشك باليقين وهي المخطط التوجيهي ودراسة الجدوى الأولية التي أنجزتها شركة “دار الهندسة”. عندما تصفحت هذه الأرقام، وجدت إجابة واضحة على الهاجس الأول ، هذا المطار لن يخطف الأضواء من مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت، بل كُتب له في هذه الوثائق أن يكون “مكملاً لوجستياً وسياحياً”.

تؤكد الدراسة أن الجدوى الاقتصادية الحقيقية تكمن في قدرة هذا المرفق على خلق دورة متكاملة. تخيل معي المشهد طائرات شحن تهبط في القليعات ، لتنقل بضائعها عبر خط بري أو حديدي قصير مباشرة إلى “المنطقة الاقتصادية الخاصة” ومرفأ طرابلس . نحن هنا نتحدث عن نواة لمركز لوجستي إقليمي متكامل ، وليس مجرد مدرج إضافي.

لكن الانتقال من الورق إلى الواقع يصطدم بحقيقة البنية التحتية . المطار بشكله الحالي هو قاعدة عسكرية ، وتنقصه صالات الركاب ، وأنظمة الملاحة الحديثة ، ورادارات الطيران المدني.

تشير التقديرات المالية الموثقة إلى أن فاتورة إعادة التأهيل الشاملة (CAPEX) تتراوح بين 150 و300 مليون دولار أميركي . هذا الاستثمار يتطلب جدولاً زمنياً يمتد لنحو اربع سنوات ، مع إمكانية مبشرة ببدء تشغيل جزئي بعد ستة أشهر فقط من إطلاق الأعمال . أما الكلفة التشغيلية السنوية  OPEX)  ) فتُقدر بعشرات الملايين من الدولارات.

هنا يبرز السؤال المالي الأصعب وهو من سيمول هذه الملايين في دولة تعجز خزينتها عن تأمين أبسط الخدمات الأساسية ؟

الجواب يكمن في وثيقة شراكة استراتيجية تُعرف بنظام الاستثمار B.O.T  (البناء، التشغيل، ونقل الملكية). بصفتي مراقباً للسياسات المالية ، أرى في هذا النظام طوق النجاة الوحيد ، والآلية السحرية التي تحمي المال العام وتضمن التنفيذ.

في سردية هذه الدراسة المفترض ان يتقدم مستثمر أو تحالف شركات من القطاع الخاص ليضع الـ 300 مليون دولار كاملة على الطاولة (Zero CAPEX ) لخزينة الدولة  . يتولى هذا المستثمر مهمة البناء والتشغيل، متحملاً كافة المخاطر التجارية . وإذا لم يحقق المطار حركة الركاب المرجوة ، فإن الخسارة تقع في دفاتر الشركة الخاصة ، لا في ميزانية الدولة.

في المقابل، يضمن العقد في حال توقيعه للدولة تدفقاً نقدياً فورياً (Revenue Sharing   )عبر اقتطاع نسبة مئوية من العائدات الإجمالية ، ورسوم عبور الأجواء ، والضرائب. وبعد انقضاء مدة العقد (20 إلى 30 عاماً)، يُختتم هذا المسار المالي بتسليم الدولة اللبنانية مرفقاً دولياً متطوراً، بكامل منشآته، وبشكل مجاني تماماً.

خلف الجداول المالية، تكمن وثيقتان لا يمكن تجاهلهما:

الوثيقة الأولى إنسانية والتي تتمثل في بيانات التنمية التي تسجل في محافظة عكار أعلى معدل فقر في لبنان، متجاوزاً عتبة الـ 62%، مع تدني نسبة المشاركة في سوق العمل إلى 35%. تشغيل المطار سيوفر فوراً بين 300 إلى 600 وظيفة مباشرة (بين مهندسين، وإداريين، وفنيين)، ناهيك عن آلاف الفرص غير المباشرة في محيطه. إنه مشروع لإيقاف نزيف الهجرة.

الوثيقة الثانية دستورية وسياسية وتتمثل في “اتفاق الطائف” الذي نص صراحة على اللامركزية والإنماء المتوازن. علاوة على ذلك، أثبتت الأزمات المتتالية أن حصر الملاحة الجوية بمطار واحد هو انتحار استراتيجي. القليعات هو “الرئة الاحتياطية” التي تمنع عزل لبنان جواً عند أي توتر أمني أو إغلاق قسري في العاصمة.

لا تكتمل هذه السردية دون تسليط الضوء على الزوايا المعتمة. وانطلاقا  من هذه الزوايا أضع علامات تحذير حمراء حول ضرورة الشفافية في تلزيم هذا المشروع . المتربصون بالمال العام كثر، وأي انزلاق نحو إعطاء المستثمر “ضمانات سيادية” تلزم الدولة بدفع تعويضات عند التوقف الأمني ، سيعني تفخيخ الخزينة. كما أن غياب “الهيئة العامة للطيران المدني” كجهة ناظمة سيكلف المشروع مصداقيته الدولية.

قصة مطار القليعات ليست مجرد حبر على ورق، بل هي اختبار حاسم للبنان فهل نترك هذا المدرج مرتعاً للرياح، أم نحوله، بقوة القانون والشراكة والشفافية، إلى بوابة عبور نحو التعافي؟

الملف حالياً في عهدة وزارة الأشغال العامة والنقل التي أعلنت مراراً عن وضع المطار على سكة التحضير وإعداد الملفات ، لكنه لم يترجم إلى “دفتر شروط” مطروح للمزايدة ولم يتم الاعداد لأي مناقصة لغاية اليوم لتشغيله . المرفق لا يزال قاعدة تابعة للجيش اللبناني، وكل ما يُحكى عن تلزيمات أو عقود منجزة هو في إطار التكهنات السياسية وليس الواقع المالي والقانوني ، وما جرى بالامس ليس سوى مهرجان انتخابي في زمن يبحث بعض الساسة عن انجاز فشلوا في تحقيقه في عدة مجالات فرأوا ان يكون في ملف مطار القليعات.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى