المفاوضات المباشرة وضرورة الاحتكام للشعب في القضايا المصيرية (أحمد حوماني)

د. أحمد موسى حوماني – الحوارنيوز
عندما يختلف الساسة في موضوع مصيري على مستوى الوطن أجمع، وعند الوصول إلى مفترق طرق حاسم في تحديد المسار المستقبلي للشعب في أي بلد من البلدان الديمقراطية، يلجأ القادة الأصيلون إلى الشعب لأخذ رأيه، فهو مصدر كل السلطات ورأيه هو الحاسم في الأمور الوطنية الكبرى، لذا نشهد قيام السلطة عادة بإجراء استفتاء عام، تستطلع فيه رأي الشعب حول قضية ما، وعلى أساسه تتخذ القرارات التي تؤثر في مستقبل الناس ومستقبل أولادهم. وهذا ما فعلته بريطانيا عند دخولها وخروجها من الاتحاد الأوروبي، وهذا ما فعلته سويسرا لإجراء تعديلات على الدستور، وما فعلته جنوب السودان للانفصال عن السودان، وما فعله الإمام الخميني لإقرار دستور الجمهورية الإسلامية في إيران بعد انتصار الثورة، وأمثلة ذلك كثيرة في العالم، ولبنان ليس استثناءً عن ذلك.
فالساسة في لبنان يتغنّون دومًا أنه بلد ديمقراطي، وبعضهم يتباهى أنه البلد الوحيد الديمقراطي في العالم العربي – طبعًا هذا غير صحيح – ومع التسليم بما يقولونه، فمن أهم شروط تحقيق الديمقراطية العودة إلى الشعب في القرارات الحساسة والخطيرة، خصوصًا تلك التي تُحدّد مساره السياسي والاقتصادي لعقود مقبلة.
اليوم يقف لبنان على مفترق طرق خطير، وقد يؤدي بصيغة عيشه المتوافق عليها لسنوات طويلة. فتحت عنوان الأمن والسلام اتخذ رئيس الجمهورية، مدعومًا من رئيس الوزراء، قرارًا بالمفاوضات المباشرة مع العدو الصهيوني، وهو قرار لا يحظى بإجماع لبناني، بل يُمكن الاستدلال على عكسه – أي انفراد البعض باتخاذ قرارات تشكّل انقسامًا في المجتمع اللبناني – خصوصًا أن هذه القرارات تترافق مع عدوان صهيوني واسع النطاق على شعب لبنان وأرضه.
وبغض النظر عن النوايا الدافعة لرئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، فإن هذه المفاوضات وما ظهر منها، يبدو أنها تسير ليس فقط في تشريع العدوان الصهيوني على شعب لبنان، بل هي تأخذ لبنان سياسيًا إلى مسار بعيد كل البعد عن تاريخه. بمعنى آخر يُراد للبنان من هذه المفاوضات الالتحاق بالمحور الأمريكي الصهيوني، والابتعاد عن المحور العربي الرسمي، ويراد للبنان أن يكون تابعًا للسياسة الصهيونية في المنطقة، بل ومذعنًا لها.
وكان الأحرى بالسلطة أن تدعو الجامعة العربية للاجتماع والتشاور حول العدوان الصهيوني، والموقف الممكن اتخاذه على الأقل ليكون لها غطاء عربي تستند إليه فيما قد تتوصل إليه في هذه المفاوضات المباشرة، وليس التلطي خلف تصريحات بعض المسؤولين في بعض الدول العربية، أو تأويل أحاديثهم بأنها تدعم هذا المسار التفاوضي الأحاديّ.
وقبل ذلك كان على السلطة الدعوة إلى لقاء أو اجتماع حتى لا نقول حوارًا وطنيًا حول السبيل الأفضل لما يدّعونه عن وقف العدوان، وتحرير الأرض، وعودة الأسرى، وإعادة الإعمار. إن نقاشًا حول هذا الأمر كان ليُعطي المفاوض قوة وسندًا في المفاوضات، ويُمكن استغلال نتيجته لرفع سقف التفاوض، وتحصيل ما يكررونه دومًا على مسامع الشعب. لكن الأهم من كل ذلك، سواء حدث أو تعذّر على الصعيد العربي والوطني، هو العودة إلى الشعب، فهو الضمانة، وقوله هو القول الفصل في اللحظات المصيرية الحاسمة، ولا صوت فوق صوت الشعب، على الرغم من منطوق الدستور في هذا المجال.
إذا كان رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء صادقين في توجهاتهما، بأن الأساس في كل ما يقومان به هو حفظ لبنان وصون سيادته واستقلاله، لكان الأحرى بهما استفتاء الشعب حول هذه القرارات المصيرية. عندها سيكون لزامًا على الجميع القبول بهذه النتيجة، ويكون الرئيسان بذلك قد شرّعا موقفهما في الدخول إلى المفاوضات المباشرة أو في تركها، وقطعا الطريق على الآخرين، وأثبتا أن هذا هو خيار الشعب اللبناني حقًا. وما زال الأمر مقدورًا، ولا حجّة للقول بأن الوقت لا يسمح بذلك، خصوصًا أننا في ظل عدوان صهيوني يومي، فنحن أمام عدوان صهيوني يومي منذ أكثر من سنتين، وكذلك في ظل المفاوضات المباشرة منذ أكثر من شهرين، ولم تحقق وقفًا للحرب كما كانوا يأملون إن صحّ ذلك.
وحتى لا يُقال إن موضوع الاستفتاء أمر عسير وصعب تحقيقه في هذا الوقت، فلا أقل من إجراء استطلاع آراء فعلي للشعب اللبناني. ففي لبنان عدد من شركات استطلاع الرأي الجيدة والموثوقة بنسبة كبيرة، فليكلف رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ثلاث أو أربع شركات للقيام باستطلاع رأي الشعب، وليشترطوا عينات علمية تفوق العشرة آلاف مستطلع في كل واحد منها في مختلف المناطق، ومن مختلف شرائح المجتمع، ومن الطوائف كلها. وبالتأكيد هذا عمل سهل على شركات الاستطلاع في هذا الزمن، ونتائج هذه الإحصاءات تُعطي صورة واضحة عن توجه الشعب اللبناني في هذه القضية المصيرية. وليكن السؤال واضحًا: أنت مع المفاوضات المباشرة أم لا؟ من دون الدخول في تفصيل وتعقيدات الجميع بغنى عنها. فليحتكم الجميع إلى الشعب الذي هو مصدر السلطات، وليس كما قال الرئيس: “فليتحمل كل فريق مسؤوليته”، بل ليتحمل الشعب، كل الشعب، المسؤولية الوطنية، وما ينتج عنها سواء بالتفاوض المباشر أم بغيره. بالطبع يمكن وضع سؤال الاستطلاع بطريقة أبسط وأسهل، وهو: هل أنت مع نهج المقاومة أم ضده؟ وهنا تُصبح الأمور أكثر وضوحًا وتجليًا، ولا مجال للتشكيك والتأويل في رأي الشعب اللبناني.
لا يمكن لأحد أن يتفرد بالقرار في لبنان مهما علا شأنه، فلا رئيس الجمهورية يمكنه ذلك، ولا رئيس الوزراء، ولا اجتماعهما، ولا حتى مع رئاسة مجلس النواب، إذا كانت القرارات المتخذة هي في غير مصلحة الشعب. وتفردهم بأي عمل لا يُراعي مصلحة الشعب يُفقدهم شرعيتهم الوطنية، ويصبح وجودهم كلا وجود، وقراراتهم كلا قرارات. وللجميع عبرة بما حصل في المفاوضات المباشرة التي أدت إلى اتفاق السابع عشر من أيار، فمع وجود رئيس جمهورية بصلاحيات مطلقة يومها الرئيس أمين الجميل، ودعم رئيس الوزراء شفيق الوزان، ورئيس مجلس النواب كامل الأسعد، إلا أنه سرعان ما سقط مع كل الدعم الدولي السياسي والعسكري المتعدد الجنسيات، ومع وجود جيش العدو على مشارف العاصمة بيروت، لأنه كان خارج الحتمية التاريخية، بأن العدو الصهيوني هو عدو وجود وليس فقط عدو حدود.



