من أجل العدالة المؤجلة في بيروت: حين تصبح المحاسبة وحدها طريقنا للبقاء(كولشان صغلام)

بقلم كولشان يوسف صغلام – الحوارنيوز
أكتب إليكم اليوم لا بصفتي الحقوقية التي تتقن لغة النصوص والمواد القانونية فحسب، بل بصفتي ابنة هذا الوطن المكلوم، ناشطة عانت كما عانى كل لبناني من هول تلك الفاجعة التي غيرت وجه بيروت الأبدي في الرابع من آب.
إن تفجير مرفأ بيروت لم يكن مجرد حادث عرضي ولا حتى كارثة طبيعية عابرة؛ لقد كان زلزالاً مدبراً بسياسات الإهمال والفساد والإفلات الممنهج من العقاب. وحين يُطلب مني اليوم أن أكتب عن “العدالة”، أعلم تماماً أن الكلمات تقف عاجزة، وأن لا مقال ولا نص في العالم قادراً على إعادة شهيد إلى أحضان أهله، أو مسح غبار القهر عن وجوه الجرحى، أو إعادة بناء الأرواح التي تحت ركام المرفأ. الخسارة أكبر من أن تُعوض، والفجيعة أعمق من أن تُنسى.
ولكن، لماذا نتمسك بالعدالة إذن؟
- العدالة كإعادة اعتبار لإنسانيتنا
نحن لا نطلب العدالة لأنها ستعيد الشهداء، بل نطلبها لكيلا يتكرر الموت المجاني في بلادنا. العدالة هنا ليست مجرد إجراء شكلي في قاعات المحاكم المظلمة، بل هي إعلان صارخ بأن الدم اللبناني ليس رخيصاً، وبأن المواطن ليس رهينة في دولة مخطوفة القرار. إن تحقيق العدالة هو اعتراف رسمي بوجع الضحايا، وحفظ لكرامتهم التي انتُهكت حية وميتة.
- لبنان: بين وهم “دولة القانون” وامتحان الحقيقة
منذ تأسيس دولة لبنان الكبير، طالما تغنى لبنان بكونه دولة قانون ومؤسسات. لكن قضية المرفأ وضعت هذا الشعار على المحك الأخير والأقسى. هل نحن حقاً دولة قانون، أم أننا نعيش في محمية للملونات والمحميين السياسيين؟
إن غياب الحقيقة وتعطيل التحقيقات القضائية التي تعرضت لأبشع انواع التسيس والضغوط والعرقلة الممنهجة على مدى الأعوام الماضية هو الطعنة الأكبر لسيادة القانون. حين يُمنع القاضي من استكمال التحقيق، وحين تُجهض مذكرات الجلب، وحين تُفرغ العدالة من مضمونها، يصبح الوطن مجرد غابة يحكمها الأقوى.
- سكة المحاسبة: الباب الوحيد لأي إصلاح حقيقي
كثيراً ما نتحدث عن الإصلاح الاقتصادي والسياسي والإداري وخطط التعافي، ومكافحة الفساد. لكن الحقيقة الساطعة التي يجب أن نعيها جميعاً هي أنه لا إصلاح اقتصادياً أو بنيوياً في لبنان دون محاسبة قضائية حقيقية و هذا يتطلب قضاء مستقل.
المحاسبة في قضية المرفأ ليست “فضيحة سياسية” لطرف دون آخر، ولا هي “استهداف” لفئة معينة، بل هي حجر الزاوية لأي مسار إصلاحي مستقبلي. إذا استمر الإفلات من العقاب في أكبر جريمة عصر، فلن تكون هناك أي ضمانة لأي مواطن بأن حياته وممتلكاته ومستقبله مصونة في هذا البلد. المحاسبة هي السكة الوحيدة التي توضع عليها دولة المؤسسات الحقيقية؛ فإما أن نحاسب فننقذ ما تبقى من لبنان، وإما أن نستمر في التواطؤ بالصمت فنقضي على آخر أمل.
نداء نحو الدولة والعدالة المرجوة
وسط هذا السواد، هل يمكن أن يكون لدينا أمل؟
نعم، الأمل يبقى قائماً، ولكنه اليوم محطوط على المحك أمام استحقاقات كبرى. وهنا نوجه النداء الواضح والصريح إلى فخامة رئيس الجمهورية للوفاء بما جاء في خطاب القسم، وإلى دولة رئيس الحكومة لتطبيق ما ورد في البيان الوزاري من تعهدات صريحة بالإصلاحات، وبناء الدولة، وتطبيق الطائف، وسيادة القانون.
إننا نعقد أملاً استثنائياً على دولة رئيس الحكومة، الرئيس نواف سلام، بصفته ريساً سابقاً لمحكمة العدل الدولية وقاضياً مشهوداً له بالعدل والنزاهة والكفاءة العالمية. فاليوم، وقد انتقل من منصات العدالة الدولية إلى رأس السلطة التنفيذية في وطنه الأم، فإننا ننتظر منه أن يُترجم هذه المسيرة الناصعة إلى خطوات عملية لا تقبل التراجع في لبنان.
هذا هو التحدي الأكبر والأشرف لكل من السلطة والعهد: إما أن ننتقل حقاً إلى دولة القانون والعدالة الاجتماعية والمحاسبة الشاملة، وإما أن نغرق مجدداً في الدوامة ذاتها.
الخلاصة: لن نساوم على الحقيقة
إننا كحقوقيين وناشطين لبنانيين، لن نكل ولن نمل من المطالبة بإحقاق الحق، مهما طال الزمن ومهما اشتدت محاولات الطمس والتعطيل. إن العدالة في تفجير المرفأ ليست مطلباً فئويًا، وليست منّة من أحد، بل هي حق مقدس ودين في ذمة الدولة والمجتمع لكل شهيد، ولكل طفل فقد بيته، ولكل أم ما زالت تبكي زهرتها على أرصفة العاصمة.
الحقيقة ستظهر عاجلاً أو آجلاً، لأن دماء ضحايا الرابع من آب أطهر من أن تُدفن تحت ركام التسويات السياسية. وبيروت التي استشهدت مراراً وتكراراً، قادرة على أن تُنهض العدالة من بين الرماد.



