رأي

قراءة تاريخية لمسار الأحداث: كيف استطاعت أميركا إحكام سيطرتها على لبنان؟ (أحمد حوماني)  

 

بقلم د. أحمد موسى حوماني – الحوارنيوز

لا يشك أحد بهيمنة أميركا على أغلب دول العالم، ولهذه الهيمنة جذور تاريخيّة تعود للقرن الثامن عشر، فقد بدأت مع هيمنتها على دول أمريكا الوسطى بداية، وتوسعت منها إلى كامل الأمريكيتين ودول عديدة في أفريقيا في القرن التاسع عشر، وكانت القوة هي السبيل الوحيد لتحقيق ذلك. ومع بدايات القرن العشرين واستتباب هيمنتها على الأمريكيتين وسّعت أمريكا دائرة طموحاتها السياسية والعسكرية باتجاه أوروبا، لكن باعتبار أن أوروبا هي المؤسس للدولة الأمريكية، فالعلاقة معها لم تنحُ باتجاه علاقة السيد والعبد، ولا يمكنها ذلك أصلًا، لذا استغلت أمريكا الحرب العالمية الأولى والثانية لتقدم نفسها كداعم للدول الأوروبية ومنقذ لها، وتباعًا فرضت هيمنتها السياسية على قراراتها خصوصًا عندما أقنعتها أن عدوها المشترك هو الاتحاد السوفياتي السابق.

شيئًا فشيئًا بدأ اعتماد أوروبا على أمريكا، وهي بدأت بالتدخل في الشؤون الأوروبية تحت عنوان المساعدة، واستغلت كل فرصة ممكنة لفرض هيمنتها، ليس على هذه الدول فحسب، بل على مستعمراتها أو مناطق نفوذها الذي تآكل بعد الحربين العالميتين. وخاضت أمريكا صراعات وحروبًا ناعمة مع فرنسا وبريطانيا، وتحت عنوان الاستقلال والحرية لبعض الدول بدأت أمريكا بإخراجها من تحت السيطرة الفرنسية والبريطانية، وإدخالها تحت سيطرتها السياسية والاقتصادية، وهكذا وقعت الدول العربية تحت النفوذ الأمريكي حالما اعتقدت أنها تخلّصت من النفوذ الفرنسي والبريطاني.

لبنان ليس استثناء، فكان أول تدخل أمريكي مباشر في ثورة ١٩٥٨، عندما استدعى رئيس الجمهورية آنذاك كميل شمعون الأسطول الأمريكي لمواجهة ما أسماه المد الناصري الشيوعي، ونزل الجيش الأمريكي على شواطئ لبنان في العاصمة بيروت، ثم تخلّت أمريكا عن حليفها الرئيس شمعون وأجرت بمساعدة فرنسا تسوية سياسية قضت بانتخاب قائد الجيش يومها العماد فؤاد شهاب رئيسًا للجمهورية. وهكذا وضعت أمريكا اللبنة الأولى لإنتزاع لبنان من هيمنة فرنسا لتضعه تحت هيمنتها، وإن أبقت لها دورًا ملحقًا تستعين به عند الضرورة. ومنذ ذلك الحين دخل الجيش اللبناني في الدوامة الأمريكية، وفي العام ١٩٨٢ عادت القوات المتعددة الجنسيات برئاسة أمريكا للنزول في بيروت دعمًا للرئيس أمين الجميل، وبرغم تواجد بوارجها قرب السواحل اللبنانية، ومعها المدمرة نيوجرسي، إلا أن القوات الأمريكية والفرنسية تلقت ضربات قاسية أدّت إلى فرارهما على عجل، تاركة الرئيس الجميل يواجه مصيره بنفسه.

بعد ذلك بدأ الدور الفرنسي بالتلاشي لصالح الوجود الأمريكي الذي أمسك بزمام الأمور، والجميع يذكر محاولة أمريكا فرض النائب مخايل الضاهر في عام ١٩٨٨ بعد انتهاء ولاية الرئيس أمين الجميل، عندما قال المبعوث الأمريكي ريتشارد مورفي للبنانيين: “إما مخايل الضاهر أو الفوضى”. وبالفعل، بعدما عجزت  عن فرض مرشحها، دخل لبنان في مرحلة الفوضى وانقسام الحكومة، حتى اقتنعت أمريكا أن الاتفاق مع سوريا الأسد هو الحل، فكان اتفاق الطائف الذي أطاح بالعماد ميشال عون رئيس الحكومة العسكرية التي شكلها الرئيس الجميل، ثم أطاح بسمير جعجع قائد القوات اللبنانية وزجّه بالسجن لأحد عشر عامًا.

الأهداف الأمريكية في السيطرة والتحكم بالدول لا تتوقف، وإن فشلت إحدى الخطط في تحقيق المطلوب، فسرعان ما تلجأ أمريكا إلى الخطة الثانية. وهذا ما حصل مع مخايل الضاهر، فبعد الفشل تحولت أمريكا إلى التوافق مع سوريا، لكن هذا التوافق كان تحت سقف مفاوضات مدريد والسعي إلى جر سوريا نحو السلام مع العدو الصهيوني بالشروط الأمريكية. وكانت تحاول قضم السلطة اللبنانية بشكل تدريجي، وقد اعتبرت أن وصول الرئيس رفيق الحريري قد مكّنها من التحكم نوعًا ما بالسلطة التنفيذية ولو مواربة عبر السعودية، وعملت على فرض رئيس جمهورية موالٍ لها بعد انتهاء فترة الرئيس إلياس الهراوي، لكنها عادت وقبلت بالتمديد له، فاتحة الطريق لعُرف جديد بالتمديد للرؤساء اللبنانيين، علمًا أنها كانت عارضت ذلك زمن الرئيس أمين الجميل. وبعد فرض سوريا لقائد الجيش يومها العماد إميل لحود رئيسًا للجمهورية، ساءت العلاقة بين أمريكا وسوريا، وأُُخرج الرئيس رفيق الحريري من الحكم لصالح الرئيس سليم الحص، لكنه ما لبث أن عاد بقوة إلى مسرح الأحداث بعدما اكتسح وحلفاؤه مجلس النواب، فكان زواج الإكراه بينه وبين الرئيس لحود، وفيما تولى العماد ميشال سليمان قيادة الجيش فأبقاه على الحياد.

تمديد ولاية الرئيس لحود لثلاث سنوات كانت القشة التي قصمت ظهر البعير بين أمريكا وسوريا في لبنان، ووجدت أمريكا فرصتها في إحكام السيطرة على لبنان مع اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وإجبار الجيش السوري على الانسحاب من لبنان، فيما بدا أنه محاولة انقلاب على الرئيس لحود وحلفائه، لكن صموده إلى آخر يوم في ولايته الممددة أعاق كثيرًا من الخطط الأمريكية، فعمدت أمريكا إلى فرض الرئيس فؤاد السنيورة رئيسًا للوزراء في فترة من أصعب فترات لبنان بعد الطائف. وما أشبه تلك الفترة بما يمر به لبنان اليوم، لكن الفرق أن رئيس الجمهورية العماد إميل لحود غير موالٍ لأمريكا، فلم تنجح في فرض سيطرتها على الحكم في لبنان، بعكس اليوم الذي فيه رئيس جمهورية موالٍ لها ورئيس حكومة لا يعصي لها أمرًا.

الصدام الكبير حدث في السابع من أيار من العام ٢٠٠٨، وفي غياب رئيس للجمهورية بعد انتهاء ولاية الرئيس لحود، بدا أن لبنان سيتجه إلى حرب أهلية جديدة، رأت فيها أمريكا أنها قد تفقد سيطرتها على الجزء الموالي لها في الحكم، فكان اتفاق الدوحة الذي رعته أمريكا، ونتج عنه انتخاب العماد ميشال سليمان رئيسًا للجمهورية، فيما بقي الرئيس فؤاد السنيورة رئيسًا للوزراء لسنة تقريبًا، ليخلفه الرئيس سعد الحريري بعد نجاحه الكبير في الانتخابات النيابية، وتم تعيين جان قهوجي قائدًا للجيش طيلة فترة ولاية الرئيس سليمان. بدا أن نتيجة الأمور بعد اتفاق الدوحة هي التعادل مع رجحان بسيط للقوى المعارضة للسياسة الأمريكية في لبنان، التي استطاعت فرض العماد ميشال عون رئيسًا للجمهورية وسعد الحريري رئيسًا للوزراء. وهذا ما لم تستطع السياسة الأمريكية هضمه: رئيس جمهورية غير موالٍ لها ورئيس حكومة وسطي يميل إلى عدم إثارة المشاكل والنزاعات. لذا تعرض إلى كم هائل من الضغوطات الأمريكية والسعودية لاتخاذ موقف معادٍ لرئيس الجمهورية وحلفائه، ولما يئسوا من ذلك، تم إشعال ما سُمي بثورة السابع عشر من تشرين ضد الرئيس ميشال عون وحلفائه بقيادة ما عُرف يومها بمنظمات المجتمع المدني، والمفارقة كانت تخلي قيادة الجيش برئاسة العماد جوزيف عون عن رئيس الجمهورية. لكن تماسك الرئيس عون وفريقه أفشل مخططات أمريكا من جديد، ويبدو أن ما فعلته أمريكا في بداية عهد الرئيس ميشال عون هو أنها استطاعت إيصال قائد للجيش موالٍ لها بشكل مباشر، فعادت السياسة في لبنان إلى التعادل. ومع انتهاء ولاية الرئيس ميشال عون بقي لبنان لأكثر من سنتين من دون رئيس.

هذا التعادل لم يرض غرور أمريكا، فأعطت الضوء الأخضر للعدو الصهيوني للقيام بعدوانه الكبير على لبنان، علّ ذلك يُنهي المقاومة ويُعيد إنتاج صيغة حكم في لبنان تابعة للسياسة الأمريكية كما اشتهت منذ سنوات طويلة. وتحت ضغط الحرب والضغط السياسي على كل الفرقاء، استطاعت أمريكا الإتيان بالعماد جوزيف عون رئيسًا للجمهورية، ونواف سلام رئيسًا للوزراء، وتم تعيين رودولف هيكل قائدًا للجيش. وهكذا أحكمت أمريكا سيطرتها على أركان الحكم الرئيسيين في لبنان. صحيح أن قائد الجيش يقف على الحياد كما كل قيادات الجيش السابقة بعد اتفاق الطائف، وهو يعبّر في مواقفه عن أعلى درجات الوطنية والسيادة والاستقلال، لكن أمريكا هي راعية الجيش الأساسية، وتدريبه وتسليحه أمريكي بامتياز، ودورات ضباطه أغلبها تجري في أمريكا. وحياد الجيش وقيادته في هذه المرحلة لا تنظر إليه أمريكا بريبة، لأنها تعرف أن الجيش هو عنوان وحدة لبنان، لذا فهي معه تتعاطى بحذر، لكن يكفيها أن الرئاستين الأولى والثالثة تحت سيطرتها. ولا نستغرب كل هذا الجهد والضغط للوصول إلى اتفاق بين لبنان والعدو الصهيوني الذي يجري في هذه الأيام، لأن أمريكا تعتقد أن السلطة الحالية تتماهى معها في كل تطلعاتها، وهي تعرف أن لبنان بلد التناقضات والتبدلات السريعة التي فصّلنا فيها، وأن هذه السلطة لن تدوم لوقت طويل، وأن القوى الوطنية ستستعيد زمام الأمور، وتعود للمشاركة بإدارة الحكم، كما فعلت بعد الاجتياح الصهيوني عام ١٩٨٢، أو بعد توقيع اتفاق ١٧ أيار ١٩٨٣، أو بعد استشهاد الرئيس رفيق الحريري، أو حرب تموز ٢٠٠٦، أو بعد ما سمي ثورة ١٧ تشرين.

ما قد يُفاجئ الجميع أن فشل المخططات الأمريكية، وعودة القوى الوطنية للإمساك بزمام السياسة في لبنان، قد يأتي هذه المرة ليس نتيجة لضربات قد تقوم بها ضد هذه السلطة، بل نتيجة لتسرع وغباء وعناد حليفها الأساسي في المنطقة وهو العدو الصهيوني.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى