
بقلم الشيخ د. محمد شقير*- الحوارنيوز
لعلّ السؤال الأساس فيما يتّصل بالمدرسة الحسينيّة، وظاهرة عاشوراء هو في كيفيّة فهم الحسين(ع) وثورته وأهدافها، وتالياً في مجمل النّتائج التي يمكن أن تترتّب على ذلك الفهم ومضمونه.
هنا لا بدّ من الإشارة إلى جملة من المقدّمات، التي يمكن أن تؤسّس لهذا الفهم مورد البحث، والنّتائج التي تترتّب عليه.
الأولى: يجب أن يُنظر إلى الحسين(ع) كإمام، وكمشروع إمامة قبل أي شيء آخر، بمعنى أنّه من يتولّى بيان الدّين الحقّ، وإقامة معانيه في الاجتماع العام، وفي جوهرها إقامة العدل في النّاس.
الثّانية: إنّ هذا المشروع هو امتداد لمشروع الأنبياء والرّسل على مدار التّاريخ، والهادف إلى إقامة القسط وتحقيق الإصلاح، والذي كان في صراع دائم مع المفسدين والظّالمين والمستكبرين…
الثّالثة: إنّ طبيعة الصّراع الذي كان قائماً بين أهل البيت(ع) من جهة، والأمويّين من جهة أخرى؛ إنّما هو صراع بين مشروعين ونهجين، وليس مجرّد صراع بين شخصين، أو قبيلتين على سلطةٍ أو مال…
إنّ المشروع الأموي لم يكن مجرّد مشروع سلطة، وإنّما كان مشروع انقلاب على الدّين باسم الدّين. مشروع يهدف إلى استغلال جميع المفردات الدّينيّة للحصول على السّلطة والتّمكّن منها، ويسعى إلى إنتاج تأويلٍ للدّين يخدم مصالح السّلطة وأهدافها. بل هو مشروع يعمل على إعادة إنتاج الجاهليّة بلباس الدّين ورايته. أي هو مشروع يعمل على أمرين:
1- استغلال الدّين للحصول على السّلطة.
2- توظيف السّلطة لتشويه الدّين، وإعادة إنتاج الجاهليّة، وبعث قيمها باسمه ورسمه.
ولعلّه في الأمر الثّاني تكمن أكثر خطورة ذاك المشروع الأموي.
ومن هنا عندما أصبحت الفرصة مؤاتية للإمام الحسين(ع) لمواجهة ذاك المشروع وإسقاطه، وعندما سعى ذلك المشروع إلى الحصول على مشروعيّته من خلال أخذ البيعة قهراً من الإمام الحسين(ع)؛ كان خروج الحسين(ع) لتحقيق أهدافه، ومشروع الإصلاح لديه بأوسع مداه، أي الإصلاح المعرفي، والدّيني، والثّقافي، فضلاً عن الإصلاح السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي، والمالي وغيره.
سوى إن الإمام الحسين(ع) توسل هذه المرّة إلى تحقيق أهدافه بشهادته. هنا تصبح الشهادة فعل إصلاح وتغيير، وتضحى سبيل الإمامة إلى أهدافها ومشروعها.
فإذا كان علي(ع) قد مارس إمامته بعدله، فإن الحسين(ع) مارس إمامته بشهادته. وإن كان علي(ع) قد توسّل في إمامته بفعل السّلطة، فإن الحسين(ع) توسّل في إمامته بفعل الشّهادة.
لقد كانت إمامة الحسين(ع) بشهادته، لأنّه لم يكن لمنهج الإمامة أن يتجلّى آنذاك إلّا من خلال فعل الشّهادة، حيث لا سبيل إلى القيام بوظائف الإمامة إلّا من خلال الشّهادة، وما يترتّب عليها.
هنا يمكن الحديث في جدل الإمامة والشّهادة، عندما تتجلّى الإمامة في الشّهادة، وعندما تضحى الشّهادة هي الإمامة. أي كما إنّ إمامة الحسين(ع) أوصلت إلى شهادته، فإنّ شهادته أضحت هي الحاكي عن الإمامة الحقّة، والمعبّر عنها. بل أصبحت هي من يتولّى فعل الإمامة، والقيام بوظائفها، وتحقيق أهدافها. إذ إنّ جملة الأهداف التي أريد الوصول إليها، فلقد كانت الشّهادة آنذاك الطّريق الوحيد لبلوغها.
لقد أدرك الحسين(ع) أن مآل خروجه إلى الشّهادة، بل هو أراد تلك الشّهادة، وسعى إليها طائعاً غير مكره، لما يترتّب عليها، ولما سوف ينتج عنها، حيث كانت لها هذه النّتائج:
1- أسقطت مشروعيّة المشروع المعرفي والدّيني للسّلطة الأمويّة.
2- أسقطت المشروعيّة السّياسيّة للسّلطة نفسها.
3- وفّرت العوامل والشّروط لإسقاط السّلطة الأمويّة، ولو بعد حين.
4- أظهرت موقعيّة أهل البيت(ع) كحامٍ للدّين، ومصلح في الأمّة. وأعادت المكانة إلى دور أهل البيت(ع)، ودور مشروعهم.
5- أوجدت ديناميّات اجتماعيّة، ودينيّة، وثقافيّة، ووجدانيّة… تفضي إلى استمرار رسالة أهل البيت(ع) في التّاريخ، وديمومة مشروعهم في المستقبل، وذلك من خلال مضامين عاشوراء، وثقافتها، وخطابها، وشعائرها، ومجالسها، وقيمها، ووجدانها، وحرارتها، وآليّاتها، والدّور الذي قامت وتقوم به على أكثر من مستوى، وفي أكثر من ميدان.
لقد أدّت هذه الدّيناميّات إلى تشكيل جامعة عاشوراء (بمفهومها الاجتماعي العام)، وما تولّد منها من ظاهرة اجتماعيّة، ثقافيّة، دينيّة، فكريّة… تسعى إلى نشر الثّقافة الحسينيّة، وبيان التّعاليم الدّينيّة، وصناعة المجتمع الحسيني والفرد الحسيني، وتحقيق جميع الأهداف التي استشهد من أجلها الإمام الحسين(ع)، وأرادها من ثورته.
وقد ساهمت تلك الدّيناميّات، والجامعة التي تشكّلت بفعلها في الحفاظ على مدرسة أهل البيت(ع)، واستمرار دورها، وديمومة فعاليّتها في مختلف المجتمعات، وفي جميع المراحل التّاريخيّة. كما ساهمت بفعاليّة في الحفاظ على هويّة تلك المجتمعات، من حيث انتمائها إلى مدرسة أهل البيت(ع) وثقافتها، وحمايتها من أيّة محاولة تسعى إلى المساس بتلك الهويّة وقيمها. كما وأدّت دوراً فعّالاً في الحفاظ على تلك المجتمعات، وإمدادها بجميع عناصر القوّة المعنويّة والثّقافيّة، التي تحمي وجودها، وتمنحها القوّة للدّفاع عن نفسها.
إذاً يمكن القول إنّ الحسين(ع) قد أراد شهادته لتحقيق أهدافه، من حيث أن تلك الشّهادة تؤدّي إلى إيجاد ديناميّات مختلفة، لتسهم في تشكيل ظاهرة عاشوراء وجامعتها، وما تزخر به من تجلّيات اجتماعيّة، وثقافيّة، ودينيّة، تكون وظيفتها حمل الرّسالة العاشوراءيّة، وتحقيق أهداف ثورة الحسين(ع)، بل تحقيق مشروع الإمامة (المشروع الإلهي) وإمداده بطاقة خلّاقة، تعطيه قوّة دفع واستمرار دائمين في مجرى التّاريخ، وإلى حدود نهايته.
وعليه نصل إلى هذه النّتيجة، بأنّنا يجب أن ننظر إلى شهادة الحسين(ع)، وثورته كمعبر للوصول إلى أهدافٍ أبعد، وإلى نتائج أقصى، لن تنقطع مادتها، ولن تسكن حرارتها ما دام في التّاريخ نبضٌ يحيا به.
وكذلك تلك الدّيناميّات التي أنتجتها ثورة الحسين(ع) وشهادته، وتلك الظّاهرة التي تشكّلت بفعل تلك الدّيناميّات، وتلك الجامعة العاشورائيّة (بمفهومها الاجتماعي وليس الأكاديمي)، وتلك الشّعائر الحسينيّة، وذلك الخطاب العاشورائي… فإنّه يجب أن ننظر إلى كلّ ذلك كحامل لرسالة أهل البيت(ع)، وكمعبّر عن قيمهم، وكموصل لثقافتهم، وكعامل على تحقيق مشروعهم، وساعٍ إلى بلوغ أهدافهم.
إنّ ما ينبغي قوله هو إنّه يجب أن ننظر إلى الحسين(ع) كمشروع إصلاح، ومواجهة للفساد. وينبغي أن نرى في عاشوراء استمراراً لمشروع الأنبياء والرّسل على مدار التّاريخ في إقامة القسط، ومواجهة الظّلم.
إنّه لمن الصّحيح أن نرى في كربلاء مشروع عدالة، ومشروع إصلاح بالعدالة، وأن نرى في الحسين(ع) إمام عدالة، وأن نرى في جامعة عاشوراء فعل تربية على العدالة، ودعوة إليها، وسعي إلى إقامتها، ونهجاً لبناء إنسان العدالة، ومجتمع العدالة، وسعياً مفعماً بالأمل بمستقبل العدالة.
عندما نرى الحسين(ع) وثورته وشهادته من منظار مشروع الإمامة، ومشروع الأنبياء والرّسل؛ يمكن عندها أن نعي بشكل أفضل المغزى الحقيقي لكثير من المفردات العاشورائيّة، وأن نفقه الهدف الأسمى لكثير من قضايا عاشوراء، وأن نتّخذ من حدث عاشوراء ونتائجها جسراً لاستمرار أهداف ثورة الحسين(ع)، واستمرار نهجها ومشروعها، وذلك من خلال الظّاهرة العاشورائيّة وقيمها، وجامعة عاشوراء ورسالتها.
إنّ النّظر بشكل منظومي إلى جميع القيم والمفردات العاشورائيّة، هو الذي يساعدنا على الوصول إلى جملة من النّتائج، والتي منها، العمل على مأسسة الظّاهرة العاشورائيّة، بمعنى أن تصبح جميع الفعاليّات والأعمال والمظاهر العاشورائيّة ضمن إطار مؤسّساتي واحد وشامل وممنهج، بما يسمح بتوظيف هذه الظّاهرة لتحقيق الأهداف المنتظرة منها، وقيادتها إلى غاياتها المرجوّة، وحسن إدارتها إلى مقاصدها، وبما يساعد على تطويرها وترشيد جميع مفرداتها. وبما يعين على تنقيتها من أيّة شوائب شعبويّة أو غير شعبويّة يمكن أن تكون قد علقت بها، وبما يدفع إلى أن تضحى تلك الظّاهرة وطاقتها التي تنتج منها؛ مشروع عدالة وإصلاح شاملين، وفعل تنمية شاملة، ورافعة للصّناعة الحضاريّة التي تستهدي بقيم عاشوراء وأهدافها، والتي تعمل على الوصل ما بين ثورة الحسين(ع) ومظلوميّته، وخروج المهدي(ع) وعدالته.
هنا يبقى أن نشير ولو بشكل مختصر إلى توصية، يمكن أن تستفاد ممّا تقدّم، وهي أهميّة أن يُعمل على تأسيس المجمع العالمي للفعاليّات العاشورائيّة – وربّما يُسمّى: المجمع العاشورائي العالمي – كإطار مؤسّساتي جامع ومنظّم والذي يضمّ في جنباته جميع الجهات والمرجعيّات الدّينيّة وغير الدّينيّة والتي تعنى بعاشوراء وقضاياها وفعاليّاتها بشكل أو آخر، وذل بهدف التّعاون في مجمل تلك الوظائف والفعاليّات العاشورائيّة، وتبادل الخبرات، وتنسيق الجهود، وحسن إدارتها والتّشارك في توجيه الظّاهرة العاشورائيّة، وتنميتها، وتطويرها، والعمل على توظيفها بما يحقّق الأهداف التي كانت من أجلها ثورة الحسين(ع)، وبما ينسجم مع قيم عاشوراء ومقاصدها.
* استاذ الفلسفة في الجامعة اللبنانية. عميد سابق لكلية الدراسات الإسلامية



