رأيعاشوراء

في فلسفة عاشوراء (الشيخ محمد شقير)

 

بقلم الشيخ د. محمد شقير – الحوارنيوز

 

قد يصحّ القول، إنّ السؤال المفتاحي في كل ما يرتبط بالثّورة الحسينيّة، وما حصل في التّاريخ، ومجمل ما ينتج عنه، وترتّب عليه من نتائج وتداعيات؛ هو سؤال (لماذا)، أي لماذا حصلت عاشوراء؟ ولماذا كانت كربلاء؟

إنّ طبيعة الإجابة على هذا السؤال تحدّد جميع الإجابات على بقيّة الأسئلة، التي تطرح حول الخطاب العاشورائي، والشعائر الحسينيّة، ومعنى إحياء عاشوراء، ووظيفة الإحياء، وأهداف المدرسة العاشورائيّة، والقيم التي ينبغي أن يُعمل عليها، والثّقافة التي يجب أن تستمدّ منها…

قد يكون الجواب الأوّلي على ذاك السّؤال المفتاحي على قدر من التّلقائيّة، أنّ الإمام الحسين(ع) خرج واستشهد من أجل تحقيق الإصلاح (ومواجهة الفساد)، من أجل العمل بالحقّ (ومواجهة الباطل)، من أجل إقامة العدل (ومواجهة الظّلم)، ولذلك حصلت عاشوراء…

لكن جوهر الإشكاليّة لا يكمن في هذا الجواب، إنّما في تثمير هذه الحقيقة، أو في تسييل هذا المعطى، وفي البناءات العلويّة لذلك الجواب في الفكر، والوعي، والثّقافة، والتّربية، وفي المشروع، والسياسات المتبنّاة في الاقتصاد، والاجتماع، والمال، والسياسة، والإدارة، وفي البرامج المعتمدة لذلك…

أي إنّ التّحدي الأكبر فيما يرتبط بتلك الحقيقة، هو في بناء منظومة قيم حسينيّة ترتكز إلى تلك المفاهيم والإجابات، وفي بناء ثقافة عامّة مستوحاة من تلك القيم وتعبّر عنها، وفي بناء خطاب يهدف إلى تعزيز تلك الثّقافة وإفشائها، وفي بناء مشروع إصلاحي عام يحاكي تلك القيم ويعمل على تسييلها، وفي اعتماد سياسات إصلاحيّة في الاجتماع، والاقتصاد، والتّعليم، والمال، والسّياسة، والإدارة، وفي مختلف المجالات الحياتيّة، ومجالات الاجتماع العامّ.

نعم يمكن – بل يجب – أن تتحوّل عاشوراء إلى أهمّ مُولّد لعمليّة الإصلاح الشّامل في الاجتماع العامّ، ويمكن – بل يجب – أن تصبح المدرسة العاشورائيّة أهمّ منتج لمشروع العدالة الشّاملة في مختلف مجالات الاجتماع الإنساني العام، ويمكن – بل يجب – أن تضحى عاشوراء الدّيناميّة الأقوى لمواجهة مجمل مظاهر الفساد، وأشكال اللّاعدالة في المجتمع.

هذه هي وظيفة عاشوراء، وهذا معنى وجودها، وهذه هي حقيقة استمرارها. عاشوراء ليست عملاً احتفاليّاً عقيماً، وليست مشهداً طقوسيّاً منفصماً عن أهدافه، إنّها مشروع إصلاح شامل ومستديم، إنّها الدّيناميّة الخلّاقة في تاريخ الإنسانيّة الدّاعية إلى تحقيق العدالة ومواجهة الفساد، هكذا كانت، وهكذا يجب أن تكون، وهكذا يجب أن تستمر.

إنّ هذا الفهم لفلسفة عاشوراء وأهدافها يبدّل فينا العديد من المفاهيم، ويغيّر لدينا العديد من الموازين. منها أن إحياء عاشوراء ومفاهيمها ليس محصوراً بالعشر الأوائل من شهر محرّم، بل يدوم على مدار العام، وأن مساحة الإحياء العاشورائي ليست محصورة في حدود المجالس العاشورائيّة، وإنّما تمتدّ لتشمل مختلف مجالات الاجتماع العام، وأن الإحياء ليس مجرّد ظاهرة احتفاليّة، وإنّما هو فعل إصلاحي شامل، وأن مؤشّرات الإحياء ونجاحه أكثر ما تكمن في تحقّق مستوى أكبر من العدالة والإصلاح في مجمل مجالات الشّأن العام، لتضحى أهداف الإحياء في تحقيق الإصلاح المالي، والإداري، والسياسي، والاقتصادي، والاجتماعي، والتّربوي، والثّقافي، والأخلاقي، والتّعليمي، ولتحقيق مستوى أفضل من العدالة الاقتصاديّة، والماليّة، والاجتماعيّة، والسياسيّة وغيرها.

هنا عندما يدفعنا الإحياء العاشورائي في محرّم الحرام إلى مستوى أفضل من العدالة الشّاملة، أو الإصلاح الشّامل؛ فمعنى ذلك أنّنا نجحنا في الإحياء، واستطعنا تحقيق شيء من أهدافه. أمّا إن لم نستطع أن نتقدّم خطوة إضافيّة في ذاك الطّريق بواسطة ذلك الإحياء، فمعنى ذلك أنّنا لم نفلح في ذاك الإحياء، وفشلنا في تحقيق أهدافه، وانفصمنا عن قيمه ومقاصده.

هنا علينا أن نعاين مديات الفساد واللّاعدالة قبل عاشوراء وبعدها، لنرى أنّه هل أمكن من خلال الإحياء العاشورائي مواجهة ذلك الفساد وتقليص مساحته، أم لم يمكن ذلك؟ هل أمكن إضعاف اللّاعدالة، والقضاء على تغوّلها، أم لم يمكن ذلك؟ هل أمكن للمدرسة العاشورائيّة أن تحقّق ولو شيئاً من أهدافها تلك من خلال فعل الإحياء، أم لم يمكن ذلك؟. إنّ تحديد الجواب على هذه الأسئلة، هو الذي يتكفّل بتحديد كم كان هذا الإحياء أو ذاك مثمراً في بلوغ أهدافه، وتحقيق غاياته.

لكن المشكلة التي قد تواجه هذا الفهم أو الطّرح، قد تكمن في أمرين اثنين:

الأوّل:  الفهم الجامد وغير الهادف لعاشوراء والإحياء العاشورائي، بمعنى عدم فهم قيم عاشوراء وأهداف الإحياء، أو عدم ترجمة ذلك الفهم وتسييله.

الثّاني:  الاحتباس التّاريخي الذي قد يُمارس تجاه ذلك الإحياء، بمعنى بناء عاشوراء في الخطاب وغيره كواقعة تعيش فقط في التّاريخ، وعدم الوصل بينها وبين الحاضر في قضاياه، ومشاكله، وأولويّاته.

هنا قد لا يكون صحيحاً أن يُؤخذ علينا بأنّنا نأخذ الدّين وخطابه إلى ميدان الاجتماع العام، وما يمكن أن يترتّب على ذلك من أسئلة وإشكاليّات؛ حيث سنكتفي  بجواب مبسّط من وحي المقالة، مفاده إنّ الإمام الحسين(ع) كان في أيّام الحجّ في مكّة المكرّمة، لكنّه (ولأسباب مختلفة) ترك مكّة  إلى كربلاء، وانتقل من فعل العبادة إلى حدث الشّهادة، ومن ساحة المناسك إلى ميدان الاجتماع العام، ومن فريضة الحجّ إلى مشروع الإصلاح وإقامة القسط وتحقيق العدالة، ومن منسك الرَّجم إلى مواجهة السّلطة وظُلمها وفسادها.

يبقى أن يُشار الى توصية، مفادها أن يُعمل في كلّ عام، وفي كلّ بلد على تحديد هدف إصلاحي عدالتي معيّن على ضوء ظروف وأوضاع ذاك البلد، ليُعمل على تحقيقه وإنجازه على مدار العام، ليكون محور الخطاب والمشروع المستمدّ من قيم الحسين(ع) وثورته.

ولربّما بهذا وغيره، يمكن لنا أن نتّخذ من عاشوراء الملهم الأكبر لفعل الإصلاح، وأن نصل بين التّاريخ الحسيني والحاضر الإنساني، وأن نعيد التّأكيد على وظائف الإحياء العاشورائي، كمولّد فعّال للطّاقة الدّافعة إلى إقامة العدل ومواجهة الظّلم.

*استاذ الفلسفة- الجامعة اللبنانية.عميد سابق لكلية الدراسات الإسلامية

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى