علي الطاهر: التلة التي تطلّ سياسيًا على مضيق هرمز (ميلاد السبعلي)

كتب د. ميلاد السبعلي* – الحوارنيوز

قد يبدو الربط بين مرتفعات علي الطاهر في جنوب لبنان ومضيق هرمز، على بعد آلاف الكيلومترات، ضربًا من المبالغة الجغرافية. فما الذي يمكن أن يجمع تلة تشرف على النبطية بممر بحري تعبر منه نسبة وازنة من تجارة الطاقة العالمية؟ لكن الحروب الحديثة لا تُقرأ بالخرائط وحدها. فالمواقع الصغيرة قد تتحول إلى عقد استراتيجية عندما تتقاطع فوقها مصالح القوى الإقليمية، وتصبح التلة جزءًا من المضيق، والجبهة المحلية ورقة في مفاوضات دولية أوسع.
من هنا، لم تعد معركة علي الطاهر مجرد مواجهة ميدانية بين الجيش الإسرائيلي و«حزب الله»، بل باتت نقطة اختبار لمعادلة أكبر تضم لبنان و”إسرائيل” وإيران والولايات المتحدة، وتتداخل فيها الحسابات العسكرية بالمفاوضات حول مضيق هرمز، والاستحقاقات الأمنية بالانتخابات الإسرائيلية والأميركية المتقاربتين في خريف 2026.
ما الذي يجعل علي الطاهر مهمة؟
تقع مرتفعات علي الطاهر شرقي النبطية، وتشرف بحكم ارتفاعها وموقعها على مساحات واسعة من جنوب لبنان، وعلى طرق حيوية تؤدي إلى المدينة ومحيطها. والسيطرة عليها تمنح الطرف الموجود فيها قدرة أفضل على الرصد البصري والإلكتروني، وعلى متابعة الحركة العسكرية وضبط بعض محاور الانتقال والاتصال.
وتقول “إسرائيل” إن تحت هذه المرتفعات شبكة واسعة من الأنفاق وغرف القيادة التابعة لـ«حزب الله». لكن هذه المعلومات، على أهميتها، تبقى في جزء منها رواية إسرائيلية لم تخضع لتحقيق مستقل. فالحروب لا تجري بالسلاح وحده، بل بالروايات أيضًا؛ وكل جيش يحتاج إلى تضخيم قيمة الهدف كي يبرر الخسائر المطلوبة لاحتلاله أو تدميره.
مع ذلك، لا يمكن إنكار الأهمية العسكرية للموقع. فمن يسيطر على سطح التلة لا يحتل مجرد مساحة مرتفعة، بل يقترب من الإمساك بأحد المداخل المهمة إلى النبطية، ويربط وجوده بنقاط إسرائيلية أخرى محتلة في الجنوب، ويعزز قدرته على مراقبة المنطقة الواقعة بين الحدود مع فلسطين المحتلة ونهر الليطاني وما بعده.
لكن الوصول إلى التلة لا يعني السيطرة الكاملة عليها. فهناك فرق بين قصف الموقع، وبلوغ قمته، والسيطرة النارية عليه، واقتحام أنفاقه، وتطهيرها، والاحتفاظ بالأرض، وحماية خطوط الإمداد إليها. وقد يستطيع الجيش الإسرائيلي إعلان السيطرة على سطح المرتفع، فيما تبقى أجزاء من بنيته تحت الأرض أو في الأحراج المحيطة قادرة على العمل.
لهذا، قد تتحول علي الطاهر من مكسب تكتيكي سريع إلى موقع استنزاف طويل.
هل هددت إيران بإغلاق هرمز؟
تتداول أوساط سياسية وإعلامية معلومات تفيد بأن إيران أبلغت المعنيين بأن محاولة “إسرائيل” حسم معركة علي الطاهر واحتلالها ستؤدي إلى تدخل إيراني مباشر، وقصف “إسرائيل” وقواتها في جنوب لبنان، وإغلاق مضيق هرمز بالكامل.
لكن التدقيق يفرض التمييز بين ثلاثة مستويات: الموقف الرسمي، والتسريبات، والتحليل السياسي.
الموقف الإيراني المعلن يربط إعادة فتح مضيق هرمز بإنهاء الحصار الأميركي على الموانئ الإيرانية، ورفع العقوبات النفطية، وتحرير الأموال المجمدة، ووقف العمليات العسكرية على جميع الجبهات. وهذه العبارة الأخيرة تسمح لطهران باعتبار الحرب على لبنان، أو توسيع الاحتلال الإسرائيلي فيه، جزءًا من النزاع القائم بينها وبين واشنطن.
كذلك، صدرت تهديدات إيرانية بالانتقال إلى وضع هجومي أشمل إذا فشلت المفاوضات، وباستخدام القوة لكسر الحصار الأميركي. لكن لا توجد، حتى الآن، وثيقة رسمية واضحة أو تصريح إيراني مباشر يقول حرفيًا إن احتلال علي الطاهر سيؤدي آليًا إلى إغلاق مضيق هرمز.
أما التقارير التي تتحدث عن اعتبار التلة خطًا أحمر إيرانيًا، فتعتمد غالبًا على مصادر غير مسماة أو رسائل منقولة عبر قنوات خلفية. وقد تكون هذه الرسائل حقيقية، لأن الدول لا تعلن دائمًا خطوطها الحمراء في بيانات رسمية، لكنها لا ترتقي بعد إلى مستوى الحقيقة المثبتة.
إذًا، الربط بين علي الطاهر وهرمز ليس وهمًا، لكنه ليس معادلة آلية أيضًا. إنّه رابط استراتيجي يُحتمل أن تستخدمه إيران للردع والمساومة، لا زرًّا عسكريًا يُضغط فيُغلق المضيق فور سقوط التلة.
هرمز المغلق والمفتوح في آن واحد
السؤال المتداول عمّا إذا كانت إيران ستغلق مضيق هرمز يحتاج أصلًا إلى تصحيح. فالمضيق لا يعمل اليوم بصورة طبيعية. إيران تقول إنه مغلق، والولايات المتحدة تقول إنه مفتوح وآمن، فيما تظهر حركة الملاحة أن عدد السفن العابرة انخفض بصورة حادة، وأن شركات الشحن تتجنب المنطقة أو تعيد احتساب مخاطر المرور فيها.
لذلك، ليس السؤال الحقيقي: هل ستغلق إيران المضيق؟ بل: هل ستنتقل من تعطيل شديد وانتقائي للملاحة إلى محاولة منع كل عبور متبقٍ؟
يمكن لإيران تشديد الخناق بواسطة الألغام، والصواريخ الساحلية، والطائرات المسيّرة، والزوارق السريعة، واستهداف السفن التي لا تلتزم بالمسارات التي تفرضها. لكنها لا تستطيع ضمان إغلاق كامل ودائم في مواجهة الأسطول الأميركي والقوى الغربية والخليجية. كما أن الإغلاق الشامل يضر بإيران نفسها، ويصيب صادراتها وعلاقاتها الاقتصادية، خصوصًا مع الصين.
من هنا، يبقى الاحتمال الأكبر أن تستخدم طهران هرمز بطريقة متدرجة: ترفع الخطر، وتقلص الملاحة، وتستهدف سفنًا مختارة، وتدفع أسعار النفط إلى الارتفاع، من دون أن تنتقل فورًا إلى مواجهة بحرية مفتوحة قد تهدد النظام الإيراني نفسه.
ماذا لو حصلت “إسرائيل” على الضوء الأخضر؟
الضوء الأخضر الأميركي لا يعني بالضرورة موافقة مكتوبة على احتلال دائم. قد يعني السماح بقصف مكثف، أو بعملية خاصة لاقتحام الأنفاق وتفجيرها، أو مجرد رفع الاعتراض الأميركي السابق على التحرك الإسرائيلي.
وهنا يمكن تصور ثلاثة مسارات:
الأول، عملية نارية واسعة تحاول “إسرائيل” عبرها تدمير المجمع المفترض من الجو، من دون تثبيت قوات دائمة. وهذا هو الخيار الأقل كلفة على واشنطن، والأكثر قابلية للتسويق انتخابيًا لنتنياهو. فهو يوفر صورة إنجاز من دون الغرق في احتلال طويل.
الثاني، اقتحام بري محدود تدخل خلاله وحدات خاصة وهندسية إلى الموقع لتدمير الأنفاق وجمع المعلومات، ثم تنسحب. لكن هذا السيناريو يحمل مخاطر الكمائن، والصواريخ المضادة للدروع، والطائرات المسيّرة، والأنفاق المفخخة، وقد يؤدي إلى توسع رد «حزب الله» وإطلاق صواريخ على العمق الإسرائيلي.
أما الثالث فهو احتلال التلة وتحويلها إلى موقع إسرائيلي دائم. وهذا هو الأخطر؛ لأنه لا يعود عملية لتدمير هدف عسكري، بل تغييرًا لخريطة الاحتلال، وتوسيعًا للمنطقة الأمنية شمالًا، وتهديدًا مباشرًا للنبطية وما بعدها.
عندها، يُرجح أن يحاول «حزب الله» تحويل الموقع إلى بؤرة استنزاف دائمة، وأن تضطر “إسرائيل” إلى تخصيص قوات كبيرة لحمايته وتأمين طرق الوصول إليه. وقد تبدأ إيران بردود محدودة، عبر المسيّرات والصواريخ أو دعم جبهات أخرى، ثم تنتقل إلى تشديد تعطيل الملاحة في هرمز إذا شعرت بأن واشنطن أعطت “إسرائيل” غطاءً لتصفية إحدى أهم أوراقها في لبنان.
لكن دخول إيران الشامل في الحرب وإغلاق المضيق بالكامل لن يكونا نتيجة حتمية لسقوط التلة. فطهران ستوازن بين الحاجة إلى حماية صدقية ردعها وبين خطر فتح حرب قد تجر الولايات المتحدة إلى ضرب منشآتها الحيوية.
نتنياهو يحتاج إلى صورة انتصار
لا يمكن فصل علي الطاهر عن الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 تشرين الأول 2026. نتنياهو يدخل هذه الانتخابات مثقلًا بأسئلة الأمن والإخفاقات والحرب الطويلة. لذلك يحتاج إلى إنجاز واضح يستطيع تقديمه للناخب الإسرائيلي باعتباره تغييرًا في الواقع الأمني، لا جولة إضافية من القصف.
إذا نجحت “إسرائيل” في احتلال الموقع أو تدميره بسرعة، وعرضت صور الأنفاق والأسلحة، وخرجت بخسائر محدودة، فقد تتحول العملية إلى رصيد انتخابي مهم لنتنياهو. وسيقول إنه أزال عقدة عسكرية استعصت على الجيش، وعزز أمن الشمال، وأجبر «حزب الله» على التراجع.
لكن الحرب لا تعطي السياسي دائمًا النتيجة التي يطلبها منها. فإذا سقط عدد كبير من الجنود، أو حوصرت القوات، أو استمر إطلاق الصواريخ على المدن الإسرائيلية، أو دخلت إيران مباشرة في المواجهة، فقد تنقلب العملية عليه. وعندها لن يعود السؤال: لماذا لم يحتل علي الطاهر؟ بل: لماذا أرسل الجيش إلى مستنقع جديد من دون مخرج؟
نتنياهو يحتاج، إذًا، إلى معركة قصيرة تنتج صورة انتصار، لا إلى احتلال طويل يحتاج إلى نصر لا يستطيع ضمانه.
ما يفيد نتنياهو قد يضر ترامب
تجري الانتخابات النصفية الأميركية في 3 تشرين الثاني، أي بعد الانتخابات الإسرائيلية بأسبوع واحد. وهنا يظهر التناقض بين مصلحة نتنياهو ومصلحة ترامب.
قد يحتاج نتنياهو إلى التصعيد كي يعيد الأمن إلى مركز الحملة الانتخابية. أما ترامب فيحتاج إلى تخفيض أسعار النفط والبنزين، وتهدئة هرمز، وإقناع الناخب الأميركي بأنه لا يقود بلاده إلى حرب جديدة.
إذا سمح ترامب بعملية إسرائيلية سريعة وناجحة، ولم تتدخل إيران، يستطيع تقديمها بوصفها إزالة لتهديد أمني من دون إرسال قوات أميركية. لكن إذا ردت إيران بتشديد إغلاق هرمز، وارتفعت أسعار النفط والنقل والغذاء، فستنتقل كلفة علي الطاهر من جنوب لبنان إلى محطة الوقود الأميركية.
والناخب الأميركي لا يصوت على قيمة التلة العسكرية، بل على كلفة البنزين، والتضخم، والوظائف، وسقوط الجنود الأميركيين. لذلك قد يربح نتنياهو انتخابيًا من عملية يخسر بسببها الجمهوريون مقاعد في الكونغرس.
من هنا، يُرجح أن يكون أي ضوء أخضر أميركي مشروطًا: دمّروا ما تستطيعون، وحققوا إنجازًا محدودًا، لكن لا تحولوا العملية إلى احتلال دائم يدفع إيران إلى توسيع حرب هرمز.
لبنان بين التلة والمضيق
المشكلة الأعمق أن لبنان يتحول مرة أخرى إلى ورقة في معادلات اقليمية. “إسرائيل” ترى في علي الطاهر جزءًا من أمنها الانتخابي والعسكري. إيران تراها جزءًا من شبكة ردع تمتد إلى هرمز. واشنطن تقيسها بأسعار النفط وحسابات الكونغرس. و«حزب الله» يتعامل معها بوصفها موقعًا يختبر بقاء قدرته وردعه.
أما الدولة اللبنانية، فتكاد تُختزل في دور المتلقي للنتائج: احتلال جديد، أو دمار إضافي، أو نزوح، أو تفاوض على استعادة ما كان يجب ألّا يُحتل أصلًا.
وهنا تكمن المفارقة. قد تبدو علي الطاهر مهمة عسكريًا، لكنها تصبح أخطر سياسيًا عندما تُنتزع من سياقها اللبناني وتتحول إلى ورقة إيرانية–أميركية أو مكسب انتخابي إسرائيلي. فحين يرتبط مصير تلة لبنانية بمضيق دولي وبانتخابات دولتين أخريين، فهذا لا يدل على قوة لبنان، بل على مقدار غياب قراره الوطني وعناصر قوته الموحدة.
لا تطل مرتفعات علي الطاهر جغرافيًا على مضيق هرمز، لكنها تطل عليه سياسيًا. غير أن المسافة بينهما ليست نفقًا سريًا ولا معادلة حتمية، بل سلسلة من الحسابات والتهديدات والردود التي قد تبدأ بخطوة محدودة ثم تتدحرج خارج قدرة الجميع على ضبطها.
لذلك، ليست المسألة في مَن يسيطر على التلة وحدها، بل في مَن يملك قرار الحرب حولها، ومن يدفع ثمنها، ومن يحوّلها إلى ورقة تفاوض أو صندوقة اقتراع. وفي جميع السيناريوهات، قد يربح هذا الطرف موقعًا، ويكسب ذاك أصواتًا، وتحصل دولة ثالثة على ورقة تفاوض؛ لكن الخاسر الأول يبقى لبنان، إذا استمر أرضًا تتقاطع فوقها استراتيجيات الآخرين من دون أن تكون له استراتيجية وطنية واحدة، في ظل انقسام عامودي شاسع بين سلطة تذهب الى تفاوض مباشر مع العدو دون اي عناصر قوة سوى المراهنة على “الصديق” الاميركي، وبين اطراف اخرى تراهن على المقاومة العسكرية والتوازنات الاقليمية لتحرير الأرض برغم اختلال موازين القوى.
*رئيس مؤسسة سعادة للثقافة / رئيس مجلس إدارة Global Education



