وثيقة سرية تحمل اقتراح مجلس الأمن القومي إلى ترامب: كيف نتخلّص من حزب الله؟ (إبراهيم الأمين)

الحوارنيوز – صحافة
تحت هذا العنوان كتب إبراهيم الأمين في صحيفة الأخبار:
منذ بدء العدوان الواسع على لبنان قبل عامين، تؤدّي الولايات المتحدة الدور المحوري في إدارة مساره، من دون أن تحيد عن خيارها الداعم لإسرائيل. ولا تزال واشنطن تراهن، حتى اليوم، على إمكانية تحقيق ما تعتبره خلاصاً للبنان من المقاومة وحزب الله والنفوذ الإيراني. في العامين الماضيين، تعزّز نفوذ حلفاء الولايات المتحدة داخل السلطة الحاكمة، فصار لديها رئيس للجمهورية ورئيس للحكومة، وأتباع في أهم الوزارات والإدارات السياسية والمالية والخدماتية والعسكرية والأمنية. أمّا شريكها السعودي، فلا يهمّه إلا النفوذ الذي لا ينفع لا السعودية ولا لبنان، لكنه يوفّر الغطاء العربي لمشروع أميركا وإسرائيل في هذا البلد.
في عهدَيْ جو بايدن ودونالد ترامب، جرت محاولات عدّة لتنظيم الصراع بين لبنان وكيان العدو، وأنتجت تفاهمات وأوراق عمل واتفاقات، لكنها جميعها مُنيت بالفشل، لأن ما تريده إسرائيل لم يتحقّق، ويتمحور حول هدف أساسي: التخلّص من المقاومة.
وخلال العامين الماضيين، شهدت الإدارة الأميركية نقاشات عدّة حول كيفية التعامل مع لبنان، في ظل دخول عوامل جديدة على المشهد، أبرزها التحوّل الكبير الذي طرأ على سوريا بعد سقوط نظام الرئيس السابق بشار الأسد وانتقال السلطة الجديدة إلى الحضن الأميركي. كذلك فرضت تطورات الحرب على إيران نفسها عاملاً حاسماً في مقاربة الملف اللبناني، إذ يراهن جميع أعداء المقاومة على سقوط النظام في إيران، ما يقود إلى نتيجة مباشرة تتمثّل بالتخلص من حزب الله والمقاومة في لبنان.
لكنّ التحوّل الأبرز في أداء الإدارة الأميركية يرتبط بطريقة عمل ترامب، الذي لا يثق كثيراً بالبناء المؤسساتي التقليدي في صناعة القرارات الاستراتيجية، ويفضّل الاعتماد على فريق عمل من أصدقاء حوّلهم إلى مستشارين ومسؤولين عن الملفات الحساسة، على حساب أدوار المؤسسات التقليدية في الدولة.
ورغم النفوذ الواسع الذي يتمتّع به وزير الخارجية ماركو روبيو، فإن زوار العاصمة الأميركية، لا يتحدّثون عن وزارة الخارجية بل عن الوزير نفسه. أمّا في الأوساط العسكرية، فتُقال الأمور بصورة أكثر صراحة، بأن أحداً لا يمكنه مخالفة توجّهات ترامب وفريقه. وتتحدّث المُعطيات عن وجود أسماء آلاف الضباط والكوادر الأمنية والعسكرية ضمن قوائم التقاعد الإلزامي أو الاختياري، بعدما أُخرجوا من مواقعهم بناءً على رغبة ترامب. أمّا مجلس الأمن القومي، الذي لطالما اضطلع بدور محوري في بلورة الاستراتيجيات والقرارات الحساسة، فقد جرى تطويعه وتحويله إلى جزء من فريق العمل المحيط بالرئيس.
ومع ذلك، فإن التباينات بين أركان الإدارة الأميركية في مقاربة الملفات الحساسة في المنطقة تدفع، في كثير من الأحيان، إلى بروز آراء وتصوّرات تبدو مختلفة نسبياً عن السياق السياسي. وبرزت، منذ بدء الحرب على إيران ثم دخول لبنان في مواجهة مباشرة مع إسرائيل، آراء استغلّت فشل المشاريع العسكرية لطرح بدائل للتعامل مع الملفات العالقة، ومن بينها لبنان. وأدّى التباين بين الإدارة الأميركية وحكومة بنيامين نتنياهو بشأن عدد من ملفات المنطقة إلى ارتفاع أصوات داخل الإدارة الأميركية تدعو إلى اعتماد منهجية مختلفة في مقاربة حزب الله في لبنان.
وبناءً على مُداولات استمرت عدة أشهر، أعدّ مجلس الأمن القومي الأميركي ورقة عمل خاصة بلبنان، خضعت لمراجعة أكثر من مسؤول أميركي سبق أن تولّى العمل على الملف اللبناني. واستندت الورقة إلى مُعطيات لا يجري تداولها رسمياً من جانب المسؤولين الأميركيين. لكنّ الخلاصة التي انتهت إليها، كانت عبارة عن برنامج عمل يمتدّ لعدة سنوات، تتمحور بنوده وأهدافه حول سؤال واحد: كيف نتخلّص من حزب الله؟
وقد حصلت «الأخبار» على نسخة من الوثيقة التي صُنّفت «سرّية» ويُمنع تداولها بأي شكل بين السياسيين والدبلوماسيين، والتي أُعدّت كمُقترح رُفع إلى ترامب لمناقشته وإقراره. وتنشرها كما وردت حرفياً، على ثلاثة أجزاء. وفي ما يأتي ترجمة غير رسمية للجزء الأول:
40 مليار دولار لبناء دولة توفر الخدمات والحماية لإبعاد الــشيعة عن حزب الله
التشخيص والأسباب الموجبة
يقف لبنان عند مُفترق طرق استراتيجي في إطار الجهود التي طال إهمالها لـ«نزع أنياب» حزب الله. وتواجه البلاد أربعة مسارات محتملة، تتوقف نتائجها على المسار الاستراتيجي الذي ستسلكه، وعلى مستوى الدعم الدولي الذي ستحظى به. ثلاثة من هذه المسارات تقع خارج نطاق سيطرة لبنان، أو يُرجّح فشلها، أو قد تكون نتائجها كارثية. أمّا المسار الرابع، الذي نطلق عليه اسم «ميثاق إعادة بناء الدولة»، فهو الوحيد القادر على إحداث تغيير جذري في قواعد اللعبة.
لا يمكن مطالبة حزب الله بنزع سلاحه للانخراط في دولة فاشلة، لكن لا يمكن للبنان، في المقابل، أن ينتظر قيام دولة مثالية قبل أن يبدأ مسار نزع السلاح. المطلوب بناء المسارين بالتوازي: فإعادة بناء دولة تتمتع بالمصداقية تهيّئ المناخ الذي يصبح فيه نزع السلاح قابلاً للتحقيق سياسياً، فيما يسهم التقييد التدريجي للمشروع المسلّح في تضييق مساحة المقاومة المُتاحة له. ولا نرى أن الدولة يجب أن تكون مُكتمِلة قبل بدء نزع السلاح، بل يجب أن تكون ذات مصداقية بما يكفي حتى لا يبدو نزع السلاح بمثابة قفزة في الفراغ.
على مدى أكثر من 40 عاماً، استثمرت إيران وحزب الله في منظومة متكاملة تشمل الحماية، والرعاية الاجتماعية، والهوية، والكرامة، والشهادة، والخوف، والخدمات الاجتماعية، وفرص العمل، إلى جانب ترسيخ سردية مفادها أن الدولة اللبنانية فاسدة وغائبة وعاجزة عن حماية الطائفة الشيعية. ولا يمكن تفكيك هذه المنظومة عبر الخطابات، أو مؤتمرات المانحين، أو العقوبات، أو المناشدات المُجرّدة حول السيادة.
المطلوب هنا هو إحداث صدمة نفسية وسياسية كبيرة بما يكفي لخلق واقع جديد: إطار أمني ذو مصداقية مع إسرائيل، وإطلاق عملية إعادة إعمار واسعة للجنوب والمناطق المتضرّرة، واستعادة سلطة الدولة، ومسار إصلاحي موثوق يضمن حقوق المودعين ويعزّز الملاءة الوطنية، إلى جانب اعتماد حوكمة رقمية إلزامية تتجاوز آليات الفساد. ويجب أن يكون هذا العرض واضحاً وكبيراً وملموساً بالنسبة إلى الناس، إلى درجة تدفع منظومة حزب الله إلى مواجهة سؤال جديد: هل لا تزال «المقاومة الدائمة» تحمي الطائفة، أم أنها باتت تعرقل إعادة الإعمار والأمن والكرامة وعودة الدولة اللبنانية؟
في 16 نيسان 2026، أعلن الرئيس دونالد ترامب وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان، وقال إنه سيوجّه الدعوة إلى كلٍّ من الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لزيارة البيت الأبيض، من أجل إجراء «أول محادثات ذات مغزى بين إسرائيل ولبنان منذ عام 1983». وفي 23 نيسان، مُدّد وقف إطلاق النار، وقال ترامب إن الزعيمين سيزوران واشنطن «في المستقبل القريب». وفي 30 نيسان، دعت السفارة الأميركية في بيروت إلى عقد الاجتماع، وربطت الدعم الأميركي للبنان بانعقاده. وفي 14 و15 أيار، بدأت المحادثات الإسرائيلية – اللبنانية بوساطة أميركية في العاصمة واشنطن، ووصفها المتحدّث باسم وزارة الخارجية بأنها «إيجابية ومُنتِجة»، وأعلن عن تمديد إضافي لوقف إطلاق النار لمدة 45 يوماً.
الخيار العسكري هو الأسوأ، لأنه يؤدّي إلى تدمير لبنان، دون أي ضمانة بقدرته على إنهاء حزب الله، أو تفكيك منظومته وإبعاد الشيعة عنه .. اما الخيار الدبلوماسي فهو يتطلب انخراط ايران بالصفقة
عملياً، لم يعد الحديث يدور عن احتمال افتراضي، بل عن قناة دبلوماسية نشطة. ولذلك، فإن مشروعنا لإعادة بناء الدولة يشكّل المضمون الجوهري الذي يجب أن يقف خلف هذه القناة. وأي اجتماع يُعقد من دون الاستناد إلى هذا المضمون سيبقى، في نهاية المطاف، مجرّد فرصة لالتقاط الصور. أمّا إذا شكّل مضمون ورقتنا أساساً لأي اجتماعات بين الجانبين، فإن مسار لبنان سيشهد تغييراً كبيراً.
ومُقترحنا لا يقوم على تدخل سريع أو على عقد مؤتمر للمانحين لمرة واحدة، بل على التزام وطني له هيكلية تنفيذية واضحة، ويمتد على مدى سنوات، مع تصوّر لتنفيذه ضمن خطة عمل مُكثّفة تُراوِح مدتها بين سنتين وخمس سنوات.
وقد صُمّم المقترح بهدف إحداث صدمة، وهو يقوم على سردية متكاملة: عملية مُستدامة ومرئية وقابلة للتدقيق، وضخمة بما يكفي لجعل السردية التي كرّسها المشروع المسلّح على مدى 40 عاماً حول فشل الدولة، مسألة عفَّى عليها الزمن. ويتم ذلك عبر بناء واقع جديد، وهو الواقع الذي يزعم حزب الله أنه مستحيل.
استغرقت إيران أربعة عقود لبناء منظومة متكاملة من التبعية. والمُقترح الحالي لن يتمكن من إبطال مفعول هذه المنظومة بين ليلة وضحاها، لكنه سيخلق واقعاً منافساً يؤدّي تدريجياً إلى تآكل هيمنة منظومة حزب الله، طبقةً بعد طبقة، ومجتمعاً بعد مجتمع، وخدمةً بعد خدمة، إلى أن يصبح ادّعاء المشروع المسلّح بأنه الحامي الوحيد أمراً لا يمكن الدفاع عنه.
كيف عملت إيران؟
يجب قياس حجم المُقترح مقارنة بحجم المنظومة القائمة، ما دام الهدف هو أن يحلّ محلها. ولذلك، ينبغي مراجعة حجم الاستثمار الإيراني في حزب الله منذ عام 1982، والذي يمكن وصفه بأنه أحد أكبر وأطول الاستثمارات التي قدّمتها دولة إلى وكيل لها في التاريخ الحديث. ويمكن الاستناد، في هذا السياق، إلى الجدول (1).
لا يشمل هذا الإنفاق قيمة الأسلحة (بما في ذلك ترسانة ضخمة من الصواريخ والقذائف، كانت تُقدَّر، وفق مصادر مفتوحة، قبل حرب عام 2024 بعشرات أو مئات الآلاف، وقد تراجعت الآن بشكل كبير)، كما لا يشمل كلفة البنية التحتية ومراكز التدريب والعمليات، أو الدعم الاستخباراتي، ولا القيمة الاقتصادية غير المباشرة لتدفقات الإيرادات الخاصة بحزب الله (التي تُقدَّر بنحو 300 مليون دولار سنوياً من تهريب المخدّرات والكبتاغون والتزوير وغسل الأموال)، إذ يوظّف حزب الله نحو 40 ألف موظف بدوام كامل، برواتب تصل إلى 2,200 دولار شهرياً، أي ما يعادل نحو ثمانية أضعاف راتب جندي الجيش اللبناني (275 دولاراً شهرياً)، بحسب ما قال المبعوث الأميركي الخاص توم برّاك في تصريح علني. وتخدم مؤسسة «القرض الحسن»، وهي المؤسسة المصرفية الفعلية (بحكم الأمر الواقع) لحزب الله، نحو 300 ألف عميل.
وعليه، يجب أن يكون برنامج إعادة بناء الدولة واسع النطاق وملموساً جداً، وأن يحقّق فوائد واضحة ومرئية للطائفة الشيعية، إلى درجة تجعل حزب الله أمام كلفة سياسية أعلى بكثير إذا رفض الانخراط فيه. وتُقدّر قيمة الإنفاق المُقترحة في هذا البرنامج بنحو 40 مليار دولار، بهدف تجاوز حجم الاستثمارات الإيرانية في حزب الله على مدى أربعة عقود. والمقصود ليس مجرد التفوّق على تلك الاستثمارات من حيث القيمة المالية، بل بناء برنامج مرئي وقابل للتدقيق، يصل مباشرة إلى المجتمع المُستهدف، الذي يعتمد حالياً على منظومة حزب الله.
لماذا يجب أن تهتم الولايات المتحدة بهذا البرنامج؟
من المنطقي أن يسأل صانع السياسات الرفيع المستوى في أميركا – والذي لا يملك سوى وقت محدود للمتابعة وجهد محدود للعمل – سؤالاً واحداً: ينبغي للولايات المتحدة أن تستثمر رأسَ مالٍ سياسياً وموارد مالية في هذا المشروع؟
الإجابة تتكوّن من خمس نقاط:
أولاً: كلفة أقل من كلفة البرامج البديلة: إن حرباً غير مُحدّدة المدة بين الولايات المتحدة وإيران قد تكلّف مئات إلى تريليونات الدولارات، من دون نتيجة مضمونة. في المقابل، تبلغ كلفة «برنامج لبنان» 40 مليار دولار، تُنفق على مراحل تمتد لخمس سنوات، وتوزّع على جهات مانحة متعدّدة. وهي جزء ضئيل من الإنفاق الدفاعي الأميركي خلال عام واحد، في مقابل إمكانية تحقيق نتيجة ملموسة.
ثانياً: إنجاز يمكن للرئيس تحقيقه: رغم كل نقاط ضعفه، فإن لبنان ليس دولة ثيوقراطية يحكمها ملالي أيديولوجيون ملتزمون بمحو إسرائيل والولايات المتحدة. كما أن إطار السلام، وبرنامج إعادة الإعمار، وإضعاف أنجح استثمار إيراني في وكيل، كلها أمور يمكن هيكلتها وتبنّيها كإنجاز خلال ولاية رئاسية واحدة. إنها عملية إعادة بناء دولة، لا تدمير دولة.
ثالثاً: سياسة تجاه إيران، لا تجاه لبنان فقط: يستهدف البرنامج البنية الإقليمية لإيران عند عقدتها الأقوى، والأكثر كلفة، ولكن ليس عبر القنابل، بل عبر بناء دولة فاعلة. فإذا تصدّعت منظومة الوكيل الإيراني الأكثر تطوراً في حالِ تفوّق الدولة اللبنانية عليها، فإن هذا النجاح سيشكّل نموذجاً قابلاً للتكرار والتأثير في أماكن أخرى. وسيكتسب الإصلاحيون في العراق نموذجاً، فيما سينظر الشعب الإيراني إلى خسارة استراتيجية لاستثمار تطلّب مليارات الدولارات، وستضعف سردية «محور المقاومة» من الأطراف نحو الداخل، وهي الديناميكية نفسها التي أسهمت في إسقاط الاتحاد السوفياتي.
رابعاً: لا تناسب في المخاطر: إذا نجح الميثاق، فسيكون أكبر إنجاز في الشرق الأوسط منذ كامب ديفيد. وإذا نجح جزئياً، فإن كل دولار يُنفق على إعادة الإعمار سيمثّل مكسباً دائماً. أمّا إذا فشل، رغم بذل جهود جادّة، فسيكون لبنان قد اختبر، على الأقل، المسار الوحيد القادر على تغيير الاتجاه الحالي. وتبقى مخاطر عدم التحرك أكبر من مخاطر خوض محاولة مدروسة ومُحكمة البناء. والخيار الوحيد غير المسؤول هو عدم القيام بأي شيء.

- الجدول رقم (1) وضعه مُعِدّو المُقترح بالتعاون مع وزارة الخزانة الأميركية، والأجهزة التي تجمع المعلومات حول تمويل إيران لحزب الله
خامساً: استغلال الفرصة المُتاحة الآن: إن مجرّد وجود اهتمام من الرئيس الأميركي يمثّل أمراً نادراً في الشؤون الدولية. وقد وضع الرئيس ترامب لبنان على جدول أعماله، وهو يستثمر فيه شخصياً. وإذا تردّد لبنان، أو انتقلت واشنطن إلى ملف آخر، فقد تُغلق هذه النافذة لجيل كامل. وبالتالي، تصبح كلفة عدم التحرك، ليس البقاء في مرحلة المُراوحة والركود، بل في انعدام الأهمية.
ما هي خيارات حزب الله؟
الأول: سقوط النظام الإيراني وسقوط حزب الله
النتيجة النظرية الأكثر وضوحاً، لكنها الاستراتيجية اللبنانية الأقل قابلية للتنفيذ، تقول إن انهيار النظام الإيراني أو تراجع قدراته بشكل دراماتيكي، سيحرم حزب الله من عمقه الاستراتيجي، وتمويله، وإمدادات الأسلحة، ومرجعيته الأيديولوجية، ودوره الإقليمي. لكنّ الواقع أكثر تعقيداً، فحزب الله لن يختفي ببساطة، إذ أصبح متجذّراً داخل لبنان من خلال السياسة، والأمن، والرعاية الاجتماعية، والشرعية الدينية، والنفوذ البلدي، والتبعية الاجتماعية، والردع المسلّح.
(تقييمنا أن الرهان على سقوط النظام في إيران، لا يُعتبر استراتيجية، كما أنه لا يمكن للبنان الانتظار).
الثاني: مفاوضات مُطوّلة ونزع السلاح وإعادة الدمج
هناك من يطرح المسار الدبلوماسي التقليدي، القائم على مفاوضات تدريجية، ونزع للسلاح على مراحل، وإعادة دمج المقاتلين، مع تقديم ضمانات، واستيعابهم ضمن مؤسسات الدولة. لكن يُرجّح أن يواجه هذا الخيار معدّلات فشل مرتفعة، ما لم تكن إيران منخرطة بالكامل في المسار وتشكّل جزءاً من الصفقة، أو يطرأ تحوّل في موقف قيادة حزب الله يدفعها إلى الاستنتاج بأن نهجها الحالي لم يعد فعّالاً وقابلاً للاستمرار. فحزب الله لا يتعامل مع سلاحه بوصفه ورقة مساومة فحسب، بل يراه تعبيراً عن الهوية، وأداة للردع، ووسيلة للحفاظ على النفوذ الإقليمي لإيران، وعنصراً من عناصر حماية الطائفة الشيعية.
(تقييمنا أن هذا الخيار مُعتبر، لكنه هشّ. ومن غير المُرجّح أن يفضي إلى نتيجة، ولا سيما إذا كان المطلوب من حزب الله التخلّي عن نفوذه المسلّح قبل أن تصبح الدولة اللبنانية ذات مصداقية، وقادرة، وتمتلك شبكة حماية فعّالة).
الثالث: الخيار العسكري
قد يطرح البعض خيار تصعيد إسرائيل عملياتها العسكرية، بما يؤدّي إلى تدمير أجزاء واسعة من جنوب لبنان والضاحية الجنوبية. ومن شأن ذلك إضعاف حزب الله، لكن من دون القضاء عليه، فيما يتعرّض لبنان لدمار واسع وانهيار أكبر. وقد ينتهي هذا المسار إلى إبقاء حزب الله في وضع شبيه بوضع حركة حماس: تنظيم جريح، ولا مركزي في إدارته، ومُحاط بالأسطورة، ويصعب القضاء عليه سياسياً بصورة كاملة.
(تقييمنا: هذا هو الخيار الأسوأ؛ إذ سيؤدّي إلى تدمير لبنان من دون أيّ ضمانة بتحقيق النهاية الاستراتيجية لحزب الله).
الرابع: برنامج إعادة بناء الدولة
هذا الخيار الوحيد الذي يتيح فصل حزب الله عن منظومته الكبيرة، وبدل مهاجمة حزب الله كمنظمة، يتوجب على الدولة اللبنانية وشركائها الدوليين تقديم شيء لا يستطيع حزب الله مجاراته: الأمن، وإعادة الإعمار، والتعويضات، وكرامة الدولة، والتعافي الاقتصادي، والضمانات الدولية، ومستقبل حقيقي للجنوب داخل الدولة اللبنانية. (تقييمنا أن هذا هو المسار الوحيد الذي يمنح الرئيس (ترامب) الإعلان عن إنجاز: إطار سلام، وبرنامج إعادة إعمار، ووكيل إيراني ضعيف، ودولة متحوّلة، وكلها أهداف يمكن تحقيقها في غضون ولاية رئاسية أميركية واحدة، وبجزء ضئيل من تكلفة حرب دائمة).
- غداً: فلسفة خطّة إعادة البناء وآليات التمويل
منظومة حزب الله: الطبقات وخطوط التصدّع وهدف البرنامج
يكمن الخطأ الاستراتيجي في جانب كبير من التفكير السياسي الغربي واللبناني حول طريقة التعامل مع حزب الله، من خلال النظر إليه بوصفه فاعلاً أُحادياً، يحدّد قرارُه بالقبول أو الرفض للنتيجة، لأن ذلك يمنح قيادة حزب الله حقّ فيتو لم تكسبه ولا تستحقّه. هدف «برنامج إعادة بناء الدولة» ليس حزب الله، بل تفكيك تبعية البيئة له، عبر تقديم بديل موثوق من الدولة، ويجب أن يحصل ذلك وفق استراتيجية طبقة تلو أخرى.
الطبقة الأولى: المجتمعات المُنهكة والنازحة
ترتبط العائلات في جنوب لبنان، التي دُمّرت قراها بحزب الله، لكنّ هذا الارتباط ذو طابع وظيفي في المقام الأول. وعندما تتمكن الدولة من توفير إعادة الإعمار والأمن والعودة والتعويضات، تختفي تبعية هذه الطبقة. هذا هو الهدف الأساسي للبرنامج.
الطبقة الثانية: الطبقة الوسطى الشيعية البراغماتية
تشمل هذه الفئة المهنيين وأصحاب الشركات والمعلمين غير المرتبطين أيديولوجياً بحزب الله، والذين يواجهون أوضاعاً صعبة. فقد خسر كثيرون منهم ودائعهم وأعمالهم وفرصهم. ومن شأن توفير مسار موثوق لمعالجة أوضاع المودعين، وإعادة إطلاق الاقتصاد، واعتماد الحوكمة الرقمية، أن يعيد جذب هذه الفئة نحو الدولة.
الطبقة الثالثة: الفاعلون المحليون والبلديات
هؤلاء هم، المُشغِّلون البراغماتيون الذين يتعايشون مع أي سلطة تقدّم الخدمات. وعندما تقدّم الدولة خدماتها بشكل مرئي، من خلال الحكومة الإلكترونية، وإعادة الإعمار الخاضعة للتدقيق، سيعيد الفاعلون المحليون توجيه بوصلتهم.
الطبقة الرابعة: الخدمات الاجتماعية وشبكة المجتمع المدني
لا ينبغي للدولة أن تعمل على تدمير المدارس والعيادات والمنظمات الخيرية، بل يتعيّن عليها استيعابها وتنظيمها، والتفوّق عليها في مستوى الأداء.
الطبقة الخامسة: الكتلة السياسية
الفاعلون السياسيون يتماشون مع البنية التي توفّر الرعاية، والنفوذ، والقدرة على النجاح الانتخابي. وما نقترحه، هو إعادة توجيه بنيوي من خلال الحوافز، وليس الإقناع.
الطبقة السادسة: النواة الأيديولوجية والعسكرية (المتشدّدون)
النواة العسكرية والأمنية المرتبطة بالخارج والتي تندمج هويتها بشكل دائم مع المقاومة المسلّحة ليست هدفاً للإقناع، بل هي هدف للتحييد. والهدف ليس إقناع قيادة حزب الله أولاً، بل جعل المنظومة البيئية أقل اعتماداً على قيادة حزب الله تدريجياً.
تتماسك هذه المنظومة عبر سردية قائمة على فشل الدولة والحماية الطائفية. ولكل سردية عرض مُضاد موازن من الدولة، إذ إن تخلّي الدولة عن واجبها يجب أن تقابله عودة ملموسة للدولة إلى الجنوب أولاً، وتكون العودة مباشرة، يتم تتبّعها رقمياً. كما أن بديل الحماية (التي يوفّرها حزب الله) يكون من خلال انتشار الجيش اللبناني بقدرات حقيقية، مع إطار أمني وضمانات أميركية. ويجب معالجة التهديد الإسرائيلي، من خلال إطار أمني حدودي قابل للتنفيذ مع ضمانات بالانسحاب. كما أن مواجهة سردية المؤامرة الغربية تتم من خلال برنامج إعادة إعمار متعدّد المانحين، تقوده الدولة اللبنانية بشفافية، وبما يضع مصلحة المجتمع في المرتبة الأولى. أمّا مواجهة الفساد، فتتم من خلال حكومة إلكترونية إلزامية، بحيث يكون كل دولار قابلاً للتتبّع، ولا حاجة إلى وسيط.
يقدّم حزب الله سردية الكرامة من خلال المقاومة، ويجب فهم أن المجتمع الجنوبي هو مجتمع مؤسّس للدولة اللبنانية المُستعادة. وبالتالي فإن الهدف ليس مجادلة سردية المنظومة البيئية، بل جعلها متخلّفة وعفَّى عليها الزمن، ويحصل ذلك عبر بناء الواقع الجديد الذي تزعم سردية حزب الله أنه مستحيل.
يجب فهم أن الطائفة الشيعية تحمّلت عبء فشل الدولة لفترة أطول من أي طرف آخر. والبرنامج يقول لها إن الدولة تعود، أولاً لحمايتها، ولإعادة إعمار مناطقها، وتعويضها، ودمجها. ويجب فهم أن أبناء الجنوب ليسوا مجتمعاً مهزوماً، بل هم مجتمع تأسيسي للدولة اللبنانية المُستعادة. وهذا عملياً ما يحقّقه البرنامج، كونه لا يهدف إلى تدمير الهوية، بل استبدال سردية المشروع المسلّح التي تدّعي بأنه لاعب «مقاومة» شرعي في السياسة والمجتمع اللبنانيَّيْن.



