سياسةمحليات لبنانية

عائلة كرم نموذجا: بين الامتحان والشّهادة.. أيُّ وطنٍ هذا؟(بتول محي الدين)

 

كتبت بتول محي الدين – الحوارنيوز

 

لم تكن تلك الطالبة “ثيودوسيا كرم” ابنة الجنوب الّلبنانيّ تحمل في طريق عودتها سوى ورقة امتحانها وأحلاماً صغيرة تشبه أحلام آلاف الطلّاب. خرجت من مركز الامتحانات بعدما أدّت ما فُرض عليها من استحقاقٍ تربويّ، برفقة والدها الطبيب ووالدتها، وكلّ ما أرادوه أن يعودوا إلى منزلهم سالمين. لكنّ الطريق الذي سلكوه لم يؤدِّ إلى البيت، بل إلى الشّهادة.

الشهيدة كرم

أيُّ وجعٍ أكبر من أن تتحوّل رحلةُ العلم إلى رحلة موت؟ وأيُّ مأساةٍ أشدُّ قسوةً من أن يُجبر الطلاب على خوض امتحاناتهم في ظلّ حربٍ مفتوحة، فيما السماء تمتلئ بالطائرات والطرقات تتهدّدها الغارات في كلّ لحظة؟

استشهدت الطالبة مع والديها، ولم تحصل على شهادة نجاحها كما تمنّت بل شهادةً أخرى لم تخترها يوماً. استشهد الأب الذي أراد أن يطمئنّ على مستقبل ابنته، واستشهدت الأم التي رافقت ابنتها خوفاً عليها، وكأنّ العائلة كلّها قرّرت أن تكتب الفصل الأخير من حكايتها على طريق العودة من الجامعة.

لقد ناشد الطلاب والأهالي مراراً تأمين الحدّ الأدنى من السلامة، وعبّروا عن مخاوفهم من التنقّل بين القرى والمدن في ظلّ التصعيد العسكري. لكنّ المأساة وقعت، وسقطت عائلة كاملة ضحية واقعٍ لا يراعي طفولةً ولا علماً ولا مستقبلاً.

ليس السؤال اليوم عن امتحانٍ أُنجز أو عامٍ دراسيٍّ انتهى، بل عن قيمة الإنسان في زمن الحرب. ما جدوى النجاح إذا كان الطالب قد يدفع حياته ثمناً للوصول إلى قاعة الامتحان؟ وما معنى الحديث عن المستقبل فيما تُقصف الطرقات التي يسلكها أبناؤنا للوصول إليه؟

هذه الطالبة تمثّل واقعًا طلابيًّا يعاني، ورمزاً لجيلٍ كامل يعيش بين دفاتر الدراسة وصفارات الإنذار، بين حلم التخرّج وخوف الفقدان. وستبقى هذه القصّة شاهدةً على مرحلةٍ اضطرّ فيها الطلاب إلى تقديم امتحاناتهم تحت ظلّ الموت، فيما كان ينبغي أن يكون العلم مساحةً للأمان لا ممرّاً إلى المقابر.

رحم الله الطالبة”ثيودوسيا” ووالديها، ورحم كلّ من دفع ثمن هذه الحرب ظلماً. ويبقى السّؤال الذي يؤرّق الضمير: كم شهيداً نحتاج بعد كي ندرك أنّ حماية الطلاب ليست تفصيلاً إدارياً، بل واجبٌ أخلاقيّ وإنسانيّ لا يحتمل التأجيل؟

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى