سياسة

حروب الممرات البحرية وسيطرة التصعيد: هرمز وباب المندب في ضوء النظريات الاستراتيجية الكلاسيكية والمعاصرة

كتب العميد الركن م بهاء حسن حلال – الحوارنيوز

مقدمة
تشكل الممرات البحرية في النظام الدولي أكثر من مجرد عقد لوجستية للتجارة العالمية؛ فهي تمثل أدوات استراتيجية لإعادة تشكيل ميزان القوى الدولي. فمنذ أن اعتبر الأميرال الأمريكي ألفرد ثاير ماهان أن السيطرة على البحار أساس القوة العالمية، بقيت المضائق البحرية ـ وعلى رأسها مضيق هرمز وباب المندب ـ في قلب الصراع الجيوسياسي.
إلا أن التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط تشير إلى تحول نوعي؛ فالصراع لم يعد يدور حول السيطرة العسكرية المباشرة على المضيق، بل حول من يمتلك القدرة على التحكم بمستوى التصعيد، ومن يستطيع فرض كلفة اقتصادية وسياسية أكبر على خصمه. وهنا تتقاطع الأبعاد العسكرية مع نظريات الردع، والحرب المحدودة، واقتصاديات الأمن، والسياسة الداخلية الأمريكية.

أولاً: الممرات البحرية بوصفها مركز ثقل استراتيجي

يرى ماهان أن القوة البحرية تمنح الدولة القدرة على التحكم بالتجارة العالمية، بينما يذهب هالفورد ماكيندر ونيكولاس سبيكمان إلى أن السيطرة على أطراف اليابسة(Rimland)
هي مفتاح الهيمنة الدولية.
إلا أن الحالة الإيرانية تقدم نموذجاً مختلفاً؛
فهي لا تسعى إلى السيطرة البحرية التقليدية، بل إلى امتلاك قدرة التعطيل (Sea Denial)، أي منع الخصم من استخدام البحر بحرية دون الحاجة إلى امتلاك أسطول يعادل الأسطول الأمريكي.
وبذلك يتحول مضيق هرمز من مساحة بحرية إلى أداة ردع استراتيجية.

ثانياً: نظرية السيطرة على التصعيد (Escalation Dominance)

يُعد مفهوم السيطرة على التصعيد أحد أهم مفاهيم هيرمان كان وتوماس شيلينغ.
وتقوم النظرية على أن المنتصر ليس من يمتلك القوة الأكبر، وإنما من يستطيع التحكم بدرجات التصعيد ومنع خصمه من فرض قواعد اللعبة.
في الحالة الراهنة يمكن تفسير السلوك الإيراني بأنه يسعى إلى:
إطالة أمد المواجهة.
رفع الكلفة الاقتصادية عالمياً.
تجنب الحرب الشاملة.
إبقاء زمام المبادرة بيده.
وبذلك يصبح إغلاق هرمز أو التهديد بإغلاق باب المندب جزءاً من إدارة التصعيد أكثر من كونه هدفاً عسكرياً بحد ذاته.

ثالثاً: حرب الاستنزاف الاقتصادي

تنسجم هذه المقاربة مع نظرية الاستنزاف التي طوّرها روبرت بيب، والتي ترى أن الضغط الاقتصادي قد يكون أكثر حسماً من الحسم العسكري.
فالاقتصاد العالمي يعتمد بصورة كبيرة على الطاقة القادمة من الخليج، وأي اضطراب في هرمز أو باب المندب ينعكس مباشرة على:

-أسعار النفط.
-التضخم العالمي.
-سلاسل الإمداد.
-الأسواق المالية.

وعليه، فإن الممرات البحرية تتحول إلى أدوات لإنتاج الضغوط السياسية أكثر منها ساحات لتحقيق الانتصار العسكري.

رابعاً: هرمز وباب المندب كنظام ردع مزدوج

من منظور نظرية الترابط الاستراتيجي (Strategic Interdependence)، لا يمكن دراسة هرمز بمعزل عن باب المندب.
فإغلاق أحدهما يرفع أهمية الآخر.
أما تهديد الاثنين معاً، فينتج ما يشبه “الخنق البحري” للتجارة العالمية.
وهنا تظهر أهمية الفاعلين غير الدولتيين، مثل الحوثيين، باعتبارهم جزءاً من معادلة الردع الإقليمية، إذ يمكن توسيع نطاق الأزمة دون انتقالها إلى مواجهة مباشرة شاملة.

خامساً: يُستحضر هنا هوفر وجونسون؟
هنا تكمن الرسالة الأعمق
في الإشارة إلى هربرت هوفر وهي اشارة لا تتعلق بشخصه، وإنما بكونه أصبح رمزاً لرئيس سقط سياسياً تحت وطأة أزمة اقتصادية كبرى. فقد ارتبط اسمه بالكساد العظيم، وأصبح المثال الكلاسيكي على أن : الانهيار الاقتصادي قادر على إنهاء الشرعية السياسية.
أما ليندون جونسون، فيمثل نموذج الرئيس الذي استنزفته حرب طويلة، إذ تحولت حرب فيتنام إلى عبء عسكري وسياسي ومالي أدى إلى تراجع شعبيته وامتناعه عن الترشح لولاية جديدة.
وعندما يُقال إن الرئيس الأمريكي “لا يريد مصير هوفر”، فإن المقصود هو تجنب أزمة اقتصادية داخلية تُضعف موقعه السياسي.
أما الجمع بين هوفر وجونسون، فهو يعني الخشية من سيناريو مزدوج:
-أزمة اقتصادية تضرب الداخل الأمريكي (نموذج هوفر).
و-استنزاف عسكري وسياسي طويل الأمد (نموذج جونسون).

أي أن أخطر ما قد تواجهه الولايات المتحدة ليس خسارة معركة في الخليج، بل فقدان القدرة على إدارة التداعيات الاقتصادية والسياسية للحرب.

سادساً: هل يمكن لواشنطن استعادة السيطرة على التصعيد؟

وفق نظرية الحرب المحدودة لدى برنارد برودي، فإن أي توسع في العمليات البرية ضد إيران قد يحمل مخاطر تتجاوز المكاسب المحتملة، لأن النجاح العسكري لا يضمن تحقيق الهدف السياسي.

فحتى إذا نجحت قوة بحرية أو برية في تأمين جزء من الملاحة، يبقى بإمكان إيران أو حلفائها توسيع دائرة الضغط إلى مسارح أخرى، مثل البنية التحتية الخليجية أو باب المندب، بما يحافظ على كلفة مرتفعة للمواجهة.

وعليه، فإن معضلة واشنطن لا تتمثل فقط في امتلاك القوة، بل في ترجمة هذه القوة إلى نتائج سياسية مستدامة من دون الانزلاق إلى استنزاف مفتوح

خاتمة
تكشف أزمة هرمز وباب المندب أن الصراع في الشرق الأوسط يتجاوز المنافسة العسكرية التقليدية، ليصبح صراعاً على إدارة التصعيد، وتحمل الكلفة، والتأثير في الاقتصاد العالمي وفي هذا السياق، يكتسب استحضار هوفر وجونسون دلالة رمزية: فالخطر الاستراتيجي لا يقتصر على خسارة ميدانية* بل يمتد إلى احتمال أن تتحول الضغوط الاقتصادية والاستنزاف الممتد إلى عوامل تقوض القدرة السياسية على مواصلة الصراع.
ومن ثم، فإن فهم ديناميات الممرات البحرية يتطلب الجمع بين : -الجغرافيا السياسية، -ونظريات الردع،
-وإدارة التصعيد،
-والاقتصاد السياسي،
باعتبارها عناصر مترابطة تحدد مسار الأزمات المعاصرة ونتائجها

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى