
الحوارنيوز – تقرير خاص
لم يعد موسم قطاف الزيتون في الضفة الغربية مجرد مناسبة زراعية ينتظرها الفلسطينيون كل خريف، ولا مجرد محطة سنوية لتأمين مؤونة الشتاء ومصدر دخل لعشرات آلاف العائلات. ففي ظل تصاعد هجمات المستوطنين الإسرائيليين، وتقييد وصول المزارعين إلى أراضيهم، واقتلاع الأشجار وإحراقها وسرقة المحاصيل، تحوّل الموسم إلى مواجهة تتداخل فيها الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية مع الصراع على الأرض والوجود.
فالزيتونة في الوعي الفلسطيني ليست شجرة مثمرة فحسب؛ إنها ذاكرة عائلية متوارثة، وعلامة على الارتباط بالأرض، ورمز للصمود والاستمرارية. وهي، في الوقت نفسه، أصل اقتصادي قد تعتمد عليه عائلة بأكملها لتأمين احتياجاتها السنوية، وتمويل تعليم أبنائها، وتسديد ديونها، والاستمرار في العيش في قريتها.
وفي هذا السياق، اكتسبت الاعتداءات التي تستهدف المزارعين خلال موسم القطاف دلالة تتجاوز خسارة محصول موسمي، إذ يمكن أن يؤدي منع المزارع من الوصول إلى أرضه عاماً بعد آخر إلى إضعاف قدرته على الاستمرار في استثمارها، وتهديد مصدر رزقه، وتعميق هشاشة المجتمعات الريفية.
وتتجلى خطورة المشهد في التطورات الأخيرة؛ إذ أفادت قناة الجزيرة، في تقرير نشرته في 9 تشرين الأول/أكتوبر الجاري، بتسجيل 19 هجوماً للمستوطنين خلال يوم واحد، وفق لجنة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية، شملت الاعتداء على قطّاف الزيتون، وإحراق بساتين وسرقة محاصيل واقتلاع أشجار. كما تحدث التقرير عن اقتلاع أكثر من 50 شجرة زيتون في بلدة قصرة.
وعليه، فإن فهم ما يجري يقتضي قراءة الزيتون الفلسطيني من ثلاثة جوانب مترابطة: رمزيته في الثقافة الوطنية، ووزنه في الاقتصاد الريفي، وحجم الأضرار التي تلحق بهذا القطاع نتيجة الاعتداءات والقيود المفروضة على الوصول إلى الأراضي الزراعية.

أولاً: الزيتونة في الثقافة الفلسطينية… شجرة الأرض والذاكرة
تحتل شجرة الزيتون مكانة استثنائية في الذاكرة الفلسطينية، لأنها تجمع بين الأرض والعمل العائلي والموروث الشعبي. فالأشجار المعمّرة التي تنتشر على سفوح التلال وفي الحقول المحاطة بالجدران الحجرية ليست مجرد مورد زراعي؛ إنها جزء من المشهد التاريخي الذي تشكّلت فيه حياة القرى الفلسطينية عبر أجيال.
- رمز الارتباط بالأرض
تتوارث عائلات فلسطينية كثيرة بساتين الزيتون جيلاً بعد جيل. وقد تكون الشجرة الواحدة شاهدة على حياة ثلاثة أو أربعة أجيال، فيما تتصل ملكية الأرض بتاريخ الأسرة وذاكرتها ومكانتها في القرية.
ولهذا، فإن اقتلاع شجرة معمّرة لا يعني فقدان محصول سنة واحدة فقط، بل قد يعني خسارة مورد يحتاج إلى سنوات طويلة لتعويضه. وإذا كانت الأرض نفسها مهددة بالمصادرة أو محاطة بمستوطنات وطرق مغلقة، تصبح الشجرة جزءاً من قضية أوسع تتعلق بإمكان البقاء في المكان.
ومن هنا ترسّخ الزيتون في الخطاب الفلسطيني بوصفه رمزاً للثبات والتجذّر، وهي دلالة وثّقتها أيضاً تقارير صحافية عن موسم القطاف وهجمات المستوطنين.
- موسم يجمع العائلة والقرية
يبدأ الموسم عادة مع حلول الخريف، وتتحول الحقول إلى فضاء للعمل الجماعي. يشارك أفراد الأسرة في فرش الشوادر تحت الأشجار، وجمع الثمار، ونقلها إلى المعاصر، ثم تخزين الزيت وتوزيعه على أفراد العائلة.
وتتجاوز أهمية هذه المشاركة توفير اليد العاملة. فالموسم مناسبة لاجتماع الأقارب، واستعادة العادات القديمة، ونقل الخبرة الزراعية من الكبار إلى الصغار، وتعزيز التضامن بين الجيران.
وقد أشار معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني «ماس»، في تحليل عن قطاع الزيتون، إلى أن الموسم يشكل جزءاً مهماً من النسيج الاجتماعي، إلى جانب دوره الاقتصادي. كما نقلت تقارير ميدانية عن باحثين فلسطينيين أن اجتماع العائلات في الحقول يمثل مناسبة لتعزيز الروابط الاجتماعية.
وعندما يُحرم المزارع من الوصول إلى حقله، لا يخسر دخله فقط، بل يخسر أيضاً فرصة ممارسة تقليد عائلي واجتماعي متوارث.

- الزيت والزيتون على المائدة الفلسطينية
يحضر زيت الزيتون في الحياة اليومية الفلسطينية، من إعداد الطعام إلى حفظ بعض المنتجات المنزلية، فيما يشكل الزيتون المكبوس ومشتقاته جزءاً من المؤونة التي تخزنها الأسر لفصل الشتاء.
وتختلف العادات بين المناطق والعائلات، لكن الزيت وزيتون المائدة يرتبطان بمفهوم الاكتفاء المنزلي والكرم والضيافة. وتحرص أسر كثيرة على الاحتفاظ بكمية من زيت الموسم لاستهلاكها الخاص، فيما تبيع ما يزيد على حاجتها لتغطية نفقات أخرى.
وتكتسب هذه العلاقة أهمية إضافية عندما ترتفع الأسعار أو تتراجع المحاصيل؛ إذ لا ينعكس الضرر على دخل المنتج وحده، بل يمتد إلى المستهلك الذي يضطر إلى شراء الزيت بسعر أعلى أو تقليص استهلاكه.
- لماذا تُعدّ الزيتونة رمزاً وطنياً؟
تتجاوز رمزية الزيتون الجانب الزراعي، لتصبح جزءاً من التعبير الفلسطيني عن الهوية والارتباط بالأرض. فالزيتونة المعمّرة، والحقل العائلي، وموسم القطاف، عناصر تتداخل فيها الذاكرة الفردية مع الرواية الجماعية عن المكان.
لكن من المهم التمييز بين الدلالة الثقافية والوقائع الميدانية: فالزيتون ليس رمزاً مجرداً فحسب، بل محصول قائم على أرض مملوكة أو مستثمرة، وله قيمة اقتصادية ملموسة. ولهذا تحديداً، فإن حرمان المزارعين من الوصول إلى حقولهم يمكن أن يجمع بين الخسارة المادية والإحساس بالتهديد الثقافي والاجتماعي.

ثانياً: ما حجم قطاع الزيتون في الاقتصاد الفلسطيني؟
لا يمكن قياس أهمية الزيتون الفلسطيني بقيمة الزيت المباع في الأسواق وحدها. فالقطاع يوفر دخلاً مباشراً للمزارعين، ويشغّل عمال القطاف والمعاصر والنقل والتعبئة والتسويق، كما يسهم في الأمن الغذائي وفي استمرار النشاط الاقتصادي في القرى.
وفي ما يلي أبرز المؤشرات المتاحة حتى تشرين الأول/أكتوبر وفق بيانات وزارة الزراعة الفلسطينية لعام 2026
عدد أشجار الزيتون
13 مليوناً
المساحة المزروعة
نحو مليون دونم
الدونم يساوي 1,000 متر مربع
العائلات المستفيدة
90–100 ألف
القيمة السنوية للقطاع
120–140 مليون دولار
- مصدر رزق لعشرات آلاف العائلات
تقدّر مصادر فلسطينية ودولية أن ما بين 90 ألفاً و100 ألف عائلة تعتمد بصورة مباشرة أو غير مباشرة على قطاع الزيتون. ويشمل ذلك أصحاب البساتين، والعمال الموسميين، وأصحاب المعاصر، والعاملين في نقل المحصول وتعبئته وبيعه.
وتتفاوت درجة الاعتماد على الزيتون بين منطقة وأخرى. ففي بعض القرى يشكل المحصول جزءاً من دخل الأسرة، بينما تعتمد عائلات أخرى عليه بدرجة أكبر، خصوصاً في المناطق التي تفتقر إلى فرص عمل بديلة.
كما أن دخل الزيتون موسمي؛ إذ تحصل العائلة على جزء مهم من إيراداتها خلال فترة قصيرة، ثم تستخدمه لتمويل احتياجات تمتد طوال العام. ولذلك فإن خسارة موسم كامل قد تترك آثاراً تتجاوز الفترة الزراعية نفسها، وتؤثر في الإنفاق على الغذاء والتعليم والصحة وصيانة المنازل.

- سلسلة اقتصادية تبدأ من الحقل ولا تنتهي عند المعصرة
تضم صناعة الزيتون أنشطة متعددة:
- الزراعة والرعاية: تقليم الأشجار، والحراثة، ومكافحة الآفات، وصيانة شبكات الري في البساتين المروية.
- القطاف: تشغيل العمال الموسميين، وشراء أدوات الجمع، ونقل المحصول.
- العصر: تحويل الثمار إلى زيت، مع تكاليف الطاقة والتشغيل والصيانة.
- التخزين والتعبئة: توفير العبوات والصفائح والملصقات وشروط التخزين المناسبة.
- التجارة والتصدير: تسويق الزيت والزيتون ومنتجاتهما محلياً وخارجياً.
وبالتالي، فإن تراجع المحصول لا يضر المزارع وحده؛ بل يقلل العمل والإيرادات لدى حلقات متعددة من سلسلة الإنتاج. وإذا تعذّر الوصول إلى البساتين أو تأخر نقل الثمار، فقد تتضرر أيضاً جودة المحصول والقدرة على عصره وتسويقه في الوقت المناسب.
- قيمة اقتصادية تتجاوز نسبة مساهمة الزيتون في الناتج المحلي
قد يبدو قطاع الزيتون محدوداً إذا قيس بحجم الاقتصاد الفلسطيني الكلي، لكنه يحتل وزناً أكبر داخل الاقتصاد الزراعي وفي حياة المجتمعات الريفية.
وتشير تقديرات اقتصادية منشورة إلى أن قطاع الزيتون يسهم بنحو خُمس الإنتاج الزراعي في بعض السنوات، مع اختلاف النسبة بحسب حجم المحاصيل الأخرى والموسم. كما قدرت دراسة سابقة القيمة الإجمالية للقطاع بما يتجاوز 84 مليون دولار سنوياً، فيما قدّرت تقارير أحدث قيمة قطاع زيت الزيتون بنحو 120 إلى 140 مليون دولار. وهذه أرقام مرجعية لسنوات ومنهجيات مختلفة، ولا ينبغي جمعها أو التعامل معها باعتبارها قياساً واحداً للسنة الحالية.
والأهم أن الزيتون يمثل نشاطاً اقتصادياً ريفياً لا يسهل استبداله سريعاً بوظائف أخرى، خصوصاً في المناطق التي تتراجع فيها فرص العمل أو تتعطل فيها الحركة التجارية.
ثالثاً: إنتاج موسم 2026 : ما المتوقع، وما الذي قد يبدده؟
أعلنت وزارة الزراعة الفلسطينية، في 21 أيلول/سبتمبر 2026، تقديراتها الأولية لموسم الزيتون الحالي، مشيرة إلى إمكان إنتاج نحو 21 ألف طن من زيت الزيتون، إذا سمحت الظروف الزراعية والميدانية بتحقيق التوقعات. وهذه كمية تقديرية قابلة للمراجعة، وليست حصيلة نهائية بعد انتهاء الموسم.

التوزيع المتوقع للإنتاج
تقديرات وزارة الزراعة الفلسطينية لموسم 2026
الاستهلاك المحلي
15–15.5 ألف طن
الكميات المخصصة للتصدير
4 آلاف طن
المتبقي للمخزون والتداول
1.5–2 ألف طن
النسب تقريبية، محسوبة على أساس إنتاج قدره 21 ألف طن. وقد تتغير الكميات النهائية بحسب المحصول الفعلي والاستهلاك والتصدير.
وتكتسب هذه الأرقام أهمية إضافية لأن أي تراجع في المحصول قد يؤثر في قدرة السوق على تلبية الطلب المحلي، وفي الكميات المتاحة للتصدير، وفي دخل المزارعين.
هل يكفي الإنتاج المتوقع لتلبية الطلب؟
وفق تقديرات الوزارة، تبلغ الاحتياجات المحلية نحو 15 ألفاً إلى 15.5 ألف طن، فيما تقدر الكميات المخصصة للتصدير بنحو 4 آلاف طن. وهذا يعني أن الإنتاج المتوقع، إذا تحقق بالكامل، يمكن أن يغطي الاحتياجات المقدرة ويترك كمية محدودة للمخزون.
لكن هذه المعادلة تبقى مشروطة بعدة عوامل، أهمها:
- وصول المزارعين إلى الأراضي وجمع الثمار في الوقت المناسب.
- سلامة الأشجار وعدم تعرضها للاقتلاع أو الحرق.
- توافر العمالة والمعاصر ووسائل النقل.
- إمكان نقل الزيت وتسويقه وتصديره.
- وصول المنتجات إلى قطاع غزة، الذي تضرر قطاع الزيتون فيه بصورة شديدة.
وتؤكد الوزارة أن أرقام الإنتاج الأولية قابلة للتعديل مع ظهور النتائج الفعلية للقطاف والتسويق.

رابعاً: خسائر تتجاوز 157 مليون دولار منذ عام 2023
من أبرز المؤشرات على حجم الضرر الاقتصادي ما أوردته وكالة أنباء منظمة التعاون الإسلامي، نقلاً عن وكالة الأنباء الفلسطينية «وفا» ووزارة الزراعة، في 5 تشرين الأول/أكتوبر 2026. فقد تجاوزت الخسائر المقدرة في محصول الزيتون الفلسطيني 157 مليون دولار منذ عام 2023.
وبحسب الأرقام التي أوردها التقرير، توزعت الخسائر المقدرة على النحو الآتي:
الخسائر المقدرة في محصول الزيتون
تقديرات منشورة للخسائر السنوية، بملايين الدولارات، من 2023 حتى نهاية أيلول 2026.
0 مليون دولار- 20 مليون دولار- 40 مليون دولار- 60 مليون دولار- 80 مليون دولار ،بين عامي 2023 و2026
ويُظهر هذا التسلسل ارتفاعاً كبيراً في الخسائر المقدرة، ولا سيما في العامين الأخيرين. لكنه لا يعني أن جميع الخسائر ناجمة عن هجمات المستوطنين وحدها؛ إذ تتداخل معها قيود الوصول إلى الأراضي، والاستيلاء على مساحات زراعية، وتراجع القدرة على القطاف، والأضرار التي لحقت بالبنية الزراعية، إلى جانب عوامل الطقس والإنتاج.
ومن المهم أيضاً التمييز بين قيمة المحصول المفقود وبين الخسارة الاقتصادية الكاملة؛ فالأرقام المعلنة لا تعني بالضرورة أنها تشمل كل ما خسره المزارعون من فرص عمل وإيرادات مستقبلية، أو تكاليف إعادة تأهيل الأشجار والمعاصر والأراضي.
غزة: ضربة إضافية لقطاع الزيتون
لا يقتصر الضرر على الضفة الغربية. فقد أفادت وزارة الزراعة الفلسطينية، وفق التقرير نفسه، بأن قطاع الزيتون في غزة تعرض لدمار واسع منذ بدء الحرب عام 2023، شمل الأشجار والبنية التحتية المرتبطة بالإنتاج.
ويعني ذلك أن استعادة الإنتاج لا تتوقف على انتهاء موسم واحد؛ بل تتطلب إعادة تأهيل البساتين والمنشآت الزراعية، وإتاحة مستلزمات الإنتاج، وإعادة بناء القدرة على التسويق والتخزين والعصر.
خامساً: هجمات المستوطنين… كيف تتحول إلى خسارة اقتصادية طويلة الأمد؟
تزداد خطورة الاعتداءات في موسم القطاف لأنها تستهدف مرحلة حاسمة من الدورة الاقتصادية: الفترة التي تتحول فيها ثمار الأشجار إلى دخل فعلي للمزارعين.
فالشجرة التي لا تُقطف في الوقت المناسب قد يخسر صاحبها محصولها، بينما يمكن أن يتسبب اقتلاعها أو إحراقها في خسائر تمتد سنوات. كما أن منع الوصول إلى الحقول قد يحول دون رعاية الأشجار وتقليمها وصيانتها، ويضعف قدرتها الإنتاجية في المواسم اللاحقة.
ماذا تقول الأرقام الأممية؟
وثّق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في الأرض الفلسطينية المحتلة (أوتشا) خلال موسم 2025 ما مجموعه 178 هجوماً مرتبطاً بقطاف الزيتون بين 1 تشرين الأول/أكتوبر و30 تشرين الثاني/نوفمبر، أسفرت عن إصابات أو أضرار مادية أو كليهما. وشملت الاعتداءات 88 بلدة وقرية فلسطينية، وأدت إلى إصابة نحو 151 فلسطينياً، فضلاً عن تخريب أكثر من 6 آلاف شجرة وشتلة، معظمها من الزيتون.
وتكتسب هذه الأرقام أهمية في تقييم موسم 2026، إذ تشير إلى أن الاعتداءات ليست أحداثاً منفصلة عن السياق الزراعي، بل مشكلة متكررة تؤثر في سلامة المزارعين وإمكان وصولهم إلى أراضيهم.
وفي 9 تشرين الأول الجاري، أفادت الجزيرة بتسجيل 19 هجوماً للمستوطنين في يوم واحد، شملت الاعتداء على قطّاف الزيتون وسرقة المحاصيل واقتلاع الأشجار. وقبل ذلك بأيام، وثّقت تقارير صحافية اعتداء مستوطنين على مصور وكالة الصحافة الفرنسية جعفر اشتية أثناء تغطيته الاعتداءات قرب بلدة عقربا، في حادثة وقعت بحضور جنود إسرائيليين، وفق تقرير صحيفة «الغارديان» المنشور في 6 تشرين الأول.
وتتطلب هذه الوقائع التمييز بين الحوادث التي جرى توثيقها من جهات أممية، وتلك التي نقلتها الجهات الفلسطينية أو وسائل الإعلام؛ لكن تلاقي التقارير حول الاعتداء على المزارعين وتخريب الأشجار وتقييد الوصول إلى الحقول يبرز اتساع المشكلة.
لماذا لا تكفي إعادة زراعة الأشجار لتعويض الخسارة؟
تختلف شجرة الزيتون عن المحاصيل الموسمية التي يمكن إعادة زراعتها في دورة قصيرة. فالشجرة تحتاج إلى سنوات لتصل إلى إنتاج تجاري جيد، فيما قد تكون الأشجار المعمّرة أكثر إنتاجاً من الغراس الجديدة.
ويعني اقتلاع بستان منتج فقدان الإيرادات الحالية والمستقبلية، فضلاً عن تكلفة إعادة الزراعة والعناية بالأشجار الجديدة. وإذا تعذر على الأسرة استثمار الأرض خلال هذه الفترة، فقد تضطر إلى البحث عن مصادر دخل بديلة، أو بيع ممتلكات، أو تقليص إنفاقها الأساسي.
ويضاف إلى ذلك أن الاعتداءات قد تخلق حالة من الخوف تجعل المزارعين يترددون في دخول حقولهم، حتى في الأيام التي لا يقع فيها هجوم فعلي. وتكون النتيجة الاقتصادية عندئذ أوسع من الأضرار المباشرة التي يمكن إحصاؤها بعد كل حادثة.
سادساً: القيود على الوصول إلى الأراضي أخطر من خسارة موسم واحد
يشير تقرير نشرته اللجنة الدولية للصليب الأحمر في كانون الأول/ديسمبر 2025 إلى أن القيود على الحركة والوصول إلى الأراضي الزراعية، إلى جانب المخاوف الأمنية، جعلت موسم القطاف أكثر صعوبة بالنسبة إلى المزارعين الفلسطينيين. كما تناول التقرير حالة قرية المغيّر، حيث تحدث ممثل عن المجلس القروي عن اقتلاع آلاف الأشجار التي كانت تشكل مصدراً أساسياً للدخل المحلي.
وتبرز هنا حلقة اقتصادية يصعب كسرها: المزارع الذي لا يستطيع الوصول إلى أرضه لا يحصد محصوله؛ ومن دون إيرادات لا يستطيع تحمل تكاليف الرعاية الزراعية؛ ومع تراجع الاستثمار تتدهور قدرة الأرض على الإنتاج، فتزداد هشاشة الأسرة في الموسم التالي.
وإذا استمر هذا الوضع، فإن الخسارة لا تقتصر على دخل العائلة، بل تمتد إلى المعاصر والعمال والتجار، وقد تؤدي إلى تراجع النشاط الاقتصادي في القرية بأكملها.
ومن منظور الأمن الغذائي، يعني تراجع الإنتاج أيضاً انخفاض الكميات المتاحة للاستهلاك المنزلي والسوق المحلية، بما قد يرفع الأسعار ويزيد الضغط على الأسر ذات الدخل المحدود.
سابعاً: الزيتون في القانون الدولي وحماية المزارعين
تثير الاعتداءات على المزارعين والأشجار والممتلكات الزراعية أسئلة تتصل بحماية المدنيين والممتلكات في الأرض الفلسطينية المحتلة.
وتقع على عاتق القوة القائمة بالاحتلال التزامات بموجب القانون الدولي الإنساني، بما في ذلك حماية السكان المدنيين وممتلكاتهم، واتخاذ التدابير اللازمة لمنع العنف الذي يرتكبه أشخاص خاضعون لولايتها أو نفوذها، والتحقيق في الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها وفق القانون.
ولا يمكن إصدار حكم قانوني نهائي بشأن كل حادثة من دون التحقق من وقائعها وأدلتها وظروفها، لكن الاعتداء على المزارعين أو إتلاف ممتلكاتهم الزراعية بصورة غير مشروعة يستدعي التحقيق والمساءلة، كما أن القيود المفروضة على الوصول إلى الأرض تحتاج إلى تقييم وفق الأسس القانونية المنطبقة على كل حالة.
وقد دعت جهات أممية ودولية، خلال المواسم السابقة، إلى حماية المزارعين الفلسطينيين وضمان وصولهم الآمن إلى حقولهم، في ظل اتساع نطاق الاعتداءات.
وتبقى الحماية الفعلية مرتبطة بقدرة المزارعين على الوصول إلى أراضيهم، ووجود آليات فعالة للإبلاغ عن الاعتداءات والتحقيق فيها، وعدم الاكتفاء بتوثيق الأضرار بعد وقوعها.
خاتمة: حين تصبح حماية الزيتونة حمايةً للرزق والهوية
في فلسطين، لا ينتهي موسم الزيتون عند آخر شجرة تُقطف، ولا تختصر خسارته في كمية الزيت التي لم تصل إلى المعصرة. فالموسم يمثل دورة اقتصادية كاملة، وموعداً اجتماعياً تتجدد فيه الروابط العائلية، وامتداداً لذاكرة الأرض التي تتوارثها الأجيال.
ومن هنا، فإن تصاعد الاعتداءات خلال القطاف يهدد أكثر من محصول زراعي. إنه يهدد قدرة العائلات على تأمين دخلها، واستمرار النشاط الاقتصادي في القرى، وإمكان الحفاظ على تقاليد متوارثة ترتبط بالأرض ارتباطاً وثيقاً.
وتكشف الأرقام المتاحة عن مفارقة واضحة: قطاع تقدر قيمته بعشرات ملايين الدولارات، ويعتمد عليه عشرات آلاف الأسر، يواجه خسائر متراكمة في وقت يفترض أن يكون فيه الموسم فرصة لتعزيز الأمن الغذائي وتحسين الدخل الريفي.
لكن السؤال الأهم لا يتعلق بكمية الزيت التي ستنتجها فلسطين هذا العام فقط، بل بقدرة المزارعين على الوصول إلى أشجارهم، وحماية أراضيهم، والاستمرار في زراعتها في الأعوام المقبلة.
فالزيتونة التي تُحرم عائلة من قطافها اليوم قد تعني خسارة دخل موسم كامل؛ أما الشجرة التي تُقتلع، والأرض التي يُمنع صاحبها من الوصول إليها، فقد تحمل خسارتهما آثاراً تمتد إلى جيل كامل.
وهذا ما يجعل حماية موسم الزيتون الفلسطيني قضية تتقاطع فيها الزراعة والاقتصاد والحقوق والهوية الوطنية، وتتجاوز أهميتها حدود الحقول إلى مستقبل المجتمعات الريفية الفلسطينية برمتها.



