رأي

بعدما استنزف كل طاقاته العدوانية :هل في عودة نتنياهو خدمة لمحور المقاومة؟ (أحمد حوماني)

 

بقلم د. أحمد موسى حوماني – الحوارنيوز

 

يُحكى أن ملكاً في قديم الزمان كان لديه وزير حكيم ومخلص يعتمد عليه في كل شؤون الدولة. وفي أحد الأيام، ارتكب هذا الوزير هفوة أو خطأً غير مقصود، فغضب الملك غضباً شديداً وقرر في لحظة انفعال أن يعزله من منصبه ويأمر بسجنه.

بعد رحيل الوزير، بدأ الملك يبحث عن وزير جديد يحل محله. تقدم الكثير من الناس، واختار الملك رجلاً بدا له ذكياً وفصيحاً ولبقاً في حديثه، وظن الملك أنه سيكون أفضل بكثير من الوزير السابق. ولكن، مع مرور الأيام، تبين للملك أن الوزير الجديد مخادع، يبحث عن مصلحته الشخصية، ويسرق أموال الدولة، بل وتآمر مع الأعداء ضد الملك نفسه. حينها أدرك الملك فداحة خطأه، وتذكر وزيره القديم الذي، رغم هفوته، كان مخلصاً وأميناً ويخاف على مصلحة البلاد.

أمر الملك فوراً بإطلاق سراح الوزير القديم وإعادته إلى منصبه، ونفى الوزير الجديد. وعندما عاد الوزير القديم إلى مجلسه، نظر إليه الملك وقال نادماً: “حقاً.. الذي تعرفه أفضل من الذي تتعرف عليه”، فذهبت هذه الجملة مثلاً بين الناس.

على مدى أكثر من عشرين سنة تقلب فكر نتنياهو السياسي بين من لا يريد الحرب ويبتعد عنها، وبين من تبنى عقيدة الهجوم والحروب العسكرية. ففي فترة حكمه الأولى بين عامي ١٩٩٦ و١٩٩٩ كالت المعارضة له الكثير من التهم، لتهربه من اتخاذ قرارات الحرب خصوصاً على الجبهة اللبنانية، حتى أن أعداءه شككوا في أهليته للحكم متهمين إياه بأنه لا يفقه بالأمور العسكرية وكيفية إدارة الحروب وهو الذي لم يختبرها سابقاً.

أما خلال فترته الثانية والتي استمرّت من العام ٢٠٠٩ إلى العام ٢٠٢١، فقد اتسمت سياسته بالهدوء العسكري على مختلف الجبهات، لكنه أعطى البعد الأمني الأهمية القصوى بحيث إنه صاغ عقيدة أمنية تقوم على اغتيال كل شخصية معادية للكيان الصهيوني أينما وجدت.

ففي تلك الفترة قام الموساد بتنفيذ سلسلة من عمليات الاغتيال النوعية حول العالم، ركزت بشكل أساسي على تصفية علماء ومطوّري البرامج العسكرية والنووية (خاصة في إيران)، وقادة الدعم اللوجستي والتسليح لحركات المقاومة الفلسطينية. فقد تم اغتيال العديد من القادة الفلسطينيين منهم: محمود المبحوح (19 يناير 2010 – في دبي، الإمارات)، محمد الزواري (15 ديسمبر 2016 – في صفاقس، تونس)، فادي البطش (21 أبريل 2018 – في كوالالمبور، ماليزيا). وكذلك تصفية العديد من علماء البرنامج النووي الإيراني منهم: مسعود علي محمدي (12 يناير 2010)، مجيد شهرياري (29 نوفمبر 2010)،  داريوش رضائي نجاد (23 يوليو 2011)، مصطفى أحمدي روشن (11 يناير 2012)، محسن فخري زاده (27 نوفمبر 2020 – أبسرد، إيران). كما تم اغتيال القيادي في تنظيم القاعدة أبو محمد المصري “عبد الله أحمد عبد الله” (7 أغسطس 2020 – في طهران، إيران).

وهكذا فإن الفترة الثانية من حكمه اعتمدت مبدأ اغتيال كل من يشكل خطراً على الكيان الصهيوني، سواء كان هذا الخطر عسكرياً أو تكنولوجياً أو علمياً، علماً أن العقيدة العسكرية الصهيونية حتى ذلك الوقت كانت تتجنب الهجوم المباشر، وتقتصر على الدفاع عن الكيان في حال تعرض لهجوم عسكري من قبل أي جهة.

فترة حكم نتنياهو الأخيرة من أواخر عام ٢٠٢٢ اتسمت بالحروب العسكرية المباشرة، بل وفتح جبهات جديدة، وأصبحت عمليات الاغتيال جزءاً من عقيدة عسكرية أوسع تقوم على التدخل العسكري والأمني في أي دولة عدوة أو صديقة (كما حصل من محاولة اغتيال قيادات حماس في الدوحة).

الكيان الصهيوني بعد الانتخابات الأخيرة أمام خيارات متعددة، لا نقول صعبة، والطرق ليست مسدودة كما يحلو للبعض أن يصف حالتهم، لأن الصراع ليس بين نهج وآخر كما كان تاريخياً بين من يؤيد السلام مع العرب (حزب العمل)، وبين من يرفض ذلك (حزب الليكود). اليوم كل زعماء الأحزاب هم ضد فكرة السلام وضد فكرة قيام دولة فلسطينية، وجميعهم يتبنون الفكر “النتنياهوي”  في التعامل مع الفلسطينيين أو مع الدول المجاورة أو البعيدة، والعقيدة العسكرية هي نفسها، لذا يمكن القول إن الصراع هو بين أشخاص وليس بين برامج، وإن كانت للأشخاص طرق مختلفة في إدارة الأوضاع.

كثيرون يتمنون عدم عودة نتنياهو إلى رئاسة الحكومة نظراً للجرائم التي ارتكبها في غزة ولبنان وسوريا وإيران واليمن والعراق، لكن لنستعرض بعض الأمور بشكل دقيق:

أولاً: لقد فعل نتنياهو كل ما يستطيع في قتاله لمحور المقاومة، وبالتالي فإن وجوده على رأس الحكومة لن يضيف ميزة للإدارة في الفترة المقبلة.

ثانياً: لقد أصبحت طريقة نتنياهو واضحة ومعلومة في إدارة المعارك السياسية والعسكرية والأمنية، وبالتالي أصبحت مكشوفة لقادة محور المقاومة.

ثالثاً: لو بقي نتنياهو في السلطة، فإن مشاكله الداخلية ستتراكم أكثر فأكثر، وهذا ما يجعله ضعيفاً في اتخاذ القرارات، ومهدداً في أي وقت للهجوم والمساءلة.

رابعاً: ستبقى صورة الكيان الصهيوني بوجوده صورة موسومة بالإجرام والقتل.

خامساً: سيعزف العديد من قادة دول العالم عن التعاون معه حفاظاً على مصداقيتهم أمام شعوبهم، وبالتالي فسيبقى معزولاً هو ووزراؤه المتطرفون.

سادساً: ستزداد المقاطعة العلمية، وسيتوقف الدعم للجامعات الصهيونية وللأبحاث والدراسات، وهي نقطة بالغة الأهمية بالنسبة للكيان وتفوقه العسكري والأمني والتكنولوجي.

سابعاً: سيبقى رئيساً ملاحقاً من قبل الجنائية الدولية.

ثامناً: نتنياهو يقود الكيان بشكل شخصي، أي أن قراراته هي التي تنفذ، وبالتالي لا منافس له، ولا تعدد قرارات ومواقف بوجوده.

تاسعاً: نتنياهو ليس بحاجة إلى إثبات ذاته بعد كل هذه الحروب التي خاضها.

أما في حال وصول شخص آخر أياً يكن هذا الشخص، سواء أيزنكوت أو بينيت أو لابيد أو غيرهم فسيتمكن بقليل من الجهد من:

أولاً: تحسين صورة الكيان حول العالم، والتخلص من صورة الكيان المجرم القاتل.

ثانياً: إعادة العلاقات مع كثير من الجامعات والمراكز العلمية في العالم.

ثالثاً: إعادة التواصل مع زعماء العالم على اعتبار أن نهجاً جديداً يحكم الكيان.

رابعاً: سيتعدد مركز القرار في الكيان بوجود تحالفات، لكن اتجاهاتها متغايرة، ما يمكن القيادة من لعب دور الشرير والطيب في نفس الوقت.

خامساً: سيكون المحور أمام حالة من الغموض وسيحتاج لفترة طويلة لفهم مسار الأحداث في الكيان، ومصادر اتخاذ القرار وكيفية التعامل معها.

سادساً: كل أولئك القادة المتحالفين لتشكيل حكومة جديدة سيكونون أمام اختبار إثبات أنفسهم في القيادة والحكم، والتنافس سيؤدي إلى مزيد من التطرف.

في الخلاصة فإن محور المقاومة ليس أمام نهج سيء ونهج جيد أو أقل سوءاً، بل هو أمام نهج سيء ونهج أكثر سوءاً، وإن كان سيستخدم كلمات منمقة لكن أفعاله ستكون أكثر تطرفاً. لذا قد يكون من مصلحة المحور وجود شخصية مثل نتنياهو على رأس السلطة في الكيان، فهو معروف لدى الأعداء والأصدقاء، وتصريحاته واضحة لا لبس فيها، وهذا الأمر يسهل على الآخرين فهم كيفية التعامل معه.

لو كانت التمنيات تحقق المراد والمبتغى، لتمنينا أن يزول هذا الكيان الغاصب بكل أحزابه وقياداته، ولكن لأن التمنيات شيء والواقع شيء آخر، فقد يصدق المثل القائل: بأن الذي تعرفه أفضل من الذي تتعرف عليه.

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى