رأي

الجنوب السوري بين سندان الأردن ومطرقة “داعش” (أحمد حوماني)

 

كتب د.أحمد موسى حوماني – الحوارنيوز

 

من قصص التراث الشعبي المعبرة عن واقع الجنوب السوري هذه الأيام هي قصة “مسمار حدوة الحصان”. هذه الحكمة الشهيرة تختصر كيف يمكن لإهمال تفصيل صغير جداً أن يُسقط مملكة كاملة:

“بسبب مسمار… فُقدت الحدوة، وبسبب الحدوة… فُقد الحصان، وبسبب الحصان… فُقد الفارس، وبسبب الفارس… هُزمت المعركة، وبسبب الهزيمة… ضاعت المملكة، وكل هذا بدأ بسبب مسمار حدوة الحصان!”

لا تبتعد قضية قصف الطيران الحربي الأردني للجنوب السوري في منطقة درعا عن هذه المقولة. صحيح أن الحدث صغير قياساً إلى ما يحدث في المنطقة من حروب، إلا أن دلالاته كبيرة جداً خصوصاً أن المنطقة المستهدفة هي درعا التي منها انطلقت الشرارات الأولى للحرب في سوريا.

كلنا يذكر يومها أن التظاهرات التي انطلقت يوم الثامن عشر من آذار عام 2011 كانت بسبب ادعاء اعتقال وتعذيب مجموعة من الأطفال في مدرسة “الأربعين” بمدينة درعا، بعد أن كتبوا عبارات مناهضة للنظام السوري السابق على جدران المدرسة. لم يكن يعتقد أحد يومها أن هذه التظاهرات يمكن أن تؤدي لاحقاً إلى سقوط النظام في سوريا ولو بعد ثلاثة عشر عاماً.

كان مفاجئاً ما حدث الأسبوع الماضي. فقد نفذت الطائرات الحربية الأردنية غارات جوية في جنوب سوريا، وأعلن الجيش الأردني تنفيذ هذه الضربات تحت اسم عملية “الردع الأردني – حمود”، واستهدفت ما وصفها بـ “تنظيمات إرهابية” ومواقع تابعة لتنظيم “داعش” في ريف محافظة درعا بجنوب سوريا. وفي بيانه ذكر أن القصف الأردني هو ردٌّ انتقامي على هجوم إرهابي وقع قبلها بأيام، واستهدف كنيسة في قرية “حمود” بمحافظة الكرك جنوبي الأردن، وأسفر عن مقتل تسعة أشخاص. وقالت السلطات الأردنية إن منفذي الهجوم يحملون فكراً تكفيرياً ويرتبطون بتلك التنظيمات في سوريا.

القصف أدى إلى مقتل عشرين شخصاً بينهم نساء وأطفال حسب تقارير الحكومة السورية، ولا بد من الإشارة إلى خطورة هذا الحدث من جهات عدّة:

أولاً: هو خرق واعتداء على سيادة دولة عربية، فالمعتدي والمعتدى عليه هما دولتان عربيتان.

ثانياً: تتوافق الرواية الأردنية مع الروايات الصهيونية عن وجود جماعات تكفيرية تنشط في الجنوب السوري.

ثالثاً: النظام السوري الحالي يتمتع بدعم كبير من أمريكا وبعض الدول الخليجية، فمن سمح للجيش الأردني بانتهاك سيادة سوريا؟ ألم يكن الأفضل للدولتين حل المسألة بطرق أخرى سلمية؟

رابعاً: الكلام عن أن مصدر هذه التفجيرات هو جماعات في سوريا بحاجة إلى دليل واضح وصريح، خصوصاً أن المسافة بين درعا والكرك حيث حدثت مجزرة الكنيسة تزيد عن ثلاثمائة كيلومتر، فالكرك في الجنوب الأردني، وهذا ما لم يقدمه النظام الأردني.

خامساً: أكدت الحكومة السورية أن الغارات جرت من دون تنسيق مسبق معها.

سادساً: لا تبدو عملية القصف بريئة في هذا التوقيت، خصوصاً أنها المرة الأولى منذ وصول أحمد الشرع إلى سدة الحكم في دمشق.

سابعاً: تتعرض مواقع التنظيمات في الجنوب السوري إلى غارات من العدو الصهيوني تحت حجج مختلفة، ودعماً للسويداء كما صرّح عدد من قادة العدو، وفي هذه الأيام لقصف من الطيران الأردني بحجة وجود ربط بينهم وبين من قام بالاعتداء على الكنيسة في الكرك. وهذه مفارقة ملفتة.

ما يثير الريبة أن محافظة درعا تقع بين فكّي كماشة، فمن الغرب تقع القنيطرة التي يحتل قسم كبير منها العدو الصهيوني، ومن الشرق محافظة السويداء التي تعيش حالة من عدم الاستقرار مع النظام السوري. فهل يكون القصف الأردني بداية لفتح معركة في الجنوب السوري مع الأردن، ليعيش كل الجنوب السوري حالة من الفوضى يستغلها العدو الصهيوني لفتح ممر نحو السويداء؟

في هذا السياق لا بد من الإشارة إلى ما قاله رئيس حزب التوحيد العربي الوزير السابق وئام وهاب – وهو الذي يجاهر بعدائه للنظام السوري الحالي – عن الغارات التي نفذها سلاح الجو الملكي الأردني في جنوب سوريا، عبر حسابه على منصة (إكس): “لم أحب أن أتناول موضوع سوريا عندما وقعت مجزرة الكرك، ولكن تحرك الطيران الأردني اليوم أكد المؤكد. سوريا بؤرة للإرهاب وعلى الأردن أن يتخذ الموقف المناسب”. وفي موقف لافت بشأن محافظة السويداء، أضاف وهاب: “والسويداء ستكون سند الأردن الآمن والمستقر”.

موقف الحكومة السورية لم يكن بالمستوى المطلوب، فهو استنكر الاعتداء، وأكد أنه لم يكن هناك تنسيق مع الحكومة السورية بهذا الأمر. وبعد ثلاثة أيام على الحادثة استدعت الخارجية السورية السفير الأردني وسلمته مذكرة احتجاج على القصف.

فهل ما حصل هو رسالة إلى النظام السوري؟ ومِن مَن؟ هل هي من أمريكا عبر الأردن؟ أم من السعودية التي طلبت دعماً عسكرياً سورياً بشرياً، وحتى الساعة ينفي النظام نيته المشاركة في الحرب على اليمن.

وإذا كان صحيحاً ما ذكره وأصر عليه النظام الأردني أن القصف كان بتنسيق مع النظام السوري، فهل يؤشر ذلك إلى فقدان النظام في سوريا السيطرة على هذه التنظيمات، لذا لجأ لمساعدة الأردن بذلك؟ وهل بدأ النظام في الأردن يستشعر الخطر من وجود هذه التنظيمات على حدوده الشمالية؟ لكن من أين جاءته كل تلك الشجاعة، وهو الذي التزم الصمت المطبق حيال كل المجازر التي ارتكبها الصهاينة في غزة، وفيما يجري في الضفة الغربية من حصار وقتل واعتقالات، وهو لم يجرؤ على الرد على استهداف القواعد الأمريكية على أراضيه بعشرات الصواريخ والمسيرات الإيرانية لأسابيع طويلة

.والسؤال الأخطر هو هل ستسكت التنظيمات التي استُهدفت على هذا القصف؟ وهل ستؤدي هذه الضربة إلى رد فعل من قبل هذه التنظيمات على الداخل الأردني؟ وما هو موقف النظام السوري عندها إذا ما تكررت الهجمات الأردنية؟ وهل يكون ذلك بداية لمجموعة أحداث تتوالى بحيث تؤدي إلى ضياع سلطة الدولة والنظام في سوريا، وتكون هذه الضربة، ليس المسمار الذي فُقد من الحدوة، بل المسمار الذي دُقّ في نعش الهدوء والأمن في الجنوب السوري؟

 

الأيام المقبلة ستظهر ما يخطط للجنوب السوري من حروب وصراعات في كل الاتجاهات.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى