رأي

النخبويون الجدد وفنّ التنمّر على المخالفين: حين تكشف السلبية هشاشة الفكر (أسامة مشيمش)

 

بقلم الدكتور أسامة توفيق مشيمش – الحوارنيوز

لنعد إلى موضوع النخبويين الجدد، أولئك الذين تمرّسوا بموهبة التنمّر على الآخرين لمجرّد اختلافهم معهم في الرأي والموقف. وهذه الظاهرة، إن دلّت على شيء، فإنّما تدلّ على ركاكة ما يؤمن به هؤلاء ظاهرياً، وعلى ضعف قدرتهم على الدفاع عن أفكارهم بالحوار الهادئ والمنطق السليم، فيلجؤون إلى التنمّر وكأنّه وسيلة لإثبات الذات والانتصار للرأي.

إنّ عنوان الموضوع، مهما كان جذّاباً أو مثيراً للاهتمام، لا يكفي وحده لجذب انتباه هؤلاء الأشخاص، لأنّ المشكلة لا تكمن في العناوين ولا في طبيعة الموضوعات المطروحة، بل في الذهنية التي يتعاملون بها مع الآخرين، وفي استعدادهم المسبق لرفض كلّ ما يخالف قناعاتهم، من دون أن يمنحوا أنفسهم فرصة التأمّل أو المراجعة.

والحقيقة أنّ النفس تملّ مجالسهم، وتنفر من صحبتهم، ليس بالضرورة بسبب اختلاف الأفكار أو تباين وجهات النظر، فذلك أمر طبيعي في حياة المجتمعات، بل بسبب كمّية الطاقة السلبية المتوفّرة بغزارة عندهم، والتي يوزّعونها يميناً ويساراً، وكأنّهم يحملون على عاتقهم مهمّة إحباط الآخرين والتقليل من شأنهم، بدلاً من إثراء النقاش وتوسيع آفاق المعرفة.

إنّ النخبوي الحقيقي لا يحتاج إلى التنمّر ليُثبت مكانته، ولا إلى إهانة المخالف ليؤكّد صواب رأيه؛ فالعلم والثقافة والنضج الفكري تظهر في القدرة على الاستماع، واحترام الاختلاف، ومناقشة الأفكار بعيداً عن الشخصنة والتجريح. أمّا تحويل المجالس الثقافية والاجتماعية إلى ساحات للاستعلاء والتصنيف والإقصاء، فهو دليل على أزمة في أسلوب التفكير والتعامل، مهما تزيّن أصحابها بألقاب المعرفة والثقافة.

ولا أجزم بأنّ هذه الآفة مستجدّة في مجتمعنا أو في المجتمعات الأخرى، بل إنّ تراكم المعرفة والتجارب الإنسانية لديّ أثبت لي أنّها موجودة ومتأصّلة في النفس البشرية، وإن اختلفت مظاهرها وأشكالها من زمن إلى آخر.

ولعلّ التحدّي الحقيقي اليوم ليس في كشف هؤلاء فحسب، بل في ترسيخ ثقافة الحوار والاحترام، بحيث يصبح الاختلاف فرصة للفهم والتعلّم، لا ذريعة للتنمّر والاستعلاء. فالمجتمع الذي يحترم عقول أفراده لا يخشى تعدّد الآراء، بل يخشى أن تتحوّل الغطرسة إلى بديل عن الفكر، وأن يصبح التنمّر لغة من يدّعون النخبوية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى