هل تريد سوريا حقًا ضرب حزب الله في لبنان ؟( أحمد حوماني)

بقلم د. أحمد موسى حوماني – الحوارنيوز
أثار الخبر الذي نقله أحد المواقع الإخبارية عن إحباط إيران لتدخل عسكري سوري في لبنان حفيظة العديد من السوريين في لبنان وسوريا وبلاد المهجر. وقد تلقيت العديد من الاتصالات والرسائل من مجموعة من الأصدقاء، منهم من يؤيد النظام الحالي في سوريا، ومنهم من يعارضه، ومنهم من كان مؤيداً للنظام السابق، لكنه كان يُبدي ملاحظات عديدة حول أدائه في قضايا متعددة. وأغلبهم أكّد أن موضوع التدخل السوري في لبنان ليس وارداً في ذهن الرئاسة السورية مطلقاً.
تختلف منطلقات كل منهم في تبني هذه السردية. فبعضهم ينطلق من أن الرئيس السوري أحمد الشرع هو من أذكى وأدهى القادة العسكريين في سوريا، وهو يعي أن الدخول إلى المستنقع اللبناني سيرتد حكماً على الداخل السوري في وقت ما زالت سوريا تتعافى من حروب السنوات الخمسة عشر الماضية. وهي ليست بحاجة إلى فتح جروح الماضي، بل إلى محاولة الحفاظ على الاستقرار لاستعادة دورها الريادي في العالم العربي، وهو ما سعى ويسعى إليه الرئيس الشرع في الفترة الماضية والحالية.
فيما البعض الآخر اعتبر أن الرئيس الشرع يحمل الفكر الإسلامي القومي العربي وهو يرفض فكرة الحروب العربية الداخلية، ويعتبر أن عدو سوريا والعرب الحقيقي هو الكيان الصهيوني. لكنه يدرك أيضاً أن فتح جبهة عسكرية حالياً ليس لمصلحة سوريا، وأن هذه الفترة هي فترة إعداد واستعداد، وإعادة تنظيم الجيش السوري وتسليحه من جديد. ويستشهد لذلك ببدء الطيران الحربي السوري تحركاته وتدريباته، وهو ما يجري أيضاً في مختلف القطاعات العسكرية في الجيش العربي السوري.
وعبر البعض الآخر عن أن الرئيس الشرع يتعامل مع الأحداث بواقعية بعيداً عن الشحن الطائفي والمذهبي، ويدرك أن فن السياسة هو العمل بالمقولة الشهيرة: “ليس هناك عدو دائم أو صديق دائم، بل توجد مصالح دائمة”. لذا فهو يرى أن مشاركة حزب الله في الدفاع عن سوريا الأسد هي مرحلة انتهت إلى غير رجعة، ولا مفاعيل لها على مستقبل العلاقة بين سوريا ولبنان.
وأشار أحد الأصدقاء إلى أن الجيش السوري يتلقى تدريبات من ضباط أتراك يُعيدون هيكلته بشكل نظامي، ويعمدون إلى تسليحه بشكل جيد، وأنه قريباً سيتملك من القوة النظامية ما تمكنه من رد أي عدوان على سوريا. أما الحديث عن انفصال طرابلس عن لبنان وإعلانها ولاية سورية فهو من قبيل الأوهام المتخيلة. مع العلم أن عدداً لا بأس به من قيادات طرابلس وجوارها تتردد إلى سوريا، وتطلب من الساسة السوريين السعي بهذا الأمر، لكنها دوماً تصطدم بالرفض المطلق لهكذا طروحات. فسوريا الشرع تؤمن بسيادة لبنان على كافة أراضيه.
لو سلمنا بأن ما يقولونه عن الرئيس الشرع صحيح، إلا أن الأمور لا تقاس بما يتمنى المرء ويريده. فهو يتعرض لضغط كبير جداً من الرئيس الأمريكي للدخول إلى لبنان والقضاء على حزب الله – حسب أمانيهم. فإذا سلمنا بأنه حتى الآن لا ينوي اتخاذ أي إجراء ضد لبنان، فإلى متى سيستطيع الصمود بوجه هذا الضغط الأمريكي؟
لا يتردد أحدهم بالقول أنه سيصمد، وذلك أن أمريكا ليست اللاعب الوحيد في سوريا. فهناك التركي والصهيوني. فقادة الكيان الغاصب لا يستسيغون الدخول السوري إلى لبنان لأي سبب كان، خوفاً من توسيع هيمنتهم وإعادة سيطرتهم على السلطة السياسية في لبنان، ما يجعل موقفهم أقوى في أي مفاوضات لاحقة. بل قد يكسبهم ذلك أوراقاً تجعل هناك حدوداً لحركة الكيان الصهيوني في لبنان، وهو ما لا يحبذونه وهم يريدون لبنان ساحة تابعة لهم حصراً. وكل التصريحات السياسية والعسكرية للقادة الصهاينة ترفض هذا التدخل حتى لو كانت نتيجته القضاء على حزب الله في منطقة البقاع.
كما أن موقف الدولة التركية لا يشجع على ذلك، فهي لا تريد المجازفة برصيدها في سوريا، وعلاقاتها الجيدة مع لبنان. بل أكثر من ذلك، فالموقف التركي يرى أن القضاء على حزب الله هو خدمة للكيان الصهيوني، وسيتقدم الدور الصهيوني خطوة إلى الأمام في تنافسه مع الدور التركي على الحوض الشرقي للبحر المتوسط.
أكثر الأصدقاء واقعية رأى أنه قد يكون الضغط الأمريكي قد وصل إلى مرحلة قاسية لم يعد بمقدور الرئيس السوري تحمله، ولا يرغب التركي في ذلك. لذا سرّب للإيراني هذا السيناريو، ليتخذ الإيراني هذا الموقف الحاسم في المشاركة بالقتال ضد النظام السوري إذا ما حاول الدخول إلى لبنان. وليُسمع الإيراني الجميع بمن فيهم الأمريكي أن الدخول السوري إلى لبنان له أثمان باهظة ستدفعها المنطقة برمتها، وأن هذا الأمر سيعني إعادة رسم خرائط المنطقة من جديد. وهو ما أفهمته إيران إلى كل من سوريا وتركيا وقطر والسعودية، وبالتالي وصلت الرسالة للأمريكي الذي تراجع عن ذلك خوفاً من نكسة جديدة قد تتعرض لها السياسة الأمريكية في غرب آسيا.
كل ذلك لا ينفي ما ورد في تقرير وكالة “يونيوز” الإخبارية. فبالتأكيد الإمارات تدعم هذه الفكرة. أما السعودية التي لا تخفي عداءها لحزب الله وتتمنى إضعافه، فهي لن تدعم مثل هذا الخيار لما يحمله من مخاطر على وحدة لبنان. ويبدو أن أمريكا ما زالت مصرة على مشروعها في القضاء على حزب الله، أو تحجيم دوره، لكن الظروف الميدانية والسياسية لم تساعدها على ذلك.
قد يكون ما يقولونه صحيحاً، أو على الأقل جزءاً مهماً منه، ونتمنى أن يكون كله صحيحاً. لكننا في نفس الوقت نعتقد أن الرئيس السوري أحمد الشرع هو من الفطنة بحيث يعرف أن الكيان الصهيوني بكل ما يملكه من قوات جوية وبرية وبحرية ومساندة غربية لم يستطع التقدم في جنوب لبنان إلا لمسافات قليلة. وأن أمريكا بكل عظمتها لم تستطع أن تهزم إيران، أو أن تجعلها تتراجع، بل وقفت نداً لها وأغلقت شريان النفط ومشتقاته أمام كل سفن العالم. وهي تجرأت وقصفت معظم القواعد الأمريكية في منطقة الخليج والأردن والكيان الصهيوني وحتى قاعدة التنف في سوريا. وهذا تأكيد على أن الرهان على مشروع أمريكا في المنطقة مصيره السقوط والفشل. فلماذا سيربط الرئيس الشرع مصير سوريا بدولة بدت ملامح أفول قوتها في المنطقة واضحة للعيان، فيما مدّ الأمين العام لحزب الله يده للتعاون مع سوريا، وفتح صفحة جديدة من التعاون والتنسيق المباشر في قضايا الأمة.
مرة أخرى كان لا بد أن تذكر إيران من يعنيهم الأمر أن وجود المقاومة وحزب الله في لبنان خط أحمر لا يمكن لأحد تجاوزه، وأن الإسناد الإيراني سيدك حصون وقلاع وقواعد كل من يريد السوء للمقاومة في لبنان.



