اتفاق الإطار:لبنان من وطن نهائي.. الى نهاية وطن!(نظير الجاهل)

كتب د. نظير الجاهل – الحوارنيوز
يوم وُقٍّع اتفاق الإطار في واشنطن قدم رئيس الحكومة كتاب وثيقة الطائف كهدية تذكارية لنتنياهو بعد ان محت المملكة السعودية مضامينه بتصفيتها للحريربة.
يوم وقع اتفاق الإطار اهدى رئيس الجمهورية “مجد لبنان” الذي اعطته الدول الاوروبية للبطريكية المارونية الى السيد روبيو وزير خارجية اميركا الانجيلية الصهيونية.. وتخلى عن ميزة المارونية السياسية وارتضى بتحويل الجمهورية الى دويلة ملحقة باسرئيل.
ليس اتفاق الإطار نتاج تفاوض بين طرفين بل اعلان أميركي بانهاء الجمهورية اللبنانية وتصفيتها والحاقها باسرائيل.
ولم يكن هذا الإعلان مفاجئا بل وليد مسار تحضيري طويل لتفكيك مرتكزات امتياز نصاب المارونية وانهاء الحريربة:
فيوم اتخذ القرار بتهويد القدس والتخلي عن حل الدولتين تسارع مسار تصفية لبنان كوطن نهائي لاستخدامه مفككا كقطع تركيب لاسرئيل الكبرى.
هكذا صفيت بيروت -الوساطة- التجارية بتدمير مرفأها بانفجار يذكر بقنبلة هيروشيما النووية.
و صُفّي دور بيروت المالي بمنهبة العصر وتم القضاء على مكانتها المصرفية
واخضع الجيش لوصاية مالية ادارية مباشرة..
و أخيرا تمت سرقة حقل كاريش وبددت بالعاب هوكشتين البهلاونية احلام لبنان النفطية.
وهكذا دفعت الادارة الاميركية بأعيان المارونية السياسية لهدم مرتكزات غلبتها ودورها المميز في الكيان و اندفعت المملكة السعودية بالتوازي الى تصفية الطائف من خلال تصفية الحريرية .
ولقد انهت الإدارة الاميركية بتدخلها المباشر االتوازن الايراني الاميركي والدور السوري في لبنان بعد ان استخدمتهما لتفكيك للكيان كحقل توازن بافلاسه لنقل ادارته لاسرائيل.
الطائفة الشيعية: من سجن التوازنات الكيانية الى وحدة الجبهات
انزلق حزب الله الى سياق هذه التصفية المتدرجة لمعادلة “لبنان – الطائف” مدفوعاً بوهم التوازن الايراني- الاميركي وتقاسم النفوذ مع الهيمنة الاميركية.
انزلق إلى السيطرة الشكلية على توازنات الكيان الداخلية المتهاوية التي كانت تطوقه بقدر ما كان يغرق فيها..
وفيما كان طوفان الاقصى تعبيراً عن استحالة اي توازن مع اسرائيل الكبرى، بادر الحزب بحرب الاسناد محكوماً بوهم التوازن الاميركي الايراني، فسقطت معادلته الردعية وصفّي النفوذ الايراني في سوريا وانحسر في العراق…
في 27 تشرين الثاني 2024 انتهت حرب الاسناد بانهيار معادلة الحزب القتالية . انهارت استراتيجية الانفاق وصفيت قوات النخبة الهجومية وشبكة الاتصالات الميدانية… وهو ما بعد فعالية المقاومة الهجومية …واستشهاد كوادره العليا وامينه العام.
كل شيء كان يوحي بأن الامر قد انقضى … وبان المقاومة قد صُفّيت بعد ان استهلكت بالحروب البينية، واستنزفت بمعادلات حقل التوازن ..وانهيار هذاالحقل…
كل شيء كان يوحي بأن النظام الايراني قد انتهى بعد ان استشهد معظم قياداته العليا اغتيالاً ،وفي مقدمتهم المرشد ، وبعد ان فقد شرعيته بانهيار دوره المعلن في الدفاع عن ثغور الأمة واسترجاع القدس ، وانه آن الاوان لضرب رأس المنظومة وهدم اركانها تحت وطأة هتافات لا غزة ولا لبنان…
كل شئ كان يوحي ان حزب الله قد انتهى في لبنان. ولذلك عندما اطلقت المقاومة صواريخها الستة بادرت حكومة سلام الى إصدار قرارها في 2 آذار 2026، الذي يقضي بـالحظر الفوري لجميع الأنشطة العسكرية والأمنية لحزب الله، معتبرةً إياها خارجة عن القانون، متوهمة ان الجمهورية الاسلامية على حافة السقوط وأنه آن الاوان للصلح مع اسرئيل. آن الاوان لمعاهدة سلام بمظلة امريكية ، تسمح باعادة تركيب الكيان بمعادلة تُقصي الطائفة الشيعية من انصبة توازناته وذلك باستثمار هزيمة المقاومة واستسلامها .
وعندما صمدت المقاومة ولم يسقط النظام صعّدت القوى المراهنة على الاحتلال هجومها باصدار وزير الخارجية قراره بطرد السفير الايراني في 24 آذار ،لإرساء معادلة “تجهيل العدو المحتل” وتحويل اسرائيل الى شريك بالتحرير من “الاحتلال الايراني” وتبرير ابادة الطائفة الشيعية تحت يافطة “حرب الآخرين على ارضنا” ..
غير ان هذا التصور ، الذي حكم توجه النصاب الماروني والنصاب السني في السلطة التنفيذية، سرعان ما اصطدم بصمود إيران والمقاومة وتلاحمهما ، واصطدمت اسرائيل بالتوازن الايراني الاميركي المؤقت الذي جسدته مذكرة التفاهم كنقطة في سياق صراع مفتوح . وبدت بحاجة الى صرف مزيد من المواقع “الحليفة” لمواجهته … فتحول “الحليف” المتمثل بنصاب السلطة التنفيذية اللبنانية من مستثمِر لهزيمة المقاومة المفترضة الى أداة ضغط اسرئيلي على الوجهة الاميركية التي تدفع باتجاه التوازن مع إيران لانهاء الحرب التي لا تبدو الآن على مشارف نهايتها …وقد يكون اعلان ترامب الاخير عن سقوط مذكرة التفاهم مؤشرا على تراجع هذه الوجهة…
الحرب كلحظة مفصلية
كل شيء كان يوحي بأن المقاومة انتهت و النظام الايراني على وشك السقوط.. غير انه لم يسقط . واظهرت الوقائع التي افرزتها الحرب قصور الرؤية التي تختصر مؤسسة ولاية الفقيه بالاستبداد وحزب الله بالاجهزة التابعة لها .
اظهرت الوقائع ان اشكال المؤسسات السلطوية وعلاقة الجماعات بها محكومة بتدافع الاتجاهات بحقل الصراع مع الهيمنة الغربية ولا تختصر بردها الى المعطيات التاريخية اوبتفسيرها بمفردات فقهية خلافية مفارقة لمسارات الصراع الراهنة …
و بالفعل فان الحرب كلحظة مفصلية لا تُبدِّل موازين القوى العسكرية والاقتصادية بين الأمم فحسب، بل أيضا بُنياتها السياسية و الاجتماعية، واكثر من ذلك ، نماذجها الرمزية المعنوية التي تكثف الموازين وتبدلات البنى ويوفر مؤشرا فعليا على طبيعة الخيارات المستقبلية االمستجدة.
وبهذا المعنى عبّرت مذكرة التفاهم عن غلبة وجهة “إيران –الجماعة الشعبية” الداعمة للحرس الثوري في مواجهة الهيمنة الاميركية الاسرائيلية على وجهة “إيران السلطوية’ التي تتقاسم النفوذ مع هذه الهيمنة وتمركز القوة وتنزلق في زمن الحروب الاهلية..
وبهذا المعنى بالضبط عبّرت مذكرة التفاهم ايضاً عن غلبة توجه الحزب كمقاومة على توجهه كجهاز محاصر بمعادلات تقاسم السلطة الكيانية .
ان هذا ما يُفسر لماذا ادرج لبنان في البند الاول من المذكرة كتعبير عن تحولات فعلية انتجتها المواجهة المشتركة بين الحرس والمقاومة للهجوم الاميركي الاسرائيلي بصيغة وحدة الجبهات.
ومن هنا تؤشر المذكرة الى منعطف فعلي في مسار الصراع المفتوح لن يبدله تراجع ترامب المحتمل عنها…
انه منعطف كشف قدرة إيران على التحكم بمعادلات البحار من خلال مضيق هرمز.. واجبار الادارة الأميركية على مراجعة جدوى الانخراط في مشروع اسرائيل الكبرى.
كشفت مذكرة التفاهم عن تراجع القبضة الاميركية.. فيما كشف اتفاق الإطار عن محاولة اسرائيلية للنفاذ عبر اجنحة السلطة الاميركية لتعديل ميزان القوى في حقل الصراع بضرب صيغة وحدة الجبهات التي تهدد اصل منطقها التفكيكي.
وفيما اشارت مذكرة التفاهم الى تحوّل إيران الى قوة صاعدة في الاقليم تفتح احتمالات اعادة تشكيل اطر سياسية تنحو الى التوازن والاستقلالية …اشار اتفاق الإطار الى العبث بالجمهورية وتفكيك الجيش بضرب صموده ورفضه لمحاولات استتباعه لجيش الاحتلال .. اي الى ما يمكن تلخيصه بتبدل معادلة لبنان من”وطن نهائي لجميع ابنائه ” الى معادلة “نهاية وطن”!



