رأي

في تشييع السيد الخامنئي: حين يتحول الحزن إلى لغة ..والدموع إلى رايات (الشيخ علي حلاوي)

 

 

كتب الشيخ علي حلاوي من قم – إيران – الحوارنيوز

 

في بعض الأيام، يعجز التاريخ عن أن يكتب ما تراه العيون، لأن الحبر لا يتسع لفيض المشاعر، ولأن الكلمات تقف مبهوتة أمام زحف البشر حين يتحول الحزن إلى لغة، والصمت إلى موقف، والدموع إلى رايات لا تحتاج إلى لون.

 

منذ صباح الاثنين في طهران، كانت المدينة تبدو وكأنها تنبض بقلب واحد. لم تكن الجموع مجرد أرقام، بل كانت وجوهًا حمل كل منها قصة، ونظرة، ودمعة، وذكرى. رأيت رجالًا أثقلتهم السنوات، لكنهم ساروا بخطى الشباب، ونساءً أخفين دموعهن خلف الكبرياء، وأطفالًا يرفعون أعينهم إلى مواكب لا يدركون كل تفاصيلها، لكنهم أدركوا أن هذا اليوم ليس ككل الأيام.

 

ثم جاء الثلاثاء في قم، حيث امتزجت هيبة المكان بحرارة العاطفة، فكانت الشوارع بحرًا من البشر، تتردد فيه الهتافات كأنها موجٌ لا يهدأ، وتتعانق فيه الرايات مع الدعوات، ويصير الحزن صلاةً جماعية تتجاوز حدود الكلمات. هناك شعرت أن المشيعين لم يكونوا يسيرون على الأرض فحسب، بل كانوا يحملون في صدورهم إرثًا من الوفاء والانتماء.

 

وحين انتقلت المراسم إلى النجف وكربلاء يوم الأربعاء، بدا المشهد وكأنه امتداد لوجدان واحد لا تعترف حدوده بالجغرافيا. كانت الأرواح قبل الأقدام هي التي تمضي في المواكب، وكانت الأصوات ترتفع بالشعارات التي تعبر عن الغضب والحزن والمطالبة بالعدالة، فيما بقيت العيون معلقة بما تعتبره قضيةً لا تنتهي برحيل الأشخاص.

 

أما الخميس، في مشهد، فقد بدا المشهد أكثر اتساعًا من الوصف. سيولٌ بشرية تتدفق من كل الجهات، ووجوه جمعتها عاطفة واحدة، حتى خُيّل للناظر أن المدن كلها قد اجتمعت في مدينة، وأن الأزمنة كلها قد اجتمعت في ساعة واحدة. كان كل وجه يروي حكاية، وكل دمعة تكتب سطرًا، وكل هتاف يخرج من أعماق الإحساس قبل أن يخرج من الحناجر.

 

ولم تكن الشعارات التي رددها المشيعون مجرد ألفاظ تتردد في الهواء، بل كانت تعبيرًا عن مشاعر الغضب والأسى والإصرار، وعن رغبة معلنة في أن يكون هناك ردٌّ وعدالة ومحاسبة. كانت الأصوات تتعالى، فتملأ الفضاء بقوة العاطفة، حتى بدا أن المدينة كلها ترددها مع أصحابها.

 

قد يختلف الناس في السياسة، وقد تتباين المواقف والقراءات، لكن لا أحد يستطيع أن ينكر أن مشهد الحشود المترامية، والوجوه التي أرهقها البكاء، والقلوب التي اجتمعت على إحساس واحد، يترك أثرًا عميقًا في النفس. فهناك لحظات لا تُقاس بعدد الحاضرين وحده، بل بما تتركه في الذاكرة الإنسانية من صور يصعب أن تمحوها الأيام.

 

وهكذا مضت الأيام من طهران إلى قم، ومن النجف وكربلاء إلى مشهد، وكأنها صفحات من رواية كتبتها الجموع بخطاها، وسقتها بدموعها، ووقّعتها بوفائها. وستظل تلك المشاهد، مهما اختلفت حولها الروايات، شاهدة على أن العاطفة الشعبية، حين تبلغ ذروتها، تستطيع أن ترسم صورًا تبقى راسخة في الذاكرة طويلًا، حيث يعجز الوصف أحيانًا عن ملاحقة ما تراه العين، وما يشعر به القلب.

 

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى