استخدام الذكاء الاصطناعي في المنتجات: هل هو طريق النجاح أم وصفة للفشل؟ (عماد عكوش)

بقلم د. عماد عكوش – الحوارنيوز
بعض الشركات الصغيرة اليوم أصبحت فجأة تنافس الكبار رغم محدودية إمكاناتها ، في المقابل نرى شركات عريقة تتراجع وتختفي تدريجياً . السؤال لماذا يحصل ذلك ؟
الإجابة ليست في حجم رأس المال ، ولا في عدد الموظفين ، بل في شيء أعمق وهو كيفية دمج الذكاء الاصطناعي في جوهر العمل. ففي عصرنا الحالي ، لم يعد الذكاء الاصطناعي رفاهية إضافية، بل أصبح شريان الحياة الذي يضخ المرونة والكفاءة في المؤسسات. بين شركة ميشلان التي حققت أرباحاً إضافية بـ 50 مليون يورو سنوياً بفضل الذكاء الاصطناعي ، وشركة ماكدونالدز التي اضطرت لإيقاف تجربة الطلب الآلي بسبب الإحراج ، نستعرض في هذا التحليل قصص الصعود والهبوط في عصر الذكاء الاصطناعي.
تقليدياً، كانت الشركات الكبرى تتفوق بفضل اقتصاديات الحجم (Economies of Scale ) . أما اليوم ، فالذكاء الاصطناعي يخلق نوعاً جديداً هو “وفورات النطاق الرقمي” Digital Economies of Scope) ).
ان الشركات التي تمتلك بيانات ضخمة ومنظمة (مثل جوجل ومايكروسوفت) تستطيع تدريب نماذج أكثر دقة بتكلفة أقل ، مما يخلق حلقة حميدة (Virtuous Cycle) مستخدمون أكثر ، بيانات أكثر ، نماذج أفضل ، منتجات أفضل ، ومستخدمون أكثر. هذا يفسر ارتفاع نمو إيرادات الشركات المتقدمة بنسبة 6.79 % مقابل انكماش المتخلفة بنسبة -0.51 % (حسب مؤشر 2025).
ان الشركات الصغيرة أصبحت قادرة على الوصول إلى قدرات حوسبة ونماذج جاهزة كـ APIs بتكلفة منخفضة ، مما يلغي حاجز رأس المال. لكنها تواجه تحدياً جديداً وهو حاجز البيانات المتخصصة (Data Moat) . فشركة مثل Jenni.ai بفريق 9 أشخاص نجحت ليس لأنها تملك نموذجاً أفضل ، بل لأنها بنت قاعدة بيانات أكاديمية متخصصة وفهمت سياق الاستخدام بدقة ، متفوقة على منافسين أكبر يملكون نماذج عامة.
الخطأ الشائع هو النظر إلى الذكاء الاصطناعي كمنتج منفصل ، بينما الصحيح هو اعتباره طبقة بنيوية (Infrastructure Layer) تدمج في كل عملية. وهنا يظهر الفارق بين النجاح والفشل.
في عام 2026 لم يعد السباق نحو النموذج الأكبر، بل نحو النموذج الأكثر كفاءة. شركة مايكروسوفت كشفت عن نموذج MAI-Thinking-1 الذي ينافس أوبن إيه آي في البرمجة بتكلفة تشغيل أقل بعشر مرات . هذا يؤكد أن القيمة ليست في الحجم ، بل في التوافق مع المهمة (Task-Product Fit) .
ان نجاح شركة ميشلان في 200 حالة استخدام ، وشنايدر إلكتريك في 100 حالة تشغيلية ، يعود إلى أن الذكاء الاصطناعي لديهم ليس “إضافة تسويقية” بل جوهر العمليات (من فحص العيوب إلى سلسلة التوريد). أما الفشل مثل تجربة ماكدونالدز في الطلب الآلي ، فكان بسبب تطبيق الذكاء الاصطناعي في بيئة صاخبة وغير متوقعة دون فهم للقيود التقنية ، مما أدى إلى أخطاء فادحة.
ان التنافس لم يعد حول من يستخدم الذكاء الاصطناعي ، بل حول من يتحكم في مفاتيح القوة فيه فإن الإجابة تتكشف عبر أربع جبهات ساخنة ، تتقاطع فيها استراتيجيات العمالقة بشكل مذهل.
الجبهة الأولى: معركة الاستقلالية عن الشريك تبدأ القصة مع مايكروسوفت ، التي كانت حتى وقت قريب تعتمد اعتماداً كبيراً على نماذج أوبن إيه آي. لكن الشركة العملاقة أدركت أن ولاءها لتقنية خارجية قد يكلفها مليارات الدولارات سنوياً، ويضعها في موقف المستأجر لا المالك لذلك ، أطلقت في مؤتمر ” Build 2026 ” سبعة نماذج داخلية، أبرزها MAI-Thinking-1 ، لتقلص اعتمادها التدريجي على شريكها ، مع إبقاء الشراكة قائمة فقط لتأمين الوصول إلى أحدث الابتكارات. إنها استراتيجية “الاحتفاظ بالخيارات” في مواجهة “الارتباط المصيري” .
الجبهة الثانية: معركة الكفاءة مقابل الحجم بينما كانت جوجل تتصدر سباق النماذج الضخمة ، فاجأت الجميع بإعلانها عن Gemini 3.5 Flash ، مؤكدة أن المؤسسات بدأت تنفد ميزانياتها الرمزية السنوية ، ولم تعد مستعدة لدفع ثمن باهظ مقابل تحسن هامشي في الأداء . هنا تحولت جوجل من استراتيجية “الأفضل أداءً” إلى “الأفضل قيمةً”، مقدمة نموذجاً أسرع وأرخص يجذب قاعدة أوسع من العملاء. في المقابل ، صرحت مايكروسوفت بأنها حققت كفاءة في التكلفة أفضل بعشر مرات من أوبن إيه آي ، لتدخل السباق من باب آخر وهو باب التكلفة التشغيلية لا حجم النموذج.
الجبهة الثالثة: انقسام السوق بين المؤسسات والمستهلكين هنا يظهر انقسام استراتيجي عميق. أوبن إيه آي وأنثروبيك راهنتا بقوة على سوق المؤسسات (B2B) ، حيث يشكل هذا القطاع وحده ما بين 40% إلى 50% من إيرادات أوبن إيه آي ، لأن الشركات الكبرى قادرة على تحمل التكاليف الباهظة للاشتراكات المتميزة . لكن في الطرف الآخر ، اختارت أبل وجوجل نهجاً مختلفاً تماماً وهو استغلال مليارات الأجهزة النشطة حول العالم لتقديم الذكاء الاصطناعي للمستهلكين (B2C) مجاناً أو باشتراكات رمزية . أبل تقدم مساعدها الجديد Siri AI كتطبيق مستقل ، وجوجل تدمج وكلاء الذكاء الاصطناعي في البحث وتحرير الفيديو ، معتمدة على ضخامة الحجم لتعويض هامش الربح المنخفض . إنها معركة بين “العمق المؤسسي” و”الاتساع الجماهيري”.
الجبهة الرابعة: الخصوصية كسلاح تنافسي في مفارقة مثيرة ، تقف أبل وحدها في زاوية مختلفة تماماً عن الجميع . بينما يبني المنافسون نماذج سحابية ضخمة تستهلك كميات هائلة من الطاقة والبيانات ، تراهن أبل على نهج “الخصوصية أولاً” ، حيث تدير معظم مهام الذكاء الاصطناعي محلياً على جهاز المستخدم عبر شريحتها الخاصة ، ولا تلجأ للسحابة إلا للعمليات الأكثر تعقيداً من خلال نظامها ” Apple Private Cloud Compute ” . هذا التمايز العالي ليس مجرد خيار تقني ، بل رهان اقتصادي على أن البيانات هي النفط الجديد ، وأن شريحة متزايدة من العملاء تفضل التضحية ببعض الأداء الخام مقابل أمان وخصوصية لا يمكن اختراقها، خاصة في ظل تشريعات صارمة كـ GDPR .
في الخلاصة لماذا تزدهر بعض الشركات وتندثر أخرى؟
الإجابة ليست في استخدام الذكاء الاصطناعي أو تركه ، بل في نموذج اتخاذ القرار:
1. الشركات التي تزدهر : تلك التي تستخدم الذكاء الاصطناعي لتقليل التكاليف الحدية ( Marginal Costs ) وزيادة مرونة العمليات ، مع الاستثمار في البيانات الخاصة (كميشلان) أو الخبرة السياقية كـ Jenni.ai . هي تفوز بفضل الكفاءة وليس الحجم.
2. الشركات التي تتراجع ليست فقط المتخلفة عن الركب ، بل أيضاً تلك التي تستخدمه استخداماً سطحيًا بغرض “التجميل التقني” ، أو التي تستبدل البشر بالذكاء الاصطناعي دون إعادة تصميم العمليات كحالة Klarna التي ندمت على الاستغناء عن موظفيها . هذا النوع من التبني يخلق تكاليف خفية نتيجة تراجع الجودة ، تآكل السمعة ، ومقاومة العملاء.
في النهاية الذكاء الاصطناعي ليس لعبة محصلتها صفر Zero-Sum) ) حيث يفوز مستخدمه ويخسر غيره ، بل هو معجل تطور Evolution Accelerator) ) . الشركات التي تفهم أن التحدي الحقيقي هو إعادة هندسة العمليات (Process Reengineering) وإدارة التغيير الثقافي Change Management) )، وليس مجرد “شراء روبوت” ، هي وحدها من ستصمد ، سواء كان حجمها كبيراً أو صغيراً ، والدول التي تتبنى ذلك وتعمل على تطوير بنيتها التحتية لتحقيق هذا التطور بالتأكيد ستحقق معدلات نمو اكبر بكثير من تلك التي تتخلف .



