في الشعائر الحسينية وبنيتها المنهجية (الشيخ محمد شقير)

بقلم الشيخ أ.د. محمد شقير – الحوارنيوز)
أ- مفهوم الشعائر والمنهج:
الشعائر جمع شعيرة، وهي بمعنى العلامة، التي تدل على شيءٍ ما. فالشعائر هي العلامات التي تدل على شيءٍ ما ذي مكانة أو قدسية. بغض النظر عن طبيعة تلك المكانة، أو مضمون تلك العلامة.
أما الشعائر الحسينية، فهي تلك الأعمال والأمور، التي تدل على معاني ثورة الإمام الحسين(ع) ورسالته ومدرسته، وتؤدّي في حال إقامتها وممارستها الى إحياء تلك المعاني، بل الى إحياء تلك النفوس والمجتمعات بتلك المعاني، التي جاءت في رسالة الحسين(ع)، ومدرسته، وثورته. حيث يمكن لتلك الأعمال أو الممارسات أن تأخذ طابعاً اجتماعياً، كالاحتفالات والمسيرات ومجالس العزاء، أو إعلامياً من قبيل الكثير من النشاطات الإعلامية التي تقام في المناسبات العاشورائية، أو فكرياً وثقافياً من قبيل الندوات والمؤتمرات والمحاضرات التي تقام في هذا السياق، أو فنياً من قبيل المسرحيات والأفلام التلفزيونية، وغيرهما مما يرتبط بهذا الجانب.
وعليه فإن المراد بالمنهج هنا هو طريقة التفكير وخطواته، والتي يجب أن تعتمد للوصول بالشعائر الحسينية الى أهدافها ومقاصدها، ولتقوم بوظيفتها التي جعلت من أجلها.
ب-أدلة الشعائر:
يمكن القول إن أدلة الشعائر الحسينية على قسمين: قسم منها يتضمن عنواناً عاماً ينطبق على مصاديق مختلفة من تلك الشعائر، وقسم آخر يتضمن عنواناً خاصاً بأحد مصاديق تلك الشعائر.
- القسم الأول: لعلّ من أهم العناوين العامة ما ورد عن أئمة أهل البيت(ع) من روايات تدعو إلى إحياء أمرهم، من قبيل قول الإمام الباقر(ع): ” أحيوا أمرنا، رحم الله من أحيا أمرنا”
- القسم الثاني: وهو مما جاء في رواياتهم (ع) من تحديد لعناوين بعينها، ولمصاديق محدّدة من الشعائر الحسينية، من قبيل دعوتهم الى البكاء، والتباكي على الإمام الحسين (ع)، وإقامة المآتم، وإظهار الجزع عليه، وندبه، وزيارة مرقده، وجعل الأيام العشرة الأوائل من محرم أيام حزن ومصيبة وبكاء، إلى إنشاد الشعر وإنشائه في الحسين (ع)، وغيرها العديد من تلك المصاديق الجزئية
ت- منظومة روايات الشعائر الحسينية : البنية المنهجية ونتائجها:
ذكرنا أن منظومة روايات الشعائر الحسينية الواردة عن أهل البيت(ع) لم تقتصر على بيان المصاديق الشعائرية (الصغرى)، وإنما ضمّت إليها مفهوماً (الكبرى) ينطبق على تلك المصاديق، ويتسع لها ولغيرها. وعليه يمكن القول إن بنية تلك المنظومة هي بنية ثنائية، أي مفهوم/ مصداق، أو كبرى/ صغرى.
والسؤال هنا هو في فلسفة هذه البنية المنهجية، أنها لماذا كانت على هذه الكيفية؟ وما النتائج التي قد تترتب على هذه البنية؟.
يمكن القول إن هذه البنية المنهجية كانت على هذه الكيفية لتحقيق أكثر من غاية، حيث يمكن أن نتلمس هنا العديد من النتائج، التي تترتب على تلك البنية، وهي:
1- عدم الاقتصار على تلك المصاديق الشعائرية، التي وردت في روايات أهل البيت(ع)، مع كونها من أهم المصاديق الشعائرية، التي قامت بدور استثنائي وكبير جداً في التاريخ – وما زالت – في إحياء أمر أهل البيت(ع)، والحفاظ عليه. لكن هذه المصاديق وإن كانت ثابتة بتغير الزمان والمكان، لكنها ليست مصاديق حصرية.
2- تؤسس تلك البنية لدينامية مستديمة وخلاّقة في تطوير الشعائر الحسينية، بمعنى أنها تفتح الباب على إمكانية أن يُعمل على رؤية ذات شروط ومعايير منهجية، قادرة على تلقّف جميع المتغيرات والتطورات الاجتماعية وغيرها، بهدف اجتراح نماذج مستحدثة، وانتاج مصاديق شعائرية جديدة، والتطوير الدائم لها، بما ينسجم مع وظيفة الشعائر وشروط صناعتها، ولتكون قادرة على القيام بأكثر من دور في إحياء أمر أهل البيت(ع)، والحفاظ عليه.
3- مراعاة الزمان والمكان في تطبيق الشعائر، بمعنى أن تطبيق الشعائر وإقامتها له بعد اجتماعي واضح لا يمكن نكرانه، يتصل بالعادات، والأعراف، والتقاليد، والثقافة المجتمعية… – طبعاً الحديث هنا ليس في تلك الشعائر الثابتة والمنصوصة، التي تتصل بالبعد الفطري الثابت، وإنما الكلام في تلك الشعائر المستحدثة، التي تدخل في مساحة التغيّر- ومن هنا يمكن لإحدى الشعائر الحسينية أن تؤدي دورها في الإحياء، وتقوم بجميع وظائفها في زمانٍ ما، لكنّها قد لا تكون كذلك في زمانٍ آخر. ويمكن لإحدى الشعائر أن تؤدّي ذلك الدور، وتقوم بتلك الوظائف في مكانٍ ما، لكنّها قد لا تكون كذلك في مكانٍ آخر.
والسبب في ذلك أن اختلاف الزمان والمكان، وما يعنيه ذلك من اختلافٍ في الأعراف، والتقاليد، والثقافة المجتمعية، وغير ذلك؛ قد يؤدّي إلى اختلاف النتائج والآثار التي تترتّب على هذه الشعيرة أو تلك، وإقامتها. فلربما تكون النتائج السلبية أكثر بكثير من النتائج الإيجابية، ولربما يكون العكس من ذلك. وذلك بحسب تلك الظروف والاعتبارات الاجتماعية والثقافية، واختلافها بين مكانٍ وآخر، أو بين زمانٍ وآخر. وهو ما يستدعي ملاحظتها بشكل دائم من أجل بحث وتقييم مجمل الإيجابيات والسلبيات، التي قد تترتب على هذا التطبيق الشعائري أو ذاك، فما غلبت ايجابياته سلبياته يُعمل به، وما غلبت سلبياته إيجابياته يُعرض عنه.
وهذا ما يتطلب أن تؤخذ بشكلٍ واعٍ وهادفٍ شروط الزمان والمكان، دون حماسة مفرطة، قد تعطّل دور العقل والوعي، ومختلف العلوم والخبرات ذات الصلة، ولربما تسيء بشكل أو آخر إلى معاني الإحياء وأهدافه، هذا من جهة. ودون مغادرة ثقافة الاعتزاز، وقيم الانتماء إلى الحسين(ع)، ورسالته، وشعائره، والتعبير عنها، وإقامتها بثقة عالية، وعزة كافية، من جهة أخرى.



