مقام الرئاسة بين الواجبات والخلافات (أحمد حوماني)

بقلم د. أحمد موسى حوماني – الحوارنيوز

يؤكد فخامة الرئيس جوزيف عون في الفترة الأخيرة على مجموعة نقاط تكرر نفس المضمون ولو بكلمات مختلفة، وفي كل مرة نقرأ فيها تصريحاته ينساق إلى أذهاننا أنه يخوض معركة عظيمة مع الآخر في الوطن، فتعابيره كثيرًا ما تبدو هجومية، خصوصًا عندما يتحدث إلى وسائل إعلام أجنبية، لكن لو تعمقنا بهذه التصريحات لوجدنا أن أغلبها لا يحتاج إلى هذا الأداء الهجومي، فهي في أغلبها إما متوافق عليها بين اللبنانيين، أو أن التباين هو في كيفية المقاربة، وليس في أصل الفكرة، وهذا الأمر يحتاج إلى مراجعة فريق الرئيس الإعلامي لإطلالاته التلفزيونية، ولكيفية استثمارها في توحيد اللبنانيين حول موقع رئاسة الجمهورية.
قبل أي أمر، رئيس الجمهورية هو رئيس كل لبنان من أقصى الحدود مع فلسطين المحتلة إلى أقصى الشمال والشرق مع الشقيقة سوريا، وتفصيل ذلك أنه مسؤول عن كل اللبنانيين الذين يعيشون تحت سماء هذا الوطن، وهذا الأمر يستدعي خطابًا يُلبّي هذه المقولة، ويُفترض أنه (بيّ الكل)، وحتى لو سلمنا معه بأن أحد الأولاد قد أخطأ لسبب ما، سواء كان السبب مشروعًا أم غير مشروع، فهذا لا يُخرجه عن لبنانيته، ووجوب رعايته، وعادةً (بيّ الكل) هو صاحب القلب الكبير الذي يتسع للجميع ولكل خلافاتهم وأفعالهم، ومهما كانت رؤيته وقناعته فهو يسعى إلى الجمع والتوحيد لا إلى التفرقة والتفكيك، ومهما كان موقف أبناء البلد فلا يُمكن للرئيس أن يقطع التواصل مع أحد مكونات شعبه، فهو العنوان الجامع، ولا يُعد ذلك تنازلًا منه، بل فضيلة وواجبًا في بعض الأحيان لحفظ الوطن وأبنائه.
في الموضوع الاجتماعي لا يُفترض برئيس الجمهورية التمييز بين أبنائه، ويجب على فريقه في العلاقات العامة الانتباه إلى هذا الأمر، حتى لا يُنظر إليه كرئيس لفئة من الشعب أو لطائفة ما، أو لجهة حزبية ما، أو لمنطقة ما، لذا؛ فلا يُمكنه مثلًا تبني إيصال مساعدات لقرية ما دون قرية أخرى، أو السعي لإيقاف عدوان على بلدة أو مدينة دون أخرى، أو تأمين الكهرباء والماء لمنطقة دون أخرى، وفي الأصل كل ذلك ليس من مسؤوليته المباشرة، فهناك وزارات ومصالح في الدولة يجب أن تقوم بذلك، وحتى لو لجأ البعض إليه للمساعدة، فليس من مصلحته الشخصية كرئيس الإعلان عن ذلك، خصوصًا أنه لم يفعل ذلك لمناطق أخرى، لأن ذلك يُسيء إلى موقعه الرئاسي كرئيس لكل الجمهورية، كما لا يُمكن للرئيس مثلًا أن يستنكر استشهاد بعض اللبنانيين فقط لأنهم ينتمون لطائفة معينة، ولا يوجه أصابع اللوم والمسؤولية للعدو الصهيوني الذي قتلهم، بينما يستشهد المئات من دون تعليق منه، وإذا حدث ذلك فهو يتبعه بإلقاء اللوم على المقاومة من دون توجيه المسؤولية للعدو الصهيوني، وكذا في استقبال بعض العائلات ووفود القرى، من دون الاستماع للجميع واستقبالهم، كل ذلك يجب أن يُفعل لكن عليه ألا يُميز بين أبناء بلده، وهذه الأمور يجب على فريق عمله الانتباه لها لحفظ مقام رئاسة الجمهورية، وحتى لا يتعرض للانتقاد من الشعب، فالمساواة أحد شروط القيادة الحكيمة كما العدالة بين الجميع.
في الموضوع السياسي، فإن أخطر ما في مواقف الرئيس ليس المفاوضات المباشرة، أو كيفية تشكيل فريق التفاوض، أو ترتيب البنود المطروحة للنقاش، لكن أخطرها هو قناعة فخامة الرئيس أن المقاومة هُزمت في الحرب، وأن العدو الصهيوني قد انتصر، سواء كان ذلك نتيجة قناعة شخصية، أو تم إقناعه بذلك من قبل بعض مستشاريه وفريق عمله، لأن هذه القناعة قد جرّت الانقسام والخلاف بين أبناء الوطن، وهي مقدمات أنتجت لاحقًا هذا المسار التفاوضي غير المتكافئ، ولو كانت القناعة بأن المقاومة أي مقاومة لا تُهزم طالما استمرت في المقاومة، لتغيّر الموقف السياسي اللبناني في المفاوضات، فالمقاومة لا تنتصر بهزيمة العدو، بل بإيلامه وإفشال مخططاته، وهي لا تنهزم بناء على الكلفة المادية والبشرية التي يدفعها شعبها – ولو كان ذلك لما وجدت مقاومة على وجه الأرض، ولما تحرر شعب من نير الاحتلال في أي مكان في العالم – فالكلفة البشرية والمادية هي جزء من معركة التحرير المستمرة للمقاومة.
نعود للمواقف السياسية لفخامة الرئيس، ففي الموقف الأول يقول: إن الحروب دائمًا تنتهي بالتفاوض، وهذا الكلام صحيح، وهو رأي كل من يتعاطى العمل السياسي، ولا نجد أحدًا في لبنان يقول غير ذلك، والخلاف مع الرئيس لم يكن في مبدأ المفاوضات، فقد سبق للبنان أن خاض جولات كثيرة من المفاوضات مع العدو الصهيوني، لكن ذلك كان بإجماع اللبنانيين على مختلف انتماءاتهم، فالخلاف هنا هو حول التفاوض المباشر، فالرئيس برر ذلك بموازين القوى على الأرض وهذا خطأ جسيم أفظع من نفس المفاوضات المباشرة، لأن ذلك مبني على ما ذكرناه من أن الرئيس يعتبر أن المقاومة قد هُزمت، وهذا ليس واقعيًا، وقد أثبتت المقاومة ذلك باستمرار قتالها اليومي، فأخطأ الرئيس بالذهاب إلى المفاوضات المباشرة، وأخطأ لاحقًا بتبرير الذهاب إليها بموازين القوى على الأرض، علمًا أن المرة الوحيدة التي ذهب فيها لبنان إلى المفاوضات المباشرة في اتفاق ١٧ أيار ومن دون توافق وطني، أدت لاحقًا إلى إلغائه وتحميل رئيس الجمهورية آنذاك تبعات ذلك.
أما الموقف الثاني فهو قوله إنه اختار طريق المفاوضات وسيكمل به إلى النهاية، وحسب اطلاعنا لم نجد أحدًا قال بالانسحاب من المفاوضات، حتى أشد المختلفين مع الرئيس لا يقولون بذلك، والخلاف هنا عدا عن المباشرة في المفاوضات مع العدو، هو أن استمرارها بنفس العقلية لن يوصل إلا إلى مزيد من التنازلات السياسية، وبالتالي ضرب مفهوم السيادة، فالأولى إعادة النظر بكيفية التفاوض، أي بالعقلية التي تحكم فريق التفاوض، ليكون الهم الأساسي حفظ الوطن وسيادته، ولا يكون ذلك إلا بالاستفادة من أوراق قوته وفي طليعتها المقاومة التي تثبت قوتها يومًا بعد يوم، وتسير نحو تكبيد العدو مزيدًا من الخسائر التي لن يقوى على تحملها في المدى المنظور.
الموقف الثالث هو أن الرئيس دومًا يضع اللوم على المقاومة، وأن المقاومة لم تأت بالأمن إلى الجنوب، ومن جهة ثانية لا نراه يُصعّد بوجه العدو الصهيوني، وإذا فعل ذلك، فيستخدم عبارات غير معبرة عن جرائمه التي يرتكبها يوميًا في كل أنحاء لبنان، وهذا الأمر لا يتناسب مع موقع رئيس الجمهورية، فيُفترض دومًا أن يوجه سهامه باتجاه العدو الصهيوني، وعليه تحميله المسؤولية الكاملة عن كل ما يحدث، وهو وجزء مهم من فريقه يعلمون أن العدوان الصهيوني متواصل منذ خمسينيات القرن الماضي ولم يتوقف حتى اليوم، وأن المقاومة التزمت لخمسة عشر شهرًا بوقف إطلاق النار، ومن لم يفعل ذلك هو العدو الصهيوني، وقد هدم وجرف وفجر المئات من المنازل، وواصلت طائراته العدوان على الناس، مما أدى إلى أكثر من خمسمائة شهيد، فالحق أن يكون موقف رئاسة الجمهورية عنيفًا وقاسيًا بوجه العدو، ومبررًا للمقاومة قتالها ضده.
الموقف الرابع هو موقف اتخذه رئيس الجمهورية في الفترة الأخيرة، وهو تحميل المسؤولية المباشرة لحزب الله أو لأمينه العام عما يمكن أن يحدث إذا استمر في مقاومته، وهذا أيضًا موقف غير مألوف من رئيس للجمهورية. نعم قد يُعبر عنه وزير الدفاع مثلًا أو رئيس الوزراء وهو يفعل ذلك، لكن رئيس الجمهورية لا يمكنه وهو أعلى مقام في الجمهورية أن يأخذ هذا الموقف ضد فريق يمثل جزءًا مهمًا من الحراك السياسي في البلد، وهو ممثل بشكل واسع في البرلمان اللبناني، وشعبيًا هو الأكثر عددًا من كل الأحزاب في لبنان.
الموقف الأخير الذي نذكره هو موقفه من الجمهورية الإسلامية في إيران، هذا الموقف الذي لا نرى له سببًا مقنعًا. صحيح أن يقف لبنان إلى جانب أشقائه من الدول العربية، وهذا ليس غريبًا، لكن المستغرب أن يُزايد لبنان على الدول العربية بالقطيعة والعداء لإيران. كما أن رئيس الجمهورية ليس بمقام وزير خارجية أو سواه ليقوم بالتشهير بإيران في كل تصريحاته، فإيران ليست عدوًا، وحتى دول الخليج لا تعتبرها كذلك، فقط العدو الصهيوني يعتبرها عدوًا. فلماذا هذا الموقف القاسي ضد إيران؟ ألا يُفترض أن السياسة هي فن التواصل، وأن لا تُقطع شعرة العلاقة والتواصل حتى مع الخصوم، فكيف بالأصدقاء كإيران! وهو عادة يتباهى عندما يريد تبرير التفاوض مع العدو الصهيوني بالقول إن إيران تفاوض أمريكا، وهذا صحيح، لكنه قول مردود إليه، فإذا كانت أمريكا تتحدث مع إيران بلغة الاحترام والتقدير، ولا تقطع التواصل معها، فلماذا هذا الموقف منه تجاه إيران؟ هذا عدا عن أن ثلث الشعب اللبناني الذي هو رئيسه تربطه علاقات مميزة دينية وسياسية مع إيران التي يهاجمها في كل تصريح.
ومن باب النصيحة، فرئيس الجمهورية ليس كرئيس الوزراء ولا كوزير، فرئيس الوزراء والوزير لا يمثلون ما يمثله رئيس الجمهورية، هم يأتون ويذهبون وفق أوضاع سياسية معينة، لكن رئيس الجمهورية يستمر طيلة فترة حكمه، وموقع الرئيس لا يتحمل العداء المطلق مع الدول المختلفة. لذا؛ نرى أن موقفه من إيران بحاجة إلى مراجعة شاملة، تتوافق مع موقع الرئيس والأعراف الدبلوماسية المتعارف عليها دوليًا.
إن كل ما ذكرناه هو محاولة للفت نظر فخامته بالدرجة الأولى إلى طريقة تعاطيه مع العديد من الملفات الساخنة في لبنان، ونعتقد أنه بحاجة إلى مراجعة مواقفه بما يتناسب مع موقعه كرئيس للجمهورية، وأن يتعالى عن أي اختلاف أو إساءة. كما نعتقد أن إعادة تصويب مواقفه بما يخدم مصلحة الشعب والوطن يجب أن تكون هاجسه، ولو أدى ذلك إلى تخلّيه عن مجموعة من فريق عمله الذين ينطلقون في تقييمهم للواقع الحالي من خلفيات حزبية وطائفية، غير آبهين بمقام رئيس الجمهورية، وضاربين بعرض الحائط مصلحة الوطن وسيادته واستقلاله.



